تناقضات العهد الجديد المنقح13

مهرائيل هرمينا
hermena34@gmail.com

2017 / 1 / 11

قام معهد ويسْتار( Westar Institute ) بالولايات المتحدة الأمريكية http://www.westarinstitute.org بتنظيم حلقة بحثية ممتدة الأجل، اشتهرت في العالم الغربي باسم "ندوة عيسى" (Jesus Seminar)، حتى وإن اختلفت موضوعات الأبحاث؛ وذلك لتجديد فتح ملف البحث عن يسوع التاريخي، بمعنى : البحث عن حقيقة ما يكون قد قاله وعمله فعلا في الواقع، وليس كما تقدمه المؤسسة الكنسية منذ القرن الرابع الميلادي، ولتقديم نتائج هذه الأبحاث إلى أكبر قدر من القراء، بدلاً من حجبها أو بدلاً من أن تظل بين أيدي قلة من العلماء الباحثين في اللاهوت وتاريخه..

وقد بدأت هذه الفكرة عندما قرر ثلاثون عالما سنة 1985، قبول مهمة القيام بهذا العمل الضخم، وكل ما يتضمنه من تحدٍ وعقبات. وسرعان ما انضم إليهم العديد من العلماء المتطلعين إلى معرفة الحقيقة في هذا الموضوع التاريخي، من مختلف أنحاء العالم، ليصل عددهم إلى أكثر من مائتين من المتخصصين في مختلف مجالات العلوم المسيحية. وذلك بسبب تزايد الأبحاث التي بدأت تؤكد في القرنين الماضيين أن المسيح كما تقدمه الكنيسة لا سند تاريخي له..
وتتواصل هذه الحلقات البحثية منذ شهر مارس 1985 في معهد ويسْتار، إلى جانب تبنّيه عدة مشاريع أخرى فى نفس هذا المجال، ومنها ندوة بولس، وندوة النصوص المعتمدة أو القانونية، وندوة أعمال الرسل.
ومعهد ويسْتار ليس مؤسسة مناهضة للدين المسيحي، وإنما هو مؤسسة غير ربحية للأبحاث الخاصة بالعلوم والنصوص المسيحية للتعريف بها، وللحد من تواصل إنهيار البنيان العتيد للمؤسسة الكنسية في الغرب. فذلك بات أمراً واقعاً لا يمكن إغفاله ويهز أركانها.. أي إن فكرة العاملين بالمعهد ليست إلغاء المسيحية، وإنما محاولة نزع ما تراكم عليها من فريات وتناقضات عبر المجامع على مر العصور.. وذلك لأنه حتى عهد قريب كانت الأبحاث الأكاديمية تظل حبيسة الجامعات والمعاهد، وعادة ما كانت تُمنع من النشر، بزعم أنها شديدة التخصص ولن يفهمها عامة الناس! كما كان البعض يخشى بطش المؤسسة الكنسية وما يتبعها من لجان تأديبية باترة صارمة، فكانوا يتناقلون المعلومات فيما بينهم، لكثرة الأساتذة ورجال الدين الذين تم نسفهم لمجرد الاقتراب من محاولة الفهم أو التغيير من الأوضاع القائمة، ونشر آرائهم بناء على الاكتشافات الحديثة.
وعلى الرغم مما فرضته المؤسسة الكنسية من سياج أشبه ما تكون بأيام محاكم التفتيش وظلماتها، وتعرُّض العديد من العلماء والباحثين إلى مؤاخذات ومحاكمات على أنهم هراطقة وفقدوا مناصبهم الجامعية أو اللاهوتية، الأمر الذي أدى بالعديد منهم أن يؤثر الاحتفاظ بمعلوماته وانتقاداته.. إلا أن روح البحث العلمي والتدفق الفكري قد تألقت وازدهرت في أبحاث الكليات والجامعات والندوات رغم القمع. وما أن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى ترأس علماء النقد والبحث العلمي المراكز القيادية على المسرح الأكاديمي في أوروبا وأمريكا.
ولا ينتمي معهد ويسْتار إلى أية مؤسسة دينية، ولا يدافع عن وجهة نظر بعينها، وإنما كل ما يتطلع إليه العاملون به هو البحث عن الحقيقة، والتوصل إليها، ونشرها للعالم..
ويلتقي أعضاء الندوة مرتين في السنة لمناقشة الأبحاث العلمية التي توصلوا إليها، ويكونوا قد تبادلوها للدراسة قبل انعقاد الاجتماع الدوري. وتعتمد الركيزة الأولى في هذا المبحث على أقوال عيسى، أي على تجميع أكثر من ألف وخمسمائة صياغة لما يقارب خمسمائة مقولة ليسوع، مسندة إليه في مختلف الأناجيل المعتمدة والمحتجبة، ودراسة درجة إمكانية نسبها إليه لغويا وتاريخيا إضافة إلى ما تمثله من مضمون
https://www.westarinstitute.org/
يرجع الدافع إلى البحث عن يسوع التاريخي، إلى أن صورته الحقيقية أو ما يبدو منها من الوثائق و الأبحاث، يختلف تماما عما تقدمه المؤسسة الكنسية ونصوصها، وإلى أن تناقل أخباره أو كل ما يتعلق به في المراحل الأولى لنشأة المسيحية قد تم شفاهة لمدة عقود بأسرها. وهو ما يسمح بالحيد عن الخط الرئيسي والغوص في منحنيات غير دقيقة أو غير أمينة. كما أن لغة يسوع كانت الآرامية والأناجيل الحالية تمت كتابتها باليونانية. والتراث الشفهي لا أهمية بحثية أو تاريخية له إذا قورن بالمعطيات الناجمة عن الأبحاث العلمية الموثقة.
كما تلاحظ نفس المآخذ من الناحية الزمانية أو التقويمية، إذ هناك فترة تمتد ما بين 20 إلى 40 عاما من "وفاته" إلى بداية صياغة أول نص. وكان أول هذه النصوص هو الإنجيل وفقا لمرقس، والثابت أنه لم يكتبه كشاهد عيان، فمن كتب صياغة ذلك الإنجيل الأول لم ير يسوع ولم يتبعه، والأناجيل الثلاثة وفقا لمرقس ومتّى ولوقا تختلف وتتناقض مع ما يقدمه الإنجيل وفقا ليوحنا. وقد نقل جميعم عن بعض وعمّا يُعرف باسم " الإنجيل الأصل " (و ليس الأصلي، لكن الأصل الذي تم النقل منه) ويشار إليه بعبارة "كويللى" (Quelle ) أي الأصل باللغة الألمانية، ويختصرونها إلى حرف Q.
وبخلاف هذه الملاحظة العامة، فإن نصوص الأناجيل مكونة من طبقات زمانية مختلفة ومتراكمة فوق بعضها بعضا عبر تطور التراث كنسيا وسياسيا. أي أنها ليست صياغة متصلة دفعة واحدة. وما توصل إليه الباحثون على اختلاف مشاربهم هو أن الإنجيل الذي يشار إليه بحرف Q مكون هو نفسه من ثلاث طبقات زمانية مختلفة، معروفة بين جميع المهتمين بهذا المجال بمسميات: Q1 و Q2 و Q3..
أما الملاحظة التي تدين ذلك التراث الكنسي في نصوصه التي تمت صياغتها وفقا للأغراض الدينية واالسياسية، فهي أن المخطوطات الأصلية بكلها قد اختفت أو تم إخفاؤها عمدا، وإن أول فُتات باقية منها ترجع إلى عام 125 م، وأول أجزاء يمكن اعتبارها جزء من نصٍ يمكن الاعتماد عليه ترجع إلى حوالي سنة 200 م، وأول نسخة كاملة من الأناجيل ترجع إلى حوالي سنة 300م!
كما لا توجد نسختان متشابهتان من الأناجيل، من بين كل تلك النسخ التي وصلت إلى عصرنا، إلا ابتداء من سنة 1454م.. وما يؤكده جميع العاملين بالندوة وغيرهم، أنه أثناء عمليات النقل التي كانت تتم بمعرفة القساوسة والرهبان، فهم وحدهم الذين كان من حقهم ان يتعلموا القراءة والكتابة طوال عصر الظلمات ومحاكم التفتيش، فكانت تقع أخطاء إملائية من الناسخين إضافة إلى تعديل النص وتحريفه وفقا للأهواء. ولا يمكن لأي عالم من العلماء أياً كان توجهه، أن يجزم بأن النص اليوناني يُعد ترجمة أمينة للنصوص الأولى.. ويكفى ما كتبه القديس جيروم حول تغييره وتبديله في النص عند صياغته للأناجيل الأربعة الحالية ! وهو ما كتبه بوضوح شديد في المقدمة-الخطاب الذي وجهه للبابا داماز، الذي كان قد طلب منه القيام بهذه المهمة، وهو ما ينزع يقينا أية مصداقية عن هذه النصوص..
وأكثر ما يميّز أعمال "ندوة عيسى " أنها تتم بأسلوب جماعي علني قائم على التعاون فيما بينهم، وليس على تسلط أحد الأفراد وتحكّمه في الآخرين، كما أن المعهد يسمح بحضور زوار من خارج الأعضاء الرسميين ويتابعون المناقشات، ومن حقهم الإسهام فيها في ورش العمل التي تقام حولها.
أما عن تقييم النصوص المكتوبة في حد ذاتها، فيمكن تلخيص ما خرجوا به فيما يلي :

أن من كتبوا الأناجيل قاموا بالتجميع وفقا لهواهم، وأحيانا كانوا يرتجلون أو يؤلفون ما لم يقله يسوع، أو يضيفون إليه تعليقاتهم ليجعلوها تتمشى مع وجهة نظرهم الشخصية وبأسلوبهم. فمن الملاحظ مثلا أن نقداً ما يخص يسوع أو موجه ضده في النصوص الأولى، سرعان ما يتحول إلى نقد ضد الحواريين في النسخ التالية، كما أن الإستشهادات كثيرا ما تخون النص لتكشف عن الخلافات والصراعات المسيحية في أوائل تكوينها. وصياغة بعض الوقائع بأسلوب "مسيحي" تؤكد أنها إضافات لاحقة.. فالمسيحية لم توجد أيام يسوع، ويسوع لم يكن مسيحياً وإنما يهوديا! وهو ما بدأت الأبحاث الجديدة حتى خارج "ندوة عيسى" تشير إليه بما في ذلك المؤسسة الفاتيكانية، خاصة بعد المجمع الفاتيكاني الثاني سنة 1965 الذي برأت فيه اليهود من دم المسيح !..

كلمات يسوع و الإقتراع عليها :
تركزت أعمال المرحلة الأولى من " ندوة عيسى" حول مختلف الصيغ التى وردت بها الأقوال المنسوبة إليه عليه السلام؛ لتحديد قوة احتمال أن يكون قد قالها فعلا. وكانت عملية التصويت تتم من جميع المشاركين على كل مقولة من المقولات بعد دراستها وتقييمها من كافة الأوجه البحثية. مدركين حقيقة أن الإجماع لا يعنى تحديد الحقيقة البحتة أو الحاسمة، وإنما يوضح أفضل حكم عليها، أو أفضل تقييم لها من حيث المنطق والسند العلمي والتاريخي.
وكانت أولى الخطوات تعتمد أولا على جرد وتبويب الكلمات والأقوال المنسوبة إلى يسوع في القرون الثلاثة الأولى. وتم تقسيم الأقوال إلى أمثال وتشبيهات وحوارات وقصص تدخل فيها عبارات منسوبة إليه.
وقد استبعد أعضاء الندوة كافة الحدود اللاهوتية التي فرضتها الكنيسة على مختلف مجالات البحث حول أية معلومات عن يسوع. كما رفضوا تقييم الكنيسة لإنجيلٍ بعينه أو استبعادها لآخر، مكتفين بتحكيم العلوم وأدواتها. كما اعتمدوا في عملية التقييم على الاقتراع لتحديد مدى إمكانية المصداقية على أربع درجات، حدّدوها في أربعة ألوان التزموا بها حتى في الطباعة النهائية لكل ندوة، و معناها كالآتي :
• الأحمر: يشير إلى أن يسوع قد قال هذه العبارة.
• البمبى: من المحتمل أن يكون قد قالها.
• الرمادي: لم يقل يسوع هذه العبارة وإن كانت الفكرة بها قريبة مما قاله.
• الأسود: لم يقل يسوع هذه العبارة إطلاقا وإن كانت شبيهة بتراث مغاير.


من مقدمة كتاب " الأناجيل الخمسة":
تم جمع نتائج الأبحاث الخاصة بأقوال يسوع والتي امتدت من عام 1985 إلى 1991، في كتاب بعنوان : "الأناجيل الخمسة " The five Gospels، صدر سنة 1993، بعد أن أضافوا إنجيل توما الذي كان قد عثر عليه في نجع حمادي بصعيد مصر سنة 1945. إذ رأوا فيه ملامح شديدة الشبه بما يسمى بالإنجيل الأصل أو النبع، والذي يرمز إليه بحرف Q. على أن النصين قد كتبا خلال فترة الأربعين عاما التي تقع بين "وفاة " يسوع وهدم المعبد سنة 70م. ونص "كويللى" من النصوص الأولى أو الأقدم والتي لا تتضمن عملية صلب السيد المسيح ولا بعثه.. مما يدل على أنها إضافة من الإضافات اللاحقة التي تمت لأغراض بعينها..ويتضمّن إنجيل توما 114 مقولة بلا تدخل أي سرد روائي. وهو يمثل مرحلة سابقة لما تم طرحه في الأناجيل المعتمدة، لذلك اعتبروه يمثل شهادة مستقلة وغير منحازة لتراث يسوع في صياغاته القديمة. وهو يُعد من الأناجيل الغنوصية، لذلك استبعدته المؤسسة الكنسية.
وهنا لا بد من وقفة نوضح فيها أن إنجيل توما هو مخطوطة من المخطوطات التي تم اكتشافها في نجع حمادي سنة 1945. وهي مجموعة من النصوص الدينية والفلسفية تم تجميعها وترجمتها إلى اللغة القبطية في القرن الرابع الميلادي بمعرفة بعض المسيحيين الغنوصيين، ثم قام بترجمتها في العصر الحديث نخبة من مشاهير العلماء في الغرب. وصدرت الطبعة الأولى عام 1978، ثم طبعة منقحة مزودة بمقدمة لكل مخطوطة، عام 1988.
والمقصود بكلمة غنوصية هو : التوصل الفوري إلى المعرفة الروحية، أو بقول آخر: إرتقاء الإنسان إلى أن يصل إلى المعرفة الإلهية. وهو عكس ما تفرضه المؤسسة الكنسية من "أن الله قد نزل وتجسد بشرا " وتفرض هذا القول اعتمادا على ضرورة الإيمان الأعمى بها، بغض الطرف عن مردوده، وليس اعتمادا على العقل والمنطق. لذلك قامت بمحاصرة الغنوصية واقتلاع أتباعها. إلا أن الغنوصية قد تواصلت خافتة معتّم عليها وعلى أتباعها إلى أن تم اكتشاف مخطوطات نجع حمادي ليُلقى عليها الضوء من جديد.. ويفهم من المقدمة التي كتبها جيمس روبنصن كيفية تواصلها عبر الأحقاب المختلفة، ومدى تأثيرها في العصور الوسطى ثم في عصر النهضة ثم في عصر التنوير وحتى أيامنا، بل ومدى أثرها في الفلسفة وعلم اللاهوت والثقافة والفنون..
ويمثل كتاب "الأناجيل الخمسة" مخرجا دراميا بابتعاده عن الدراسات المعتمدة، التي لا منفذ منها ولا مخرج إلى الحقيقة. كما يمثل بداية عصر جديد من الأبحاث حول الأناجيل. فقد قرر المشتركون في "ندوة عيسى" تحديث كل ما تم من دراسات وعمل تراث مسيحي جديد قائم على الدراسات النقدية التي تمت في المائتين عام الماضية.
فبعد نشر أبحاث داروين عن أصل الأجناس عام 1859، وما تلاها من معارك وانزواء للعلماء العاملين في الأبحاث الإنجيلية، خاصة في أمريكا، سادت عقلية ولّدت مناخا أشبه ما يكون بمحاكم التفتيش، مع فارق المسميات والأساليب، واتُهمت آراء وأبحاث العلماء بالخطورة، وتعرض العديد منهم إلى المحاكمة، واتُهموا بالهرطقة وعانوا من ضياع مناصبهم الأكاديمية.. إلا أن التحرر الفكري الذي ساد في القرن العشرين سرعان ما سمح بأن أعاد العلماء تنظيم أنفسهم في الكليات والجامعات والندوات.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية عاد العلماء إلى تقلد مراكز القيادة في الكليات والجامعات بطول القارة وعرضها. مما اضطر المؤسسة الكنسية إلى إنشاء معاهدها الخاصة بالدراسات الإنجيلية كمحاولة للتصدي لهذه الأبحاث الجديدة ولمواصلة نشر ما تفرضه بدأب وجبروت منذ القرن الرابع..
ومن أهم الصراعات الدائرة بين الجانبين، محاولة العلماء المنتقدين للأحداث والوقائع التاريخية وإصرارهم على مواصلة البحث بلا كلل ولا حرج، أي أياً كانت النتيجة، للتوصل إلى معرفة ما قد يكون يسوع قد قاله وعمله فعلا من كل ما نسب إليه في الأناجيل المعتمدة والوثائق الأخرى، والتي يبدو فيها معارضا للتقاليد الدينية السائدة، كعدم مراعاة يوم السبت، أو إظهاره على عداء مع أسرته أو اتهامها إياه بالجنون.. بل حتى تلاميذه يبدون وكأنهم غير قادرين على فهم رسالته.. وذلك على سبيل المثال لا الحصر، فما أكثر النقاط التي لا تزال غامضة حتى يومنا هذا، الأمر الذي وضع يسوع علناً وبلا تردد على مائدة الخلاف بين العلماء من الجانبين.
وقد نجم هذا الوضع من واقع أن يسوع المعتقدات والعقائد الذي تم فرض صورته هذه بشراسة في القرون الوسطى بالسلطة الكنسية العاتية وبالسيف، لم يعد بوسعها أن تتحكم في عقليات أولئك الذين أصبحوا يتبنّون نظريات جاليليو وكيبلير وكوبرنيكوس، إذ أنهم قد أزاحوا الآلهة القديمة من عروشها بفضل ما أبدعوه من معدات وإنجازات..
وكانت الطفرة الشديدة التي تمت في علم الفلك تمثل جزءا من الصحوة العلمية التجريبية، التي رأت إخضاع كل المعارف للعلم والتجريب. وفى مواكبة لهذه الطفرة العلمية أعيد النظر في المعطيات التاريخية القديمة للتفريق بين ما هو واقعي وما هو من نسج الخيال.. وفي المجال الإنجيلي كان لا بد للعلماء من البحث في العلاقة بين الإيمان والتاريخ والفصل بينهما. وهو ما تم فيما يتعلق بالبحث عن يسوع التاريخي.
وبذلك أصبحت الوثائق والمعطيات التاريخية عبارة عن أدوات لا غنى عنها في العصر الحديث، للبحث والتفريق بين العالَم المتخيّل والعالَم الواقعي للتجربة الإنسانية. ولمعرفة الحقيقة حول يسوع، يسوع الإنسان الحقيقي، كان لا بد من العثور أولا على يسوع التاريخي الذي عاش في الواقع، والبحث عما قاله وعما فعله فعلا وليس تلبيساً..

وما توصلت إليه أعمال الندوة بأبحاثها ومناقشاتها كان ما يلي :
• أن يسوع لم يقل ان يؤمن أحدا بأن موته كان تكفيرا عن خطايا البشر.
• ويسوع لم يقل أنه المسيح.
• ويسوع لم يقل أنه الأقنوم الثاني من الثالوث.
• و يسوع لم يطالب الأتباع بعملية الاعتراف الدوري، والندم، أو الصيام.
• ولم يهدد أحداً بالجحيم كما لم يَعِد احداً بالسماء.
• ولم يقل يسوع أنه سيصحو من بين الموتى.
• ولم يقل أنه وُلد من عذراء، ولم يطالب أحداً بالإيمان بذلك.
• ولم ينظر يسوع إلى النصوص على أنها معصومة من الخطأ أو أنها ملهمة من الله!
وهو ما أعلنه رسميا روبرت فانك رئيس الندوة في صيف 1994..
تركزت أعمال المرحلة الثانية لدراسة ما قد يكون يسوع قد عمله فعلا من خلال ما هو وارد بالأناجيل. وفي هذه المرحلة تمت دراسة 387 تقريراً يتناول 176 حدثا أو واقعة يُعد فيها يسوع الشخصية الرئيسية، حتى وإن ورد فيها أسماء يوحنا المعمدان أو سمعان بطرس أو شقيقه يعقوب الذي تولى كنيسة القدس من بعده.
ومن بين الوقائع التي يبلغ عددها 176 الواردة بالأناجيل، تم الاتفاق على أن عشرة منها فقط هي التي تحتمل نسبة عالية من المصداقية. وثلاثون واقعة أخرى حصلت على درجة احتمالية بعيدة الحدوث. وتم استبعاد باقي الأعمال المنسوبة إلى يسوع على أنها غير واقعية أو غير محتملة الوقوع. وبجمع المجموعتين توصلوا إلى رقم 29 واقعة واردة بالإناجيل هي التي تحتمل المصداقية من العدد الإجمالي لها وهو 176، أي بنسبة 16 % من الأعمال المنسوبة إلى يسوع. وهي نسبة تقل قليلا عن نسبة ال 18 % من الأقوال التي حصلت على احتمال المصداقية.
ويقول روبرت فانك إلى من لا يزالوا يؤمنون بأن الكتاب المقدس كلام الله،" أن نسبة ال 16 % من المصداقية تعد جد ساخرة أو مثيرة للسخرية "!

والسبب في استبعاد 84 % من الأعمال المسندة ليسوع في الأناجيل ترجع إلى أصل تلك الأناجيل، التي يصل عددها إلى قرابة عشرين إنجيلا، وصلت من القرون الثلاثة الأولى سواء كاملة أو مجرد أجزاء، اعتمدت المؤسسة الكنسية منها أربعة فحسب وكوّنت منها ما يسمى بالعهد الجديد وأعدمت أو استبعدت العدد الباقي.
وهذه الهشاشة التاريخية للأصول الكنسية أو المسيحية ترجع إلى أن أول جزء ضئيل معروف من الأناجيل عبارة عن جزء منقول من نص آخر، أي أن أول أثر باق من تلك النصوص ليس نصاً أصلياً وإنما هو نص منقول يرجع إلى أكثر من مائة عام بعد "وفاة" يسوع. وأول أثر مادي يمكن الاعتماد عليه نسبيا يرجع إلى آخر القرن الميلادي الثاني، أي إلى حوالي 170 عاما بعد يسوع.. لذلك أجمع العلماء في معهد ويسْتار أنه في غياب أية معلومات مؤكدة فإن من صاغ بدايات هذه النُسخ أشخاص يرجعون إلى الجيل الثالث في الربع الأخير من القرن الأول، اعتمادا على ذكريات سمعية تُحكى شفاهة متناقلة بين الأجيال، مؤكدين أن هذه النصوص قد تمت صياغتها، وإعادة صياغتها وتغيير حكاياتها وأحداثها بالزيادة والنقصان لأكثر من قرن قبل أن تصل تقريبا إلى شكلها الأخير- ولا يعنى ذلك شكلها النهائي.
والمحصلة الناجمة عن هذه الأبحاث هي أن ما بقى من أعمال يسوع يمثل آثاراً لصورة جد باهتة ليسوع، زادت الخرافات والأساطير من التعتيم عليها، وهي صورة تتطلب عقلا متفتحا وصبراً شديداً لتلمس تلك الحقائق الخافتة.. على حد قول ما نطالعه في المقدمة المرفقة بطبعة هذا المجلد الثاني والمعنون : "أعمال يسوع " الصادر سنة 1998.
وبعد أكثر من عشر سنوات من الأبحاث التي قام بها ذلك الفريق الدولي للكشف عن حقيقة حياة ووفاة يسوع التاريخي، انتهوا إلى أن صورته التاريخية تختلف تماما عما في الصورة التقليدية التي تقدمها المؤسسة الكنسية. إذ يرون أن يسوع لم يمش على الماء، ولم يطعم الآلاف من البشر، ولم يحوّل الماء إلى نبيذ، وأنه تم إعدامه كشخص يثير الشغب وليس لقوله أنه ابن الله! وأن الذين أعدموه هم الرومان وليس اليهود.. أما عملية البعث فهي قائمة على تصورات لكل من بطرس وبولس ومريم المجدلية، في نصوص تتناقض فيما بينها في كل تفاصيلها، لذلك لم يعتدوا بها.


المرحلة الثالثة : 1996 – 1998
ضمّت المرحلة الثالثة خطين متوازيين من الأبحاث، أحدهما يتناول " ملامح يسوع" كما تبدو صوره المختلفة في كل الأبحاث التي سبقت أعمال الندوة من جهة، ومن جهة أخرى اعتمادا على النتائج التي تم التوصل إليها في المرحلتين السابقتين، والتي كانت الأولى منها عن " أقوال يسوع " والثانية عن " أعمال يسوع ".
وقد تولى هذه المهمة خمسة عشر عالماً في معهد ويسْتار، لاستخلاص أكبر قدر ممكن من الملامح المقنعة والتي من الممكن تصورها من مختلف الجوانب. وتم نشر هذه الأبحاث المستقلة في كتاب جماعي تحت عنوان "ملامح يسوع "، سنة 2002، يطالع فيه القارئ ملامح مختلفة تماما غير تلك التي اعتادت ترويجها النصوص الرسمية المنسوجة عبر المجامع على مر العصور..
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن لأقوال يسوع وأعماله كما خرجت بها الندوة أن تقدم قاعدة كافية لتصورات يمكن إضفاء المصداقية عليها لملامح يسوع ؟ ذلك هو التحدي الذي تولى القيام به نخبة من المساهمين في هذا الكتاب..
أما الخط الثاني فكان متعلقا بالبحث فيما تتضمنه " أعمال الرسل" من حقائق يمكن الاعتماد عليها تاريخيا، وما هي نسبة ما بها من حقائق ونسبة ما يستوجب استبعاده منها مما هو وارد في الأناجيل. وتم نشر أعمال هذه المرحلة الثالثة من الدراسات في سنة 1999.
والغرض من هذه الدراسة هو عمل طبعة ملونة مثل الكتابين السابقين لأقوال يسوع وأعماله. وبذلك سيمكن لدارسي الكتاب المقدس أن يكونوا على دراية بأصول دينهم بصورة أكثر دقة، وأكثر مصداقية، اعتمادا على ما أمكن التوصل إليه من حقائق ثبت صحتها.
ومن المفترض أن" أعمال الرسل" تاريخيا هي المحاولة الأولى لسرد أصول المسيحية، وكان من المنطقي أن يبدأ بها العهد الجديد ولا يأتي وضعها بعد الأناجيل. وقد أتى هذا الترتيب لتثبيت صورة بعينها. وهي قصة مكتوبة بحيث يستمر أثرها – وإن كانت في يومنا هذا قد فقدت الكثير من معطياتها المصداقية التاريخية.
ويرجع فقدان المصداقية هذا إلى إدراك وثبوت تنوع أصول المسيحية في بداية مشوارها. وما هو وارد بالأناجيل لا يعكس هذا التنوع وإنما يغفله عمدا ليفرض وجهة نظر مغايرة. ودراسة أعمال الرسل اليوم تؤكد أنها من آداب أعمال الخيال الديني، لاستعراض مميزات تلك الحقبة وترسيخها، وهى معطيات لا يمكنها الصمود لآليات البحث العلمي والتاريخي، ولا يمكنها أن تظل في المكانة التي تصدرتها لقرابة ألفي عام.


ويمكن تقسيم أبحاث " ندوة عيسى " حول أعمال الرسل إلى أربع فئات، هي :
1 ) - تصنيف نوعيتها، وقد تم ذلك على أنها كتابات تاريخية، إلا أن الأبحاث كشفت قرابة شديدة بينها وبين أعمال رسل أخرى استبعدتها المؤسسة الكنسية في المسيحية الأولى. وهذا الأمر وحده يحتّم إعادة دراستها كما يحتّم اعتبارها جدّيا كأدبيات خيالية.
2 ) - تختص الفئة الثانية من التحليل باللاهوت وبأهداف أعمال لوقا. وقد تم إثبات أنه تمت صياغتها بدافع من التوجهات اللاهوتية. أي أنها جميعها تتبع جدولا لاهوتيا من أجل ترسيخ لاهوت بعينه وترسيخ معطياته التاريخية الموجّهة.
3 ) - تتناول الفئة الثالثة مصادر أعمال الرسل واستخدامها لأصول سابقة كمصدر لها، خاصة مصدر Q إضافة إلى مصادر أخرى.
4 ) - أما الفئة الرابعة فتأخذ المصادر السابقة إلى خطوات أعمق في دراستها وتحليلها. وحتى إن تم التوصل إلى هذه الأصول، فالسؤال هو: إلى أي مدى يمكن اعتبارها مصادر تاريخية حقيقية وليست مختلقة ؟.. وهو ما يتطلب مزيدا من البحث والتدقيق لكل معطى من معطياتها، خاصة وأن أعمال الرسل ظلت لفترة طويلة بعيدة عن مجهر الباحثين..
ومن الواضح أن ما توصلت إليه " ندوة عيسى " يختلف تماما عما آمن ويؤمن به المسيحيون على مر التاريخ، كما أنها في تناقض واضح مع المعتقدات السائدة، إذ أنها استبعدت تماما فكرة أن تكون الأناجيل منزّلة من عند الله – وهو ما كان مجمع الفاتيكان الثاني قد أقرّه بالفعل، وإن كان بعبارات ملتوية، كما استبعدت الندوة أن يكون من كتبوها من الملهمين، أو حتى الأسماء التي هي معروفة بها. وإنما يعتبرونها وثائق آدمية ألفها كتبة ضمّنوها معتقداتهم الشخصية أو معتقدات من يوجهونهم. وذلك لكل ما بهذه النصوص من تناقضات فيما بينها من جهة، وفيما بينها وبين العقل والمنطق من جهة أخرى..
وإن كان هناك من لا يزال يؤمن بأن هذه النصوص منزّلة، فإن علماء "ندوة عيسى " ينظرون إليها من زاوية أخرى، موجزها : إن رسالة يسوع وكل ما يتعلق به قد مرت عبر فترة ممتدة من التراث الشفهي تصل إلى ما بين ثلاثين إلى خمسين عاما، وهو ما يسمح بتعديل وتبديل ملامح أية وقائع تاريخية أو حقيقية، فما من إنسان يحكي نفس الحدث بنفس الأسلوب، ولا بنفس الانفعال، والأدهى من ذلك حين تتدخل الأغراض والأهواء..


المرحلة الرابعة : 2006 -....:
بدأ العاملون في " ندوة عيسى" المرحلة الرابعة من أبحاثهم بندوة حول " الأصول المسيحية "، يقومون فيها بكتابة تاريخ جديد للمسيحيات الأولى والكتابات المسيحية، مستعينين فيها بنفس الوسائل ونفس الأساليب العلمية المتّبعة في الندوات السابقة.
وتهدف ندوة دراسة "الأصول المسيحية" إلى الكشف عن التراث والتقاليد المتعلقة بيسوع من خلال رؤية أوسع للثقافة اليونانية - الرومانية، والمرحلة التالية لبناء المعبد وبداية ظهور اليهودية الحاخامية، والتنوع الشديد بين أتباع يسوع وتطويرهم للتراث المسيحي حتى تم بتره تماما عن جذوره اليهودية، تلك الجذور التي فتح مجمع الفاتيكان الثاني سنة 1965 الباب على مصراعيه للتراجع عن كل ما قام بنسجه عبر التاريخ، وذلك بتبرئته اليهود من دم السيد المسيح، وهو ما يخالف الأناجيل مخالفة أقل ما يقال عنها أنها من الأسباب الرئيسية التي دفعت بالآلاف من الأتباع لمغادرة المؤسسة الكنسية، وإلى انتشار الإلحاد بينهم بصورة لا تغفلها عين.
ومن المناطق المزمع البحث فيها على أرض الواقع، تسالونيكا، والجليل، والقدس، وإنطاكيا، وأديسا، والإسكندرية، وأفسوس، وفيليبّى، وكورنثيا وروما. إضافة إلى دراسة مجالات أخرى تعد مساندة، ومنها : دور المرأة، اليهود والوثنيين، والمسيحية اليهودية، والغنوصية، والمسيحية والإمبراطورية الرومانية.
وقد بدأت هذه اللقاءات ببلدة تسالونيكا لتدارس أربعة محاور حول المسيحية لمعرفة هل هي بدأت مع يسوع، أو مع ابتداع فكرة البعث، أو مع ابتداع فكرة عيد الفصح، أو مع عمليات التبشير التي تولاها بولس وخرج بها جذريا عن تعاليم يسوع كما هي واردة في الأناجيل..
ويشهد عام 2007 العديد من النشاطات البحثية والندوات والمحاضرات العامة إلى جانب الموضوع الرئيسي وهو : "أصول المسيحية ". وتدور موضوعات هذه المحاضرات العامة حول الحياة والموت أيام يسوع، الأخلاق، التطور والمستقبل، بدايات المسيحية، تنوع وليست أصول، يسوع والقرن الواحد والعشرين، الحركات الدينية وكيف بدأت المسيحية، يسوع التاريخي ومستقبل الكنيسة... كل هذه المحاضرات والندوات تمثل برنامجا مستقلا يعرف باسم : "ندوة عيسى على الطريق ". وذلك لأن العديد من الناس هناك لا يمكنهم حضور اللقاءين الدوريين السنويين لبُعد المسافة، فقرر معهد ويسْتار أن يخرج عن نطاق جدرانه ويتجه إلى الجماهير في مختلف البلدان الأمريكية لإشراكها في أحدث ما توصلوا إليه.
the search for the authentic words of Jesus, 1993
* Acts of Jesus : What Jesus really do ? 1998
* The Gospel of Jesus, according to the Jesus Seminar, 1999

John Dominic Crossan :
* Four other Gospels : Shadows on the Contours of Canon

Robert J. Miller, editor :
* The Complete Gospels : all twenty of the known Gospels


في بحثه «لماذا أنا غير مسيحي» يؤكد الفيلسوف برتراند راسل أنه من الناحية التاريخية هناك شك فيما إذا كان المسيح قد وُجد فعلاً، وإذا كان قد وُجد فإننا لا نعرف عنه شيئاً (Russel, WIANC, 16).
هل ما تعرضه الأناجيل اليوم من صورة للمسيح أمر يدعوا للثقة ؟ وهل هو ثابت كحقيقة تاريخية؟ .. وللإجابة على هذا التساؤل علينا الرجوع إلى مادة الأناجيل نفسها لنعرف كيف تقدم لنا المسيح كشخصية وكانسان عاش فعلا. هل كان المسيح معروفا في منطقته وعصره الذي عاش فيه؟؟

بحسب الأناجيل , فالمسيح لم يكن أبدا شخصية عادية أو مغمورة على الإطلاق , فلم يكن معروفا لدى سكان فلسطين فحسب , بل ولجميع سكان الشرق الأوسط. فمن الصعب للغاية أن لا يسمع شخص أو أكثر ضمن حدود هذه المنطقة عن " يسوع " على الإطلاق (حسب الأناجيل) , النقاط التالية توضح الصورة أكثر:

1_ كان لدى اليهود استعداد نفسي تام لاستقبال المسيح الذي وردة عنه " مئات " النصوص التي تتحدث عنه في التوراة وبصفات لا تنطبق إلا عليه فقط ( حسب الادعاء المسيحي). كما أنه عاش بينهم كيهودي ملتزم ومعارض.

النتيجة : عرفه اليهود بقوة.

2_عند مولد " يسوع" ظهر نجم في السماء يرشد المجوس من المملكة الفارسية ( إيران) إلى مكانه, فقد عرفوا موعد ولادته عن طريق نبؤات كتبهم المقدسة كذلك ( متى 1:2_12).

النتيجة : عرفه الفرس.

3_ بعد ذلك سمع عنه (هيرودس) حاكم المنطقة , وجميع سكان أورشليم كلها _ ( متى 3:2).

النتيجة : عرفه الحكام وسكان القدس جميعهم.

4_ قام (هيرودس) خوفا من ولادة ( ملك لليهود) بذبح جميع أطفال مدينة " بيت لحم " وما جاورها من مدن ( متى 16:2) , ويقدر التقليد المسيحي عدد الأطفال في هذه المذبحة الرهيبة بـ (14.000) ألف طفل. بينما يقدره آخرون بـ ( 144.000 ) ألف طفل.

النتيجة : عرفه حوالي ربع مليون إنسان الذين سمعوا وشاهدوا المذبحة أو وصلهم خبرها على الأقل.


5_ ذهب إلى مصر وظل فترة هناك , وبذلك عرفه سكان مصر أيضا ( متى 13:2_15).

النتيجة : عرفه المصريون.

6_ قام " يسوع" بالعديد من الرحلات التي طاف فيها ( فلسطين ولبنان وسورية) وقام خلالها بالعديد من المواعظ الجماهيرية , حيث كان ( يعلم في المجامع _لوقا 15:4) , وغالبا ما تعلق الأناجيل في نهاية الموعظة بالقول " فآمن به كثيرون " لإظهار مدى شعبيته وقوة تأثيره . يقول كاتب إنجيل متى : ( وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب. فذاع خبره في جميع سورية )_ متى 23:4_24.

النتيجة : عرفته كل فلسطين ولبنان وسوريا.

7_ في كثير من المواقف كان " يسوع " يقوم بمخاطبة الشعب علانية , وكانت لديه الجرأة كي يدخل الهيكل ويقلب موائد الباعة ( يوحنا 13:2_25) وكان شديدا مع رؤساء اليهود. وحتى مع الطوائف الدينية اليهودية المختلفة.

النتيجة : عرفته مختلف طبقات الشعب.

8_ إضافة إلى شهرة يسوع في المنطقة بسبب تعاليمه ورحلاته , فقد قام بالعديد من المعجزات الجماهيرية . ويسرد الدكتور/ وليم كامبل من الصفحات (302 - 319) في كتابه (القرآن والكتاب المقدس في نور التاريخ والعلم) حوالي (40) معجزة جماهيرية ليسوع . منها على سبيل المثال:

a- شفاء مريض لمدة 38 سنة (يوحنا 5:5_9)..................المشاهدون:200 شخص.
b- شفاء عشر مرضى بالبرص ( لوقا 12:17_14) ............المشاهدون:1.000 شخص.
c- إطعام أربعة الآف شخص ( مرقص 1:8_9)...............المشاهدون:4.000 شخص.
d- شفاء كثيرين ( مرقص 32:1_34)..........................المشاهدون:4.000 شخص.
e- إطعام 5.000 بسمكتين وخبز قليل( يوحنا 1:7_14).....المشاهدون:5.000 شخص.
f- شفاء كثيرين في صور وصيدا ( مرقص 7:3_11) .........المشاهدون: 20.000 شخص.
g- شفاء كثيرين شرق بحر الجليل ( متى 29:15_31).......المشاهدون: 20.000 شخص.
h- كل من لمس يسوع يشفى ( مرقص 53:6_56)...........المشاهدون: 40.000 شخص.
i - يرسل72 شخصا فيجرون معجزات باسمه (لوقا 1:10_17).المشاهدون: 72.000 شخص.
j - شفاء رجل مسكون بروح نجس ( مرقص 2:5_15)....المشاهدون: المنطقة كلها.

ثم يصل الدكتور / وليم كامبل إلى استنتاج هام قائلا: " فلو أن سكان فلسطين زمن المسيح كانوا مليوني نفس يكون 5% منهم ( يعني 100,000 شخص ) رأوا إحدى المعجزات أو سمعوا بحدوثها "_ نفس المرجع ( ص 319).

ولو استخدمنا لغة العصر الحديث , لقلنا أن المسيح يعرض في الأناجيل كـ " مستشفى متنقل " لعلاج جميع المرضى والمصابين. فمن الطبيعي جدا أن يلفت جميع الأنظار إليه حتى أبعد الحدود , خاصة في ذلك الزمان الذي لا يعرف الطب الحديث.

فإذا عرفنا بعد ذلك أن كاتب إنجيل يوحنا ( 25:21) يقول: " وأشياء أخرى كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة ".


فهذا يعني أنه من المستحيل أن شخصا لم يسمع عن يسوع بكل تأكيد.


9_ تم اتخاذ قرار ( صلب يسوع) عن طريق حاكم السلطات الرومانية في المنطقة . وبذلك فان السلطات الرسمية عرفت اسم " يسوع " أيضا.

النتيجة : عرفته السلطات الرسمية.

10_ تم صلب " يسوع" أما العديد من الجماهير الغفيرة , في الساحات العامة .

النتيجة : عرفته المنطقة كلها.

11_ بعد الصلب حدث كسوف عالمي للشمس , وزلزال عظيم. (متى 51:27+ لوقا 44:23).

النتيجة : سمعت به مناطق كثيرة جدا.

12_ بعد الصلب قام الموتى من القبور ودخلوا المدينة وكلموا الكثير من الناس ( متى52:27_53)

أن المسيح (حسب تصوير الأناجيل الحالية) شخصية ذات " شعبية جماهيرية " فائقة هزّت أرجاء كل فلسطين ولبنان وسوريا في القرن الأول.أدهش الناس وتبعه الآلاف.فمن الطبيعي إذا أن يرد ذكره مئات المرات في أغلب أدبيات تلك المناطق وما جاورها , بل ولو قلنا الآف المرات فنحن لا نبالغ. لكن الذهول الكبير الذي أصاب الجميع اليوم أنه لم يرد ذكر" يسوع" هذا ولو مرة واحدة بشكل مؤكد في أي مرجع تاريخي في القرن الأول. وهو الشيء الذي أطلق عليه النقاد الكبار( صمت القرن). لدينا العديد من الآثار التاريخية للعديد من المؤرخين والأدباء في القرن الأول , عاشوا في فلسطين أو قريبا منها أو كانوا على اتصال ثقافي وأدبي معها :-

1_ بلينوس الكبير (23-79م) : أو " كايوس بلين" المؤرخ اللاتيني العظيم وعالم الطبيعة . أمضى خمس سنوات في فلسطين (65-70م) مشهود له بالدقة في كل ما يكتب , كتب عن طائفة " الأسانيين " التي عاشت في قمران. وما كتبه عن تلك الجماعة يطابق تماما ما تم اكتشافه حديثا في مخطوطات قمران " البحر الميت ", على بعد أميال قليلة من المناطق التي بشر فيها " يسوع الأناجيل" واجترح معجزاته الجماهيرية فيها . وكعالم طبيعة كان لابد أن يلفت نظره الزلزال العظيم والكسوف الذي أصاب المنطقة وقت الصلب, وكان لا بد أن يسمع مئات القصص عن " يسوع ومعجزاته" خلال زيارته. لكنه لم يذكر شيئا أبدا .

( ماذا قال عن يسوع؟ ): لا شيء.

2_ فيلون السكندري(10 ق.م- 50م):الفيلسوف اليهودي الشهير الذي عاش في الإسكندرية, اهتم بأخبار اليهود في فلسطين , وتحدث عن " بيلاطس" الوالي فيها. كان كاتبا ذو ثقافة كبيرة , اشتهر بحديثه عن (االلوغس= الكلمة) فقد ذكرها أكثر من (1,200) مرة قبل أن يذكرها كاتب الإنجيل الرابع. فسر الكثير من كتب الشريعة. وكتب عن فرقة " الأسانيين" بدقة. لكنه لم يذكر كلمة واحدة عن " يسوع الأناجيل".

( ماذا قال عن يسوع؟ ): لا شيء.

3_ الروائي سينكا (4 ق.م- 65م): أو " لوسيوس أنايوس" الأديب والفيلسوف الروماني. تشمل أعماله الموجودة 12 مقالة فلسفية، و124 رسالة ومقالة في علم الأرصاد الجوية، ورواية ساخرة، وتسع روايات مأساوية. كان مشهورًا في الأوساط السياسية والأدبية في روما، ثم صار معلمًا ومستشار الإمبراطور نيرون. له كتاب " مسائل الطبيعة" حلل فيه الظواهر الطبيعية كالزلازل والبراكين والعواصف . لكنه لم يذكر كلمة واحدة عن " يسوع الأناجيل". حاول المسيحيون جعله من " آباء الكنيسة" , واخترعوا له مراسلات مع (بولس) ومديح متبادل, لكن ظهر فيما بعد أنها مزيفة تماما. تقول دائرة المعارف الكتابية :-
" رسائل بولس لسنيكا : وهي رسائل باللاتينية ، ست منها من بولس ، وثمان من سنيكا . ويقول ليتفوت عن هذه الرسائل : الأرجح أن هذه الرسائل قد زيفت في القرن الرابع ، إما لتزكية سنيكا عند القراء المسيحيين ، أو لتزكية المسيحية عند تلاميذ سنيكا . وكانت واسعة الانتشار في العصور الوسطى ."_ مادة " أبوكريفا".

( ماذا قال عن يسوع؟ ): لا شيء.

4_ المؤرخ يوست (القرن الثاني): مؤرخ من منطقة طبرية التي تقع في شمال فلسطين قرب "كفر ناحوم" التي زارها المسيح.. له كتاب " تاريخ الملوك اليهود" حتى منتصف القرن الأول. لم يبقى من مؤلفاته شيء, وعرفناها عن طريق" فوتيوس" بطريك القسطنطينية في القرن التاسع. الذي أورد نبذه لـ " 280" كتابا قراها " ببليوتيكا" , ومنها " تاريخ الملوك اليهود". وقد لاحظ البطريرك أن المؤرخ الكبير قد أحاط " يسوع" بصمت مطبق , مما أثار سخطه .

( ماذا قال عن يسوع؟ ): لا شيء.

5_ سويتون ( 69-140م): "جايوس ترانكيلوس" كاتب سيرة روماني. تمكن من الاطلاع على السجلات الرومانية بحكم منصبه كسكرتير للإمبراطور الروماني هادريان حتى عام 122م. له كتاب " حياة 12 قيصرا" , وكتاب " أشهر الرجال". تحدث عن ثورة اليهود في روما بقيادة " crestos " فظن المسيحيون أنه " يسوع". لكن ظهر أن الكلمة لاتينية بمعني ( الطيب أو الحسن), وكان قائدا للثوار في ( 39 - 40 م) أيام كاليجولا، وهى الثورة التي أخمدها كلاوديوس حينما أصبح إمبراطورا سنة 41 م. أما المسيح فلم يعش مطلقا في روما كما هو معروف للجميع.

( ماذا قال عن يسوع؟ ): لا شيء.

6_ جُوزيفَسْ، فلافيوس (38-100م): " يوسيفوس فلافيوس "مؤرخ يهودي، ولد في القدس وكان حاكمًا على الجليل عندما نشبت الحرب بين اليهود والرومان عام 66م. وبعد سقوط القدس عام 70م رحل إلى روما.كتب عشرون مجلدًا تاريخيًا عن تاريخ اليهود حتى نهاية عهد نيرون. وبلغت مجمل أعماله خمسون كتابا. و لم يذكر " يسوع الأناجيل" على الإطلاق. لكن المسيحيون أضافوا فيما بعد إلى كتبه فقرات تتحدث عن " المسيح" يظهر فيها المؤلف وكأنه مسيحيا , بل ويطلق عليه لقب " المسيح" , من الواضح أن النقاد يجمعون على أنها مزيفة تماما, فالمؤرخ كان يهوديا بشكل كامل , وبصورة لا تدعوا للشك فيه أبدا . كما أن الفقرات المضافة محشورة بين جملتين متصلة في المعنى. مما جعل كل ناقد اليوم يعترف بتزويرها.

( ماذا قال عن يسوع؟ ): لا شيء.

7_ بلوترخس ( 48- 125م): كاتب سير وعالم أخلاق يوناني . درس البلاغة والرياضيات في أثينة وسافر إلى روما ومصر. دوّن الكتب العديدة فبقي لنا منها اثنان. نجد فيهما مقالات أخلاقية ودينية وسياسيّة وتربويّة, عالج التاريخ والأدب على الطريقة الأفلاطونية. آمن بحضور النفس والعرافة وعدالة العناية الإلهية. في تقليد فكر ديني آخذ في الانحطاط، جمع العناصر التي تفعل فعلها في الضمير. وكان همّه الخلقيّة العمليّة : التقوى، الاعتدال، حسن الذوق.

( ماذا قال عن يسوع؟ ): لا شيء.

8_ مخطوطات قمران (القرن الأول) : أو مخطوطات البحر الميت. في عام 1947م تم اكتشاف الآف المخطوطات والكتب والقصاصات الدينية لطائفة " الأسانيين" التي عاشت في فلسطين خلال القرن الأول. أي أنها كانت معاصرة ليسوع الأناجيل, في قلب فلسطين , وفي نفس الوقت الذي عاش فيه . لكنها لم تذكر "يسوع الأناجيل" ولا حتى بكلمة واحدة. ولم تشر إليه إطلاقا.

( ماذا قالت عن يسوع؟ ): لا شيء.


9_ سترابون( 58ق.م-25م): عالم وجغرافي يوناني. درس أصل الشعوب وهجرتها.وتأسيس الممالك. وعلاقة الإنسان بالطبيعة. كذلك هو أيضا لم يشر إلى " يسوع الأناجيل" على الإطلاق.

( ماذا قال عن يسوع؟ ): لا شيء.


10_ جوفينال ( 45-130م) و لوكانوس (39-65م) : أديبان رومانيان شهيران , لهما بعض المآثر الأدبية.

( ماذا قالا عن يسوع؟ ): لا شيء.


بقي أن نشير إلى بعض الإشارات الضعيفة وكلمات قليلة جدا ذكرت اسم " يسوع". فبلينوس الصغير(61-124م) أورد جملة واحدة عن قصائد يرددها المسيحيون في القرن الثاني لمسيحهم؟! . وتاسيتوس (55-120م) كتب بضعة اسطر عن شائعات تتحدث عن حريق روما زمن نيرون, وعن طائفة تعرف بالمسيحيين, اشتقوا اسمهم من المسيح.و سياق حديثه يدل على انه يتحدث عن شائعات في روما. وعن المسيحيين في القرن الثاني , لا عن المسيح كشخصية عاشت فعلا.

Recent Research on the Historical Jesus
Benjamin I. Simpson

Over the past two hundred years, several have ventured to write a history of Jesus, but few have discussed their method of writing about the past with any depth. Unspoken assumptions´-or-bias often dictate what the historian will find. The fact that there are so many conflicting pictures of Jesus compounds the problem. In the last thirty years of Jesus research, which have been identified as the Third Quest for the historical Jesus, historians have agreed that Jesus makes the most sense within a Jewish context, a setting that allows historians to write about Jesus from various historical approaches.

Simpson addresses the issue of method in historical Jesus research by looking at two prominent historians within the Third Quest—John Meier and James Dunn. Both Meier and Dunn typify distinct approaches to the historical Jesus, and both claim to be a part of the Third Quest. Simpson analyses their philosophy of history and historical method. In the second part of the book, Simpson looks at how Meier and Dunn handle certain key events in the life of Jesus. The treatment of these events serves as a way of highlighting the drawbacks and advantages of each method.

These distinct approaches point to the tensions that make up the Third Quest and illustrate how the concerns of recent research, evolving over a short period of time, have brought old questions to the surface in new ways. By describing the current situation of historical Jesus research as evidenced by Meier and Dunn, Simpson maps out some promising lines of future research.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World