القوي الاقتصادية الصاعد تهدد عرش الدولار

صلاح شعير
salah2fsh2@yahoo.com

2017 / 2 / 24

مازال الدولار يتربع على عرش العملات العالمية المستخدمة في التجارة الدولية؛ إذ يُستخدَم الدولار في نحو 90% من العقود التجارية على مستوى العالم، ويتم تداوله بمعدل 5 تريليونات دولار يوميًّا، ويمثل العملة الأكبر في نسب الاحتياطي النقدي في البنوك المركزية العالمية، بنسبة 71%؛ بينما يحتل اليورو المركز الثاني بمعدل23% ، ثم الجنيه الإسترليني والين بما يقدر بنحو 4%.

ويرجع تفوق الدولار إلي قوة الاقتصاد الأمريكي حيث بلغ الناتج المحلي عام 2015 إلي نحو 18.036 تريلون دولار، من أجمالي الناتج المحلي العالمي والبالغ 73.89 تريلون دولار لذات العام، وبما يوزاي 24.4% من اقتصاد العالم، تليها الصين، ثم اليابان، وتشير بعض الدلائل علي أن العالم مقبل علي حرب عملات طاحنة.

قوة الدولار: يستمد الدولار سطوته من قوة الاقتصاد الأمريكي، حيث يمتلك 321.4 مليون نسمة نحو ربع اقتصاد العالم، ويدعم الدولار جهاز إنتاجي متطور، ومستوي دخل مرتفع يضمن تحفيز القوي المنتجة على العمل، وتحتل الولايات المتحدة المرتبة رقم 6 من بين أكثر دول العالم دخلاً للفرد، ومن ثم لا تزال الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة هي عامل التمييز نظرا لأن هذه الطبقة هي عماد التنمية الشاملة، وتعزز الولايات المتحدة قوتها الاقتصادية بمنظومة عسكرية هائلة، حيث تحرك قواتها لضمان السيطرة علي العالم بنفقات عسكرية كبيرة، بلغت في نحو 581 مليار دولار 2015م، ورغم أن الجنيه الاسترليني عملة مستقلة إلا أنه في تحالف مع الدولار نظرًا للعلاقات الوثيقة بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.


اليورو: وينتج نحو 339.4 ملايين نسمة بالاتحاد الأوروبي نحو 16.331 تريليون دولار تقريبا، هي قيمة الناتج المحلي لهذه الدول، وتتمتع الدول الصناعية الكبري بمنطقة اليورو كألمانيا وإيطاليا، وفرنسا، باقتصاد قوي أما باقي الدول يتباين موقفها بين المتوسم، وفوق المتوسط ، وسوف تقاتل هذه الدول بقوة لحماية عملتها، للحفاظ علي معدلات الرفاهية، وسوف يعزز ذلك التفوق النهضة العلمية بعظم هذه الدول، بالإضافة إلي الغطاء العسكري من قبل حلف شمال الأطلسي. بيد أن الخطر الذي يهدد مستقبل اليورو والدولار يأتي من قبل اليوان الصيني حال استمرار معدل النمو بالصين علي نفس الوتير.

اليوان الصيني: يبلغ الناتج المحلي للصين كثاني أكبر اقتصاد بالعالم نحو11.007 تريلون دولار، وقد أنعكس ذلك علي رفع دخل الفرد وفقا لتعادل القوة الشرائية من 990 دولار عام 1990 إلي 1839 دولار عام 2015 ، من ثم زيادة حجم الطبقة المتوسطة كطبقة فاعلة في البناء، وتمتلك الصين 1054 طن ذهبيًا، وبما يعادل 54 مليار دولار أمريكي. وتتمع بكونها أكبر سوق استهلاكي في العالم، حيث يبلغ عدد سكانها 1.371 مليار نسمة، وهذا يمكنها من إقامات صناعات كبرى، وجلب الاستثمارات لتلبية حاجة السوق الداخلي، ومن ثم ارتفاع معدلات النمو. كما أن أسعار السلع والخدمات بها منخفضة أذا ما قورنت بمثيلتها بدول العالم الغربي.

بدأ الصراع الاقتصادي يطفو فوق السطح منذ عام 2003، عندما حققت الولايات المتحدة عجزًا تجاريًا قدره 124 مليار دولار، واستجابة الصين للضغوط 2005م، ورفعت قيمة عملتها بمعدل 20% ، ولكن الأزمة المالية العالمية جعلت الصين تتوقف عن رفع قيمة عملتها؛ كي تتمكن من دعم صادرتها بأسعارها تنافسية. واسفر الصراع بأن أصبحت الصين أكبر دائن للولايات المتحدة الأمريكية، بنحو 1.6 تريليون دولار.
ويعد سعر صرف اليوان الصيني من المشكلات التى تهدد اقتصاد الغرب، وتدعم الصين اقتصادها بجيش قوي، بأن أنفقت علي التسليح نحو 129.4 مليار دولار عام 2015، وهذا يعزز من فرص النمو، والزحف للاستحواذ علي جزء من أسواق النقد مستقبلا.

الين الياباني: ورغم أن متوسط دخل الفرد الياباني يبلغ نحو 32477 دولار سنويا، ألا أن الشعب الياباني يدخر من 20% إلى 40% من دخله، بسبب الإنضباط في الإنفاق، وإنتشار ثقافة الترشيد، وذلك يساعد في زيادة حجم الودائع بالجهاز المصرفي، ويدعم سياسية الإبقاء على أسعار الفائدة طويلة الأجل عند نحو 0%، ومن ثم تتحرك السياسة النقدية في اليابان نحو دعم المشروعات الاقتصادية بالمال دون فوائد بنكية، وبالتالي تنخفيض تكاليف الإنتاج ، وهذا يعزز فرص الاستثمار، ويتفق مع مبادئ الاقتصاد الإسلامي.

ويعد العامل الياباني هو نقطة القوة، من خلال إلتزامه بالنظام، والقوانين، وإخلاصه في العمل، علاوة علي الشعور الوطني، فلا يشتري المواطن الياباني سوى المنتج المحلي، أضف إلي ذلك جودة التعليم، فلا توجد أمية مطلقًا، ومن ثم يعد رأس المال البشري هو نقطة تفوق اليابان، وبفضلة احتلت اليابان مرتبة ثالث اقتصاد في العالم، وهذا يدعم الين الياباني في صراع العملات الدولية.

الروبيل: يقدر اقتصاد روسيا بنحو 2.1 تريليون دولار, وتصنف كتاسع أغنى دولة في العالم, ومتوسط دخل الفرد من الناتج المحلي الاجمالي نحو 18 ألف دولار, بيد أن في 11 % من سكانها تحت خط الفقر، ومن الممكن تعافي الاقتصاد الروسي نظرًا لتنوع مصادر الدخل، كما أن اقتصادها مدعوم بقوة عسكرية هائلة، حيث تقدر نفقاتها العسكرية عام 2015م بنحو 70مليار دولار، وهذا من الممكن أن يعزز عملتها.

الروبية الهندية: تحتل الهند المركز العشر عالميا، و يبلغ الناتج المحلي بها نحو 2 تريليون دولار, ولكن 29.8 % من مواطنيها تحت خط الفقر. إذ يبلغ متوسط دخل الفرد بها 1589 دولار سنويا، بيد أن نقطة القوة لديها أن بها ثاني أكبر سوق استهلاكي في العالم، حيث يقدر سكانها بنحو 1.311 مليار نسمة، وهذا يسمح بنمو المشروعات العملاقة لتلبية حاجة السوق، وتعزيز قيمة الروبية.

العملات العربية: تعد العملات العربية ضعيفة نظر لضعف الهياكل الإنتاجية بالعالم العربي، ولعل أبرز ما يمكن الحديث هو ضعف حجم الناتج المحلي بالعالم العربي، حيث لا يتجاوز نسبته 3% من الناتج المحلي العالمي.

وتعتمد الدول العربية علي الدولار سواءً كاحتياطي في البنوك المركزية، أو كودائع في البنوك الغربية، ومن ثم فهي من الدول التي تتأثر بالسلب جراء انفخاض قيمة الدولار، وقد بلغ احتياطي النقد الأجنبي بالعالم العربي نحو 616.4 مليار دولار نهاية عام 2015م. ويبلغ متوسط دخل الفرد العربي نحو 6545 دولار سنويا، وهذا المتوسط لا يعبر عن الحقيقة نظرا للتفاوت الكبير بين الدول، فمتوسط دخل الفرد في قطر نحو 73653 دولار، وفي السودان 2414 دولار، ونقطة الضعف أن الاقتصاد العربي مازال يعتمد علي النفط والمواد الأولية، ويعاني من الفقر المائي، ومن السابق لأونه أن تؤثر العملات العربية في أسواق النقد العالمية.

تراجع مملكة الدولار: تسعي دول العالم للهروب من مصيدة الدولار، نظرًا لأن تحريك سعر صرفه بالتخفيض يبدد مدخرات الدول، ويمكن الولايات المتحدة من ترحيل جزءًا من التضخم إلي الغير، ولذا هرول البعض للهروب من فخ الدولار، وكمثال وقعت السعودية اتفاقا مع الصين، تتم بموجبه التعاملات التجارية بين البلدين بـ"اليوان" الصيني و"الريال" السعودي. وبالتالي خرج نحو 49.2 مليار دولار من سوق التعاملات بالدولار بنهاية 2016، وأيضًا قررت روسيا وتركيا استخدام الروبيل والليرة في التبادل التجاري، لتحل محل نحو 30 مليار دولار سنويا، أما مصر والصين وقعا اتفاقية ثنائية لمبادلة العملات بمبلغ 18 مليار يوان مقابل ما يعادل هذا المبلغ بالجنيه المصري، على مدار 3 سنوات، وسوف تحذوا الكثير من دول العالم نحو هذا الاتجاه، وسوف يشهد العالم حرب عملات طاحنة، بيد أن الفيصل في كسب هذه الحرب يتوقف علي حجم الإنتاج بأي دولة حيث أن الطلب على العملات مشتق من الطلب علي السلع والخدمات.

ونظرا لأن النمو بالدول الصاعدة، يهدد منطقة الدولار واليورو، ربما يشهد العالم المزيد من الاضطرابات، وخاصة العالم العربي لأن إيدلوجية الدول المهيمنة تقوم علي تفتيت الكيانات الناشئة لضمان السيطرة علي اقتصاد العالم، متحصنة بترسانة مخابراتية، وعسكرية كبري.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World