مجتمع ما بعد الرضاعة

سامي عبد العال
abdelaalsami@gmail.com

2017 / 1 / 11

ماذا بعد فتوى ارضاع الكبار على افتراض الأخذ بها؟! يبدو السؤال تافهاً. لكن بلوغه التفاهة - إلى حد الإضحاك- هو ما يجعله أكثر خطورة. فلم تعد التفاهة في الثقافة العربية الاسلامية مجرد حدث عارض. هي تلخص تاريخاً من غياب التطور والابداع. وكم استغرقت التفاهة عصوراً وأنظمة وأشخاصاً وأفعالاً بحجم تأسيسها على أنماط الاعتقاد السائد بين الأفراد والجماعات. أضحت التفاهة مؤسسات وأبنية فكرية، ولم يعد ممكناً شجبها ونقدها نظرياً. وعليه حينما تأخذ مكانها فيجب فهم تكوينها كموضوع جذري لا يقل أهمية عن نقيضها. فالقضايا المترتبة على ارضاع زملاء العمل ذات طابع غرائبي. ومع ذلك فأصحاب الفتوى لم يدركوا كم التفاهات التي تضرب الدين نفسه وتجعل المجتمع أفواه وأثداء. وربما لن يتوقف أفراده عن السخرية من بعضهم البعض حتى الموت. فكيف ستكون هناك معايير للرضاعة؟ وما هي أشكالها؟ وبأية وسائل سيتم تقنينها؟ وماذا عن الذين يمتنعون عنها؟ وهل كلما انتقل موظف من مكان إلى آخر سيقبل الرضاعة من زميلة أخرى؟
لعل الإشارة السابقة أبعد مما نتوقع. على الأقل ثمة طرافة لغوية في تلك المرحلة الحرجة. فما بعد الرضاعة post- breast feeding يذكرنا بما بعد الحداثة، ما بعد الصناعة، ما بعد الكولونيالية، ما بعد الشمولية، ما بعد القومية. يبدو أن الفتاوى تواكب أزياء الموضة المعرفية تسللاً نحو الحياة العامة. إنها مرحلة الفطام التي لن تنفصل عن تداعيات المفاهيم المؤسسة عليها. وهي مفاهيم ساذجة حول الإنسان والدين والعمل والسياسة والدولة بشكل كاريكاتوري. كيف ستكون طبيعة هذه الجماعات الرضيعة؟ وما هي طبيعة العلاقات بفضل خلط الآراء الدينية بالسياسة؟
مجتمع ما بعد الرضاعة هم مجموعات الموظفين وزملاء العمل الذين انخرطوا في الرضاعة بمبررات الفتاوى. وتتكون تلك المجموعات برابطة دينية متمسحة بأعمال الإدارة والوظائف الرسمية. السبب كونها تحاول ارضاء الشرع بحسب المعايير الفقهية للخلوة بين الذكور والإناث. وأنها تطرح فكرة اجبارية بقوة الاعتقاد تحت مظلة الأخلاق.
إن مجتمعات العرب والمسلمين مجتمعات فتاوى بامتياز. ولا يأبه أصحابها بما تخلفه من آثار بعيدة المدى. فالفتاوى لهي الشكل الحديث لأعمال الكهانة والعرافة القديمة. وتمارس دورها في تكتم داخل معابد النصوص وبذات الآثار والوسائط التي كانت تحدثها الأولى. غير أن(الفتاوى) – كما يبدو- مرتهنة بمعارف دينية فقدت سياقها إزاء الحياة المتطورة. بل الأخيرة ساقطة من حسابات رجال الدين تماماً. فلا يعيرون أدنى اهتمام للواقع الجاري، لأحداثه، لحقائقه، للعلوم التي تدرس الاجتماع والنفس والتاريخ والحفريات الأنثروبولوجية. وبالتالي ستلوي الفتاوى عنق النصوص بلا دراية بمشكلاتها الناجمة عن غياب المعرفة والحس الإنساني العام. وأكثر من هذا لقد أضحى الواقع ذيلاً لنص فقهي أو آخر. وباتت النتائج الاجتماعية مدمرة على كافة المستويات.
لا نغفل أن داعش انشئت وتمددت واستمرت وقتلت وتخيلت الخلافة والعالم بفتاوى دموية. الوهابية تكلس العقول يومياً بفتاوى. حقاً الخطاب الديني تحول إلى فتوى وراء فتوى ليس إلاّ. كما أن الطابع الافتائي للفقه والمعارف المسماة بالدينية يقلص مساحة العقلانية والنقد والابتكار الفكري. ويقضي على آمال التغيير بأدوات انسانية مدنية. لأن الفتاوى ليست مرتبطة بسياقها بل غدت بمثابة الاسلام ذاته. بعد ضروب التقعر في الأسباب والأحاديث والمبررات والسنن كأنها اكتشفت الاسلام لأول مرة في التاريخ.
إذا كان ثمة مجال يشكل تدميرا لماهية التدين، بل ماهية الدين فهو الفتوى. لكونها تعطي قائلها والمؤمن بها سلطة هذا الدين قاطبة. ولهما أن يتصرفا على أثرها كأنه موحى إليهما. وتكّون مواقف جماعية تمس الآخرين في الصميم. إن مسارات الجماعات الدينية بأشكالها رسمت بفضل هذا البناء والانشقاق الصادرين عن هذا الاشكال. فالإسلام السياسي الراهن لم يقم على ابداع معرفي ولا تأويل جديد من الدين إنما آراء متناثرة شكلت مرجعية راديكالية في وجه المجتمعات. بمعنى أن فكرة المجتمع الجاهلي التي طرحها سيد قطب ليست فكرة عملية ولا تحليلية ولا دينية في جوهرها. هي استمدت بنفس الخاصية الإفتائية التي تطرح الفكرة نتيجة تكفير المجتمع كل المجتمع. فمصطلح المجتمع الجاهلي الراهن هو الوجه الأخلاقي للجاهلية الأولى كما يسمونها(ما قبل الاسلام). وعلية سيحمل المصطلح ثلاث وجوه. أولاً: تكفير المجتمع عن بكرة أبيه. ثانياً: محاربة هذا المجتمع بكل الوسائل الممكنة. وثالثاً: الدعوة إلى تكوين مجتمع جديد على غرار جماعة المؤمنين الأوائل. ومجمل الاسلام السياسي يقتفي أثر هذه الجماعة الأولى التي تشربت الإيمان الأصلي من منابعه كما يقال.
نفس الدافع الكامن وراء تلك الجماعات هو الساري وراء ارضاع الكبار. إنه الارضاع المفترض من أجل انشاء مجتمع طاهر ونقي. وكذلك على حد زعمهم "مجتمع رباني" لا يسمح بانتشار الرذائل. وستجد هناك مبررات أخلاقية أيضاً هي الإطار الذي يغلف كتل الموظفين والعمال. إذ يزعم أصحاب الفتوى إن ذلك يمنع استفحال الفاحشة بين الذين آمنوا. ولكيلاً يتكشف النساء أمام الرجال ينبغي اتمام الرضاعة بطريقة تندرج تحت ضوابط الفقه السياسي. وذلك أولى ألاَّ ينحرف الموظفون المؤمنون تجاه الشهوات. ويظل هؤلاء القائلون بالفتاوى يسردون أحاديث ووقائع دينية وسلوكية تخص الرضاعة خارج واقعنا المعقد والمركب. أنه تأسيس لواقع بديل يغرق المجتمع في فوضى العلاقات والإجراءات.
يرى أصحاب الفتوى بإمكانية توثيق الرضعات واثباتها. والتوثيق قد يبتكر إطاراً من راضع ومرضعة ووسطاء على غرار جماعات العمل. ومن دلالات السخرية أن يتشكل تيار الرضاعة الوظيفية بدلاً من فكرة الرضاعة الطبيعة. وهي الوظيفة الاجتماعية التي تقيم الخلوة بين الأفراد بحسب الشريعة. وإذا كانت الثقافة العربية لا تترك عملاً دونما انتظامه وفقاً لآلياتها فإنها قد تخلق طبقة الرضع الجدد. فلا تمر ظاهرة ثقافية هكذا اعتباطاً بلا تدوير داخل بنيتها الكلية. إنها تؤدي مهمة اقتصادية في المقام الأول. لأن الدخول المالية ستتأثر بحكم التنظيم المفترض لطبيعة العمل ولفتراته وعناصره وأماكنه. وما لم يكن هناك إمكانية للعمل معا- بناء على الرضاعة- لن ينسجم هؤلاء. وبالتالي سيؤثر على مناخ الانتاج ذاته الأمر الذي يخلخل استقرار البلاد والعباد.
المزعج بعد ذلك كله أن يصر رجال الدين على التدخل في سياق الحياة السياسية والاقتصادية. وأنهم يستعملون حق التعبير بالمعنى الحداثي في استعمال الدين في المجال العام. من هؤلاء على خلفية السياسة المعاصرة؟ فلا مبرر هناك- أيا كان- لإمكانية التدخل من خارج أي نظام سياسي بهذه الطريقة. هذا المسمى، هؤلاء الذين يفتون بتحديد إطار غير سياسي لتنظيم الأعمال. وهم بالأساس غير مخولين بذلك إطلاقاً. والأنظمة السياسية مصممة ابتداءً بحيث تلفظ مثل هذا التدخل بلا سياق.
إن ذلك يعني عطالة الدين في غير مكانه. ولا سيما كون العطالة تجلب عطالة اقتصادية وتخلق أبعاداً أخرى. ماذا لو كان ذلك سيزيد من حجم الاجراءات التعسفية؟ فضلاً عن التكلفة الإنسانية الباهظة الناتجة عن قمع الرافضين واجبارهم على ذلك. وسيثير ذلك أيضاً سؤال التنوع الديني؟ كيف الحال لو كان هناك مسيحي، يهودي، لا ديني ومسلمة في مكتب واحد؟ أو العكس. الرأي معروف من حيث انهاء هذا الاختلاف لصالح المسلمة واقصاء الآخرين. أليست فتوى إرضاع الكبار دعوة للتفرقة الصريحة بين عناصر المجتمع وهدماً لمبدأ المواطنة؟ وبالتالي يتاح المجال ثانية لعودة علاقات القرابة كأساس في أنظمة العمل. وهو ما يذكرنا بالأرضية البدائية في المجتمعات القديمة. والأنكى أن تقر هذه الأرضية حاجبة أي تغير قادم باسم الإنسانية. ناهيك عما يتمسك به خطاب الفتوى من معاداة لروح التسامح والعمل والانتاج الحر للعقول.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World