مذكرات د.زهدي الداوودي

حبيب مال الله ابراهيم
dr.habeeb1975@icloud.com

2017 / 1 / 11

مذكرات د.زهدي الداوودي
أ.م.د. حبيب مال الله ابراهيم
في عام 2004 قمت مع زميل دراستي (محمد نور الدين محمد) بتأسيس جريدة (كركوك الغد) باللغتين العربية والكوردية واستمرت الجريدة بالصدور طوال سنتين، كتبنا العديد من المقالات في شتى الموضوعات وعبرنا عن هموم المواطنين. كنت لا أزال طالب دراسات عليا (ماجستير) بكلية الاعلام – جامعة بغداد. تعرفت أثناء ذلك الى الدكتور زهدي الداوودي الذي رجع الى كركوك في زيارة قصيرة (وهو صديق قديم لوالدي المرحوم) وقد كانا سوية ضمن كوادر الحزب الشيوعي في الخميسينيات والستينيات من القرن الماضي، قبل أن يترك د.زهدي الداوودي العراق ويترك والدي (رحمه الله) الحزب نتيجة الضغوط التي مارسها حزب البعث على المنتمين الى الأحزاب الاخرى.
أثناء مكوثه في كركوك قمت بمفاتحة تلفزيون كركوك التابع لشبكة الاعلام العراقي لاستضافة الدكتور زهدي الداوودي في برنامج تلفزيوني للتحدث عن تجربته الادبية، فاقترح مدير التلفزيون أنذاك أن أقوم بتقديم الحلقة فوافقت على الفور وقدمت ساعة من الحوار الشيق في التلفزيون مع د.زهدي الداوودي وبقيت عند المساء اشاهد اللقاء. حين رجع د.زهدي الداوودي الى المانيا، اقترحت عليه أن يكتب مذكراته لأقوم بنشرها في جريدة (كركوك الغد) فأرسل لي(14) حلقة يتحدث فيها عن طفولته وبعض أصدقائه والأحداث التي مرت به.
لم يستمر د.زهدي الداوودي في كتابة المزيد من الحلقات بسبب انشغاله بكتابة رواية جديدة.

ذكريات كركوكية (1)
أحــلام الفراشات الأزلية
في البدء كان الحلم. ومن الحلم أنبثق الأبداع. ومن الابداع أنطلقت الطاقة الداخلية الكامنة في أعماق النفس البشرية مثل فراشة تركت مكمنها على أثر شعاعات شمس الربيع. ماذا تريد الفراشة أن تفعل؟. فصل واحد ثم ينقضي. ويستغرب الانسان من هذا العمر القصير الذي تعيشه الفراشة. يا للسذاجة، إنه لا يعرف بأن عمره هو أقصر بكثير من عمر هذه الفراشة المتبخترة التي لم تخطط لنفسها سوى أن تلتقي بفراشة أخرى، تقضي معها لحظات العمر التي تمتد الى الأزل، والتي هي في الواقع ليست سوى لحظات عدة في حساب الزمن الارضي.
ويمضي نصف قرن من الزمن، دون أن تصدق أنه حقيقة واقعة، إنه إذن عمر الفراشة المتبخترة التي تركت وراءها خمسين دورة، دون أن تعرف الشيخوخة والهرم، بل جمالا وشبابا أزليين وحركة دائبة ونشاطا لا ينضب.
تلك هي الحياة إذن، في تجدد مستمر لا تعرف النضوب، تتقدم الى أمام رغم المراوحة والتقهقر والكبوات، تتحرك مثل عجلة أزلية لا تعرف الوقوف، تقتحم الموانع، فارضة إرادتها على كل الارادات البشرية المصطنعة والمتبخترة والمزيفة والتي لم تعرف سوى تشويه الوجه الجميل للانسان وتحريك غرائز الشر الكامنة في أعماقه وتحويل الحياة الجميلة الآمنة الى جحيم لا يطاق. لو كان بإمكانها لحجبت الشمس عن الناس وأحتفظتها لنفسها حسب، بل ومنعت حتى القمر من البزوغ، ولكن ومن حسن حظ البشرية، لا تدوم العظمة الفارغة وإن الأستعلاء يؤدي الى السقوط.
ولعل أسوأ لعنة تحل بالمرء، هي لعنة التأريخ التي تنزل مثل الصاعقة، فتشل من تشل وتحيي من تحيي. تلك هي إرادة الحياة التي لن تقهر، بيد أن المصيبة هي أن البعض لا يريد أن يقر هذه الموضوعة. ويأبى الا أن يقف في وجه تلك العجلة التي لا تعرف الوقوف، فتحكم على نفسها بالموت مقدما.
ترى كيف كانت تطلعاتنا وأحلامنا نحن أبناء الجيل الأسبق، جيل ما قبل العقود الاربعة؟ وكيف كنا نفكر، ماذا كنا نريد؟ وأين أصبحت الفراشة الكامنة في أعماقنا؟.

ذكريات كركوكية (2)
جماعة أبناء الشقــــــــاء
كان ذلك في منتصف خمسينات القرن الماضي. كنا إذ ذاك نسمي أنفسنا "جماعة أبناء الشقاء"، قبل أن يطلق علينا أدباء بغداد فيما بعد أسم "جماعة كركوك". والأسم الأول جاء على ما أتذكر بأقتراح من قحطان الهرمزي الذي تعرفت عليه في طوز، حيث جاء اليها بحكم وظيفة المرحوم والده نجاتي الهرمزي الذي كان صديقا حميما للمرحوم والدي. كنت في الصف الأول المتوسط وأما قحطان فكان في الرابع الثانوي إن لم تخنني الذاكرة. كانت صداقتي في الحقيقة مع شقيقه عصمت الذي كان يحلم أن يكون ممثلا معروفا، والحقيقة أن حلمه لم يكن مبنيا على وهم، إذ أنه كان ممثلا بالفطرة. وكان يحاول دوما أن يجرني الى عالم هوايته مؤكدا لي بأن مستلزمات الممثل متوفرة عندي، بدليل أنني أشبه الممثل الأمريكي المعروف كريكوري بيك. ولم يقف عند هذا الحد، بل أكد لي بأنني أصلح لأفلام الكاوبوي، ذلك أنه رآني ذات يوم على ظهر حصان وأنا في طريقي الى قرية البو صباح، بينما هو جالس في الباص الخشبي القديم الصاعد الى كركوك، فأخرج رأسه من النافذة ليحثني على التسابق مع الباص. ولم يخيب حصاني ظنه، بيد أن الفضل بالتأكيد لم يعد لحصاني الهرم، بل لضعف الباص الذي أكل عليه الدهر وشرب.
وتمكن عصمت الى حد ما أن يجرني الى عالم هوايته، إذ أشتركت معه في تقديم مسرحية قصيرة أمام أهلنا في إحدى الأمسيات. وكان ذلك بداية لمساهماتي في مسرحيات قدمت فيما بعد مثل مسرحية "رسول النبي الى هرقل" أو "الطبيب المفلس" اللتين قدمتا على مسرح قاعة ثانوية طوز ومسرحيات أخرى قدمت في أوقات وأماكن أخرى. وحين أنهيت الدراسة المتوسطة، قدمت طلبا للدخول في معهد الفنون الجميلة/ قسم التمثيل والأخراج، بيد أن الطلب كان مرهونا بموافقة ولي الأمر، الأمر الذي لم أتمكن من تدبيره، إذ أن مهنة التمثيل آنذاك كانت من الأمور الشنيعة التي لا يجوز التفكير فيها!
رغم تلك المساهمات المسرحية، ظل إهتمامي منصبا على الأدب والرسم، وكنت أنجذب الى قحطان وأستفيد من ملاحظاته على نصوصي البدائية التي كان يعيد كتابة بعضها بأسلوبه الخاص. ومن الجدير بالذكر إنني قبل تعرفي بقحطان كنت أقرأ قصص الأطفال ومشتركا في مجلة "سندباد" المصرية ونصدر مع مجموعة من الأصدقاء نشرة حائطية خاصة بالأطفال. وكان لقحطان الفضل في الأخذ بيدنا ونقلنا من عالم الطفولة الى عالم الشبيبة وأدب الكبار. ولا أنسى فضل كل من إبراهيم الداقوقي ومحمد خورشيد علي آنذاك، حيث كانا يزوداني بالقصص والروايات العالمية. وعلى فكرة أن الحصول على كتاب جيد إذ ذاك، كان أمرا عسيرا، فعن طريقهما تعرفت على أنطون تشيخوف، غوركي، دسويفسكي، همنغوي، جون شتاينبك، أرسكين كالدويل وغيرهم..
ذات يوم أستدعاني مدير ثانوية طوز موسى نعمان الى الادارة وهو بين مهدد ومشجع، قال وهو يؤشر الى مجلة سندباد المصرية وكومة الروايات العالمية التي أخرجها من الكارتون الذي حمله الي البريد:
"ما أفتهمنا، أنت تقرأ قصص أطفال أم أدب عالمي؟"
قلت بأعتزاز:
"أقرأ كليهما أستاذ، ولكنني أوقفت إشتراكي في مجلة سندباد".
سألني ما إذا كنت أملك أعدادا قديمة من مجلة سندباد، كي أعيرها لأبنه الصغير. قلت إنني لست بحاجة اليها، سأهديها كلها أياه.
وقبل أن أغادر غرفته، نصحني أن أطلب من صديقي أن لا يرسل لي مثل هذه الكتب بالبريد، لأنها ممنوعة.

ذكريات كركوكية (3)
مركز العالم الثقافي
أنتقلت من عالم قراءة قصص الاطفال الى عوالم جبران خليل جبران والمنفلوطي وطه حسين وتحولت نشرتنا الحائطية الى مستوى أعلى بفضل إشراف قحطان عليها. وحولت منزع حمامنا المتواضع الى مكتبة ومكان للقاء ما يسمى بهيئة التحرير. وأما من هو جمهورنا ومن يقرأ نتاجاتنا، فمسالة لم تهمنا ولم نفكر فيها. المهم أننا كنا نكتب ونريح حاجة ذاتية في دواخلنا ونعتقد أننا نغير العالم، ولكننا سرعان ما أحسسنا أننا نعيش داخل قوقعة وندور في حلقة مفرغة. وكان أن أنسلخنا من عالمنا الذي كان لا يزال تهيمن عليه الطفولة والصبيانية، ورحنا ننصرف الى التهام ما يقع في أيدينا من روائع الأدب العالمي.
ومن خلال زياراتي المنتظمة الى كركوك ولا سيما بعد أن أنتقل والد قحطان الى هناك تعرفت على المرحوم يوسف الحيدري، أنور الغساني، مؤيد الراوي، جليل القيسي، فاضل العزاوي و علي شكر البياتي.
كان ذلك في العام 1955، كنا نلتقي عادة في بيت أحد الاصدقاء أو في المكتبة العامة التي كانت تطل إذ ذاك على نهر خاصه صو جنب البريد المركزي. وكنا قد بدأنا بالنشر في الصحافة العراقية، حيث ظهرت نتاجاتنا الشعرية والقصصية في جرائد "النديم" الاسبوعية (نشرت فيها لأول مرة في العام 1953) وصوت المحاربين والحوادث وفتى العراق الموصلية والبلاد والتقدم..الخ. وأصدر فاضل العزاوي مجموعة شعرية صغيرة بعنوان "أساطير خالدة" طبعت في مطبعة كركوك. وفي تلك المرحلة توطدت علاقتنا بالأب يوسف سعيد ومحمد أحمد رستم، كان الأخير معلما وقاصا من الطراز الاول، نال جائزة مجلة الآداب في القصة القصيرة. كنت التقي به في مخزن والده الواقع في شارع الأوقاف، حيث أسلمه مسودات قصصي القصيرة ليبدي حولها ملاحظاته.
كانت كركوك آنذاك بالنسبة لي مركز العالم الثقافي، حيث كنا نحصل على كل ما نريده من الثقافات العالمية وباللغتين العربية والأنكليزية من المكتبتين المعروفتين: "المثنى" لصاحبها أوجين شمعون و "المكتبة العصرية" لصاحبها حلمي عباس. وكنا أكثر إنجذابا للشخص الاول، إذ أنه كان يعرفنا شخصيا ويعرف ما نريده من الروايات التي يخفيها في الرفوف الخلفية من مكتبته. وكانت ثمة مكتبة ثالثة صغيرة جدا مقابل القشلة لصاحبها عمر بيكه س مختصة ببيع المطبوعات الكردية، وهناك تعرفت لأول مرة بالكاتب الكردي معروف خزنه دار وكان قد أصدر آنذاك كتابا بعنوان "أغاني كوردستان". وعرفت منه أنه يمارس مهنة تدريس اللغة العربية ويعمل في المتوسطة الغربية، وأعلمته بأنني في الصف الثاني المتوسط وأدرس في نفس المدرسة، ولكن في القسم المسائي. وأصطحبني ذات يوم معه الى الصف للأستماع الى درسه. وهنا لابد لي أن أتطرق الى مصدر آخر للثقافة في كركوك، وهو السيد الذي كان يبيع الجرائد والمجلات على رصيف شارع الأوقاف. وكان ينبه الناس بأسلوب مهذب الى أهم عناوين المجلات. أذكر إنني أتفقت معه أن يرسل لي مجلة سندباد أسبوعيا بالبريد وبذلك لم يفت علي أي عدد من هذه المجلة التي كانت تصلني في الموعد المقرر.
يبدو لي أن الحالة الثقافية في منتصف الخمسينات في كركوك كانت أحسن بكثير مما هو عليه الآن، وكان الناس يقرأون الكتب بلهفة أكثر. أرجو أن أكون خاطئا في تقديري هذا. ولكن يبدو أن ظاهرة الانصراف عن الكتب مسالة عالمية، فقد قال لي ذات مرة كاتب الماني أن الناس في هذه الأيام يقرأون الفيديو!

ذكريات كركوكية (4)
مصير جماعة أبناء الشقاء
رغم أننا، قحطان وأنا، عند نشر نتاجاتنا في الصحافة العراقية، كنا نذيل أسماءنا الصريحة بعبارة "من أبناء الشقاء"، الا أننا على ما يبدو لم نتمكن من إقناع أصدقئنا الآخرين للسير على نفس النهج، إذ أنهم لم يأخذوا إقتراحنا بجد، ولا سيما المرحوم يوسف الحيدري الذي كان أكثرنا ليبرالية. وعلى فكرة كنا نجتمع بصورة منتظمة وسرية ونكتب محضرا مفصلا لوقائع الاجتماع. وكان يحضر أجتماعاتنا صديق أسمه صلاح لا علاقة له بالادب، يحضر بصفة معجب بأدب الجماعة. ولم يبد أي واحد منا تحفظا تجاه حضوره إجتماعاتنا، وكنت من جانبي أحس في قرارة نفسي بأن له علاقة بالحزب الشيوعي. ولم يهمنا هذا الأمر، إذ أننا كنا نعتبر أنفسنا هيئه أدبية أعلى من الأمور السياسية. ومن الجدير بالذكر أن فاضل العزاوي سبق أن تطرق الى شخص صلاح في روايته "آخر الملائكة" وكتابه "الروح الحية". بيد أن صراعا داخليا خفيا بدأ يطفو على السطح حول ماهية هويتنا الأيديولوجية.
وفي أحد الأجتماعات أحتدم النقاش حول هذا الموضوع، وإذا بالأكثرية الساحقة تؤكد على الهوية الماركسية، رغم أننا كنا لم نفهم الفبائها. وكان أن أعلن يوسف الحيدري بحدة بأننا وجوديين ماركسيين وأنتهت المناقشة بالإجماع على كوننا ماركسيين مستقلين وهكذا. ولما كان فارق السن داخل الجماعة يتراوح بين 15 و19 من العمر، لذا فإن الوعي السياسي كان هو الآخر متباينا.
ذات يوم غاب عن الإجتماع كل من أنور الغساني وعلي شكر البياتي، ولما كان الغياب خصلة لم نعهد بها من قبل، لذا صب الأجتماع جام غضبه عليهما، وتقرر تنبيههما على هذا التصرف اللبرالي المتسيب والغريب على تقاليد الجماعة. وعندما حل اليوم الثاني تبين أن المسكينين قد ألقي عليهما القبض من قبل الشرطة. وأحسسنا في دواخلنا بالخوف وبأننا إنما نلعب بالنار. ومنذ ذلك اليوم تقرر عدم كتابة المحاضر وعدم عقد الأجتماعات بهذه الطريقة المشبوهة التي قد تجلب أنتباه الشرطة السرية، ولا سيما لأننا كنا نعتبر أنفسنا جزءا من الحركة الثورية التي تحلم برومانتيكية الثورة والإطاحة بالنظام الملكي البالي. وكنا ننظر الى شركة نفط العراق كرمز ملموس للإستعمار البريطاني المهيمن على بلدنا.
ولم نعد نذيل أسماءنا بعد ذلك الحادث بعبارة "من أبناء الشقاء" التي أحسسنا بخطرها، فأصبح مصيرها جزءا من مصير الأجتماعات المنتظمة التي تحولت الى لقاءات عفوية في
المقهى أو المكتبة العامة أو في بيوت بعض الأصدقاء.

ذكريات كركوكية (5)
الى الإضراب العام
يبدو أننا كنا لا نهتم بالأدب من أجل الأدب فحسب، بل كان ثمة أشياء أخرى نخفيها وراء ستار الأدب ولا نفصح بها حتى لبعضنا البعض، فإلى جانب القاء القبض على كل من أنور الغساني وعلي شكر البياتي، تم القاء القبض على قحطان الهرمزي أيضا، ولم تتسن لي الفرصة للأستفسار عن السبب. أذكر أنه أرسل لي قبل ذلك قصة رومانتيكية بعنوان "ماروشكا" مع رسالة طويلة كلها أحتجاج على الظلم القائم وأفتقاد العالم للعدالة وضرورة العمل الدؤوب من أجل إحلال العدالة على الأرض. وظلت الرسالة والقصة عندي لفترة غير قصيرة الى أن أضطررت لأتلافهما قبل إجراء التحري على بيتنا من قبل الشرطة بيومين. وأحسست في داخلي، كإنسان مراهق، بنوع من الأعتزاز، ليس لأنني أعمل ضمن جماعة من الأدباء، بل ضمن جماعة من الثوريين الذين يتحدون السلطة السياسية، ولم أعد أخاف من مسالة القاء القبض علي، بل رحت أحس بالعقدة تجاه الذين القي عليهم القبض. وتراكمت مجموعة من الأحداث التي هزتني من الأعماق، في مقدمتها وفاة والدي في خريف العام 1955 وطردي من ثانوية طوز وإنتقالي الإضطراري الى كركوك لمواصلة الدراسة في الثانوية الأهلية.
كان ذلك في ربيع 1956 حين طردت إدارة المدرسة زميلنا كمال بتهمة القاء منشورات سرية في قاعة المدرسة التي كانت تستعمل كمختبر، وأثار هذا الأجراء ليس عددا كبيرا من الطلبة حسب، بل مجموعة من المدرسين المتنورين أيضا، ومما صب النار في المسالة وأثار مشاعرنا، هو الأنباء الواردة من بعض الزوار القادمين من بغداد وما تناقلته الأذاعات العربية وفي مقدمتها إذاعة صوت العرب، عن مظاهرات طلابية في بغداد تؤيد الشعب المصري وتستنكر العدوان الثلاثي على مصر، ورحنا نتصل بطلبة الصفوف الأخرى للقيام بأضراب عام، من جهة تظامنا مع زميلنا المفصول ومن جهة أخرى تظامنا مع الشعب المصري. أحسسنا نحن الطلبة الذين كنا لا نتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة بأننا لا نستطيع أن نؤثر على طلبة الصفوف الاخرى، ورحنا نشتمهم ونتهنهم بالتخلف والرجعية وظل تأثيرنا مقتصرا على صفنا الذي أبدى أستعداده للتظاهر. إذ ذاك نقلت للصف خبر فصل زميلنا كمال وأخبار الأنتفاضة الطلابية في بغداد وكافة المدن العراقية، ثم أخذت قطعة طباشير وكتبت على السبورة بخط كبير "الى الأضراب العام". ولم أجد الا والطلبة يتدفقون لترك الصف. وتوجهنا دفعة واحدة وبلا إرادة منا الى بيوت الشركة الأجنبية القريبة من المدرسة ونحن نهتف بسقوط حلف بغداد العدواني ونريد الخبز بدل المدافع وعاش السلام العالمي. وكان أحد الفراشين يرافقنا بصمت. أعتقدنا في بداية الأمر أنه متضامن معنا، ولكن تبين فيما بعد أنه أندس فيما بيننا بتكليف من مدير المدرسة ليتعرف عن كثب على المحركيين الحقيقيين.
توقفنا أمام جدار طيني واطئ، يطل على منشئآت الشركة التي تتخللها النخيل وأشجار الرمان. وراح بعضنا يصعد الجدار ويلقي الخطب الحماسية مؤشرا الى البيوت الحديثة. قال أحدهم بغضب:
"هذا هو الاستعمار بعينه، جاء لينبش أظافره في جسد شعبنا الجائع".
وفي هذه اللحظة ظهر شاب لبناني أنيق، تبدو عليه الظرافة والمرح، قال بلهجة ودية:
"خيو، شو إستعمار؟ شو أزافر؟ هاي شركة مقاولات فرنسية تبني الطرق والجسور عشان تمشي عليها سيارات".
كان معظمنا حتى ذلك الحين لا يعرف بأن الشركة فرنسية، بل يعتقد أنها أنكليزية – أمريكية، جاءت لتبني المطارات والقواعد العسكرية لحلف بغداد. وبعد أن شبعنا وتعبنا من إطلاق الشعارات والهتافات العالية، رجعنا الى ساحة المدرسة. وهناك أستقبلنا المدير بغضب طالبا منا أن ندخل صفنا بسرعة. كان يلوح بعصا غليضة وهو يهز رأسه بغضب وسخرية:
"ثوار ماو ماو.. ثوار ماو ماو.."

ذكريات كركوكية (6)
الإنتقال الى كركوك
يبدو أن المدير قد أقتنع، نتيجة للتقارير الشفوية التي وصلته، بأن معظم المحركيين الحقيقيين إنما تمركزوا في صفنا، ولذلك تم إرسال كافة طلبة الصفوف الاخرى الى بيوتهم، ورحنا نحن ننظر اليهم من خلال الشبابيك بحسد وغيرة.
أجتمعت الهيئة التدريسية برئاسة المدير لأجراء التحقيقات اللازمة مع كافة طلبة صفنا، الصف الثاني شعبة (ب). وبعد أكثر من ثلاث ساعات من الأستجواب المكثف، صدرت قوائم العقوبات.
كانت أشد العقوبات قسوة، هي تلك التي صدرت بحق ثلاثة طلبة يتقدمهم أسمي، إذ أنني أعتبرت المحرض الأول، وأعترفت بأنني أنا الذي كتبت على السبورة عبارة "الى الأضراب العام". كانت القرارات متباينة وكان القرار الأول يقضي بطرد كل من أنور كوثر وعلي زين العابدين وأنا مؤبدا من المدرسة على أن لا يجري قبولنا في أي مدرسة أخرى في العراق، بيد أن الهيئة التدريسية، رأفة بنا، أعادت صيغة القرار وجعلته فصلا لما تبقى من السنة، على أن نحتفظ بحقنا بالدوام في مدرسة أخرى. وهكذا أنتصرت إرادة أغلبية المدرسين المتنورين والخيرين.
حين أنتهى المدير من قراءة القرارات التي صدمتنا جميعا، ترك الصف بدون أي تعليق، سوى أنه أتى بحركة من يده بأن ننصرف الى بيوتنا. لم يسبق لنا في حياتنا منذ أن دخلنا المدرسة، أن تركنا الصف بمثل هذا الهدوء والحزن المخيمين علينا. كنا صامتين معقودي الألسنة، ننظر الى بعضنا بحيرة وإرتباك وتساؤل. لقد شملت العقوبات كافة طلبة صفنا والتي تباينت مابين السنة كأقصى عقوبة وثلاثة أسابيع كأدنى حد للعقوبة. كنا، أنور كوثر وعلي زين العابدين وأنا، آخر من ترك الصف. طلب علي زين العابدين منا أن نذهب الى منزلهم القريب من المدرسة كي نتباحث مسالة مواصلة الدراسة في مدينة أخرى والا فاننا سنضيع سنة بدون جدوى. لم يأت أنور معنا بحجة عدم وجود أي إمكانية لمواصلة الدراسة في مدينة أخرى، وقال أنه ربما سيترك الدراسة نهائيا لمساعدة أهله في الفلاحة وتربية الحيوان.
لم أذهب مباشرة الى البيت، ظللت أسرح هنا وهناك وأنا أفكر في كيفية نقل الخبر الى والدتي. بعد تناول طعام العشاء فاتحتها بالأمر، كنت أعتقد أنها ستقلب الدنيا على رأسي، بيد أنها بعد هنيهة صمت قالت بصوت حزين خافت:
"كان هذا يعوزنا، لو كان والدك حيا لهشم رأسك، والآن، ماذا تريد أن تفعل؟"
قلت بلهجة حائرة:
"لا أعرف، هناك خياران، إما أن أجلس في البيت بأنتظار السنة الدراسية القادمة، أو أواصل الدراسة في كركوك كي لا تضيع علي السنة"
قالت أن الانتظار في البيت لا يحل المشكلة وعلي أن أسافر غدا الى كركوك للبدء بالدراسة والبقاء عند شقيقي الأكبر عباس.

ذكريات كركوكية (7)
الوهم الذي فقدته الى الأبد
ترتبط مدينة كركوك في ذهني بذكريات الايام التي قضيتها في مستشفى المجيدية-(الجمهورية) حاليا - بمعية المرحوم والدي الذي كان يعالجه المرحوم الدكتور رضا طاهر عثمان، حيث أقترح الأخير أن أبقى مع والدي في الغرفة رقم (5) لمساعدته في إجراء التمرينات والحركات الضرورية لساقيه بصورة خاصة وجسمه بشكل عام.
بعد ثلاثة أسابيع من تواجدنا هناك، فارق والدي الحياة. أقول كانت تلك الذكريات تعتبر مزيجا من الحزن العميق وأكتشاف الأشياء ضمن ذلك العالم الوردي الذي بدأ بالانهيار. على حافة ذلك الوهم، كنت أدور في حلقة مفرغة، لم أتمكن في حينها من أختراق جدارها، فظللت أحلم بذلك الوهم الذي أقتحم كياني وهزه من الاعماق، وأنتظر ساعات، سواء وراء النافذة أم أمام الباب في الممرالطويل، لعلني الق عليها نظرة واحدة تكفي أن تخدرني لنهار كامل. وسواء شئت أم أبيت، كانت النظرة دوما قصيرة جدا، أقصر من جزء من الثانية، ذلك أنها كانت تمر مثل الطيف، ورغم كل تلك السرعة المذهلة، فإن صورتها كانت تبقى واضحة جلية، كما لو أنك حدقت فيها ساعات.
وها أنني أعود مرة أخرى الى هذه المدينة الحزينة، ولكنني هذه المرة لست مطوقا بحلقة المستشفى المحكمة، بل طليقا حرا ومشردا أستطيع أن أفعل ما أشاء. وقبل أن أذهب الى بيت شقيقي في محلة شاطرلو، أردت أن أتسكع في الشوارع وأتعرف عن كثب على معالم المدينة، ذلك أنني عند مرافقتي لوالدي لم أر منها سوى المستشفى بحديقتها والشارع المؤدي اليها. كنت أحلم بالشوارع والاسواق ومعالم المدينة الأخرى التي لازالت تبدو مثل حلم غير واضحة المعالم. عبرت الجسر الحجري التأريخي الجميل الذي أزالته فيما بعد أيادي الجهلة الذين قفزوا الى السلطة عام 63 في غفلة من الزمن. وسرعان ما أنعطفت بلا إرادة مني الى الشارع المؤدي الى مستشفى المجيدية. لا أدري لماذا قادتني قدماي الى هناك. في البدء أردت أن القي نظرة على المستشفى واتذكر وجه والدي الذي فارق الحياة هناك وأنصرف، بيد أنني ما أن أصبحت أمام البوابة الخارجية، الا وأجتاحتني رغبة جارفة في الدخول والقاء نظرة على الغرفة رقم (5). سألني البواب عمن أريد زيارته، فأجبته فورا : غرفة رقم (5)، فأومأ برأسه أن أدخل. وأمام البوابة الداخلية فكرت في أختلاق حجة لمن قد يسألني عن سبب زيارتي للمستشفى، فقررت أن ادعي بأنني من أجل تمشية معاملات التقاعد أحتاج الى نسخة أخرى من شهادة الوفاة. وكان هذا السبب كافيا أن أتنقل بكل حرية في أرجاء البناية دون أي تردد. وقادتني قدماي عبر السلم الى الطابق العلوي، حيث الغرفة رقم (5) وغرفة الممرضات الملاصقة لها. وطغى الفرح لرؤية "الوهم" على بقايا الحزن المتسرب في أعماقي. وراحت خطواتي السريعة تختصر المسافة، وسرعان ما وجدت نفسي واقفا بين الغرفتين: الغرفة رقم 5 التي صعدت فيها روح والدي الى السماء وغرفة الممرضات التي تركت فيها قلبي. وراح هذا يخفق بشكل غريب. آه، لو عرف الوهم لماذا يخفق قلبي. الردهة الطويلة خالية، يخيم عليها الصمت، بيد أنني أسمع في داخل أعماقي صدى خطواتها السريعة وهي تقطعها ذهابا وأيابا دون أن تلتفت الى أحد ودون أن تحس بوجودي. وخرق الصمت وقع خطوات سيدة أنيقة (طبيبة)، ورحت أنا الآخر أتحرك كما لو أنني أبحث عن غرفة معينة ودون أن أهتم بها. قطعت علي الطريق، سائلة بلهجة غير ودية: "عن أي شئ تبحث؟"
قلت وأنا ينهار في داخلي شئ غريب:
"عن الغرفة التي تعطي شهادات الوفاة"
قالت بحدة وأحتقار:
"حتى الأعمى يعرف بأن الادارة في الطابق الارضي، تحت"
وأشارت بيدها الى حيث السلم كما لو أنها تطردني كأي كلب. كانت تلك هي المرة الاولى التي أحسست فيها بالخوف الحقيقي من إمراة. إذ ذاك أنهار شئ ما في داخلي وأحسست بأنني كنت قد أحببت وهما، وبأنني قد فقدت هذا الوهم الى الأبد.

ذكريات كركوكية (8)
الأدب ومزالق السياسة
أحسست بالفرق الكبير في الحياة الأدبية بين كركوك وطوز. كنا في الأخيرة ثلاثة مراهقين من جيل واحد، نعتبر أنفسنا أدباء وننشغل بأصدار مجلة نكتبها باليد بعنوان "صدى الواعي"، يقرؤها بصورة سرية بعض المشجعين والمعارضين للنظام القائم. كنا، المرحوم موسى العبيدي وعبداللطيف بندر أوغلو وأنا نهتم بالسياسة أكثر من أهتمامنا بالأدب، وكان ثمة جيل أكبر منا يمثله كل من الشاعرين البصير حسن كورم وعلي معروف والفنان أكرم طوزلو. كان الأول يحرضنا على الثورة وأما الثاني فكان يشجعنا دون التدخل في السياسة. والمؤسف أن الحركة الأدبية في طوز خسرت المرحوم هاشم رشاد. كما وكان من الممكن أن يصبح علي نقي شاعرا متميزا، لولا أنه لم يأخذ الأدب بجد، ربما لأنه كان لا يريد أن تدركه حرفة الأدب. كانت طوز تفتقد، شأن كل القصبات الصغيرة الى موجهين وكتب، عكس مدينة كركوك الزاخرة بالكتب والموجهين ومراقبة الشرطة السرية أيضا. كانت هناك أسماء لامعة يمكنك الأتصال بها وأستشارتها وأستعارة الكتب منها: نجيب المانع، ناظم توفيق، سنان سعيد، محمد أحمد رستم، عبدالصمد خانقاه، محمد الملا كريم، معروف البرزنجي، وحيدالدين بهاء الدين، معروف خزنه دار الخ من الأسماء التي لا تخطر ببالي. كان هؤلاء يمثلون جيلا أكبر منا وكنا نحن جماعة كركوك من الأدباء الصغار ننظر اليهم مثل نظرتنا الى الآباء والمدرسين، بيد أننا كنا متحفظين تجاه كتاباتهم وتصوراتهم، ولا أعتقد أننا كنا مصابون بالغرور أو نعتبر أنفسنا أفضل، ذلك أننا كنا ننظر بنظرة إنتقادية لكل ما يقع في أيدينا. كانت لنا مقاييسنا الخاصة بنا، والتي تعرفنا بها ودرسناها بعناية ونحن لم نتجاوز الخامسة عشرة من العمر، وكنا قساة جدا مع بعضنا البعض، كنا مبهرين بناظم حكمت، بابلو نيرودا، ت. س. ايليوت، ماياكوفسكي، دستويفسكي، غوغول، أنطون تشيخوف، أرنست همنغوي الخ من عمالقة الأدب العالمي. كنا رغم صغر سننا، نريد أن نبلغ مستوى جيل عبدالملك نوري، عبدالوهب البياتي، بلند الحيدري، بدر شاكر السياب الخ. ونتجاوزهم. كنا تستبد بنا خيالات المراهقة العنيفة سواء ما يتعلق بالأدب أم بالسياسة. ودفعنا ثمن مزالق الأخيرة غاليا.
أذكر أن قائممقام قضاء طوز أفتتح ذات مرة معرضا للرسم أشرف عليه الفنان المرحوم محمد مهدي، وكان من المفروض أن أساهم فيه أنا أيضا، بيد أنني لأسباب معينة تخلفت عن تقديم اللوحات. وعند أفتتاح المعرض، عاتبني أستاذي المرحوم محمد مهدي لعدم مساهمتي في المعرض، وحين أعتذرت له لضيق الوقت، قال لي متهكما:
"منذ أن أصبحت مناضلا، نسيت الفن يا بني"
وأذكر أيضا أن طلب مني ذات مرة المرحوم الاستاذ سنان سعيد أن أكتب موضوعا للمجلة المدرسية "صدى الشباب" التي كان يشرف على إصدارها، فكتبت موضوعا حول الوطن والوطنية، أفتتحته بعبارة للشاعر أحمد شوقي: الحياة عقيدة وكفاح...وكان أن ألتقينا صدفة قرب مديرية المعارف وبعد أن تصافحنا، سألني ما إذا كنت قد أنتهيت من كتابة الموضوع، فأخرجت المادة من حقيبتي، وسلمته أياها. بعد أن القى نظرة سريعة على المادة، رفع رأسه وأشار بيمناه الى نوافذ سجن مركز الشرطة المطلة على شارع الأطلس وقال:
"هل تشتهي تمر قسب وصمون يابس أم أن جلدك يحكك؟"
عرفت أن جلدي يحكني، كجزء من مزالق السياسة، ولكنني أردت أن أعرف ماهية الأمر، فقلت:
"ولكنني كتبت عن الوطنية فحسب، هل هذه كلمة ممنوعة يا أستاذي؟"
أشار الى عبارة أحمد شوقي قائلا:
"ما هذه العبارة؟"
قلت: "أنها لأحمد شوقي كما ترى"
قال بهدوئه المعهود:
"أحمد شوقي يقصد شئ وأنت تقصد شئ والشرطة تعرف شئ آخر، هيا أمسح العبارة إن كنت تريد نشر المادة"
وكان أن مسحت العبارة (الخطيرة) جدا آنذاك والتي ربما كانت تؤدي الى عرقلة صدور ذلك العدد من "صدى الشباب". وهكذا كان شأن الرقابة في العهد الملكي.

ذكريات كركوكية (9)
الثانوية الأهلية وخفافيش الليل
تأقلمت مع جو كركوك بسرعة وأصبحت جزءا منها، بل توصلت الى القناعة، بأنني إنما ولدت من أجل أن أعيش فيها، ومما زاد من أنشدادي اليها، هو وجودي بين أصدقائي الحقيقيين ممن يهتمون بالأدب، وإطلاعي اليومي ليس على الصفحات الثقافية في الصحافة العراقية المتواضعة آنذاك فحسب، بل على المجلات الآدبية العربية مثل الأديب والآداب وغيرهما، حيث كلها كانت متوفرة في المكتبة العامة. وتعرفت عن طريق جماعتنا التي كانت تلتقي يوميا تقريبا، على عدد كبير ممن كانوا يهتمون بالأدب والفن والتمثيل والموسيقى مثل فائق مصطفى، أنور قادر، نورالدين الصالحي، قادر مردان، جلال زنكابادي، طارق الذي تركنا الى الكلية العسكرية وبكر الذي ذهب الى المانيا لدراسة التمثيل والأخراج وصلاح فائق ومحمد عبدالرحمن وقادر محمود وغيرهم.
وفي الثانوية الأهلية المسائية التي كانت تبدأ عادة بعد الرابعة أو الخامسة مساء، هذا العالم الرهيب الذي يجمع بين جيلين مختلفين، تعرفت على مال الله إبراهيم والمرحوم صلاح الهرمزي، كان الأول متأثرا بالشاعر فضولي ويكتب الشعر الصوفي باللغة التركمانية وأما الثاني فكان يكتب النثر المركز الذي كان قد أصبح موضة جارية آنذاك، ويعطيني نتاجاته الغزيرة كي أبدي رأيي حولها او أصححها، وذات يوم أصطحبني معه الى جريدة "آفاق" الكركوكية وعرفني بصاحبها المرحوم شاكر الهرمزي وبذلك وجدنا منبرا آخر لنشر نتاجنا المتواضع. وكان المرحوم الأستاذ مصطفى عادل يدرسنا اللغة العربية ويشجعنا على القراءة والكتابة. وكان أن أصدرنا، بأقتراح من قحطان الهرمزي ويوسف الحيدري، نشرة حائطية مدرسية بأسم "الهدف" لنشر نتاجاتنا الأدبية، وبالمقابل أصدرطلبة القسم النهاري بأشراف فاضل العزاوي نشرة حائطية مماثلة بأسم "السهم"، تصدت لنشرتنا ونعتتنا بخفافيش الليل وتصدينا لهم بدورنا وأعتبرناهم زعاطيط النهاروهكذا.
ونتيجة لمغامرة صبيانية، جرى توقيفي لعدة أيام في موقف مركز الشرطة. وهناك تعرفت بالشاعرالكردي المعروف أحمد دلزار، الذي كان في طريقه من سجن الى آخر. وترجمت له عدة قصائد نشرت في جريدة البلاد.
وأول محاولة نقدية قمت بها، هي تناولي بالعرض والنقد لرواية "صراخ في ليل طويل" لجبرا إبراهيم جبرا، كنت قاسيا معه ونشر النقد على الصفحة الأخيرة من جريدة "المجتمع" الأسبوعية وبمانشيت أخضر كبير.
ذات يوم قال لي المرحوم يوسف الحيدري مشجعا:
"أنت تأتي من الريف وتنشر لك الصحافة بلا تردد، وأما أنا فيجب أن أهبط في كل مرة في حقل بريد القراء، لماذا لا أرى أسمك في هذا الحقل؟"
قلت له:
"إذا كنت لا ترى أسمي في حقل بريد القراء، فلأنك لا تطلع على كل الجرائد، ولكن ثق إنني لا أكتب أحسن منك، ولكنك تعقد الأمور، عبر عن أفكارك كما هي ولا تبق ملتصقا بنوع واحد من الأدب"
وتحول من الشعر الى القصة ونجح فيها بجدارة.
كانت تلك الأيام، رغم ما كان فيها من بؤس وشقاء وكبت، أشبه بحلم أزرق هادئ، تتسم بالطموح والتحديات والآمال والارادة وأكتشاف الآفاق الملونة المجهولة والحب العذري والبراءة والتسامح. كنا أصدقاء بكل ما في الكلمة من معنى. كنا لا نعرف عن بعضنا ما إذا كان مسلما أم مسيحيا، عربيا، كرديا أم تركمانيا، شيعيا أم سنيا، كنا أصدقاء فحسب.
ذكريات كركوكية (10)
شئ عن الوضع الدراسي
رغم أرتياحي الشديد في كركوك للجو الثقافي الذي كان يشبع أحتياجاتي الروحية ويوفر لي كل ما أحتاجه من مناهل الفكر، ووجودي بين أصدقائي الحقيقيين، رحت أفكر بجد ووعي في مستقبلي، إذ إنني بعد أن أنتقلت الى الصف الثالث المتوسط، أقتنعت قناعة تامة بأنني لن أستطيع أجتياز الامتحان الوزاري للصف الثالث المتوسط في هذا الجو المتدني من الدراسة، ولذلك قررت العودة الى دراستي الأعتيادية في طوز. ولكن قبل أن أنتقل الى قصة إنتقالي الى هناك، ينبغي أن أعطي صورة صغيرة عن الوضع الدراسي والحياة اليومية في المدرسة الأهلية.
ذات يوم، كان علينا أن نؤدي الامتحان الشهري. وبدا أن بعض الطلبة، ولاسيما من الكبار لم يتهيأوا للأمتحان. وعرفت من همساتهم إنهم يتآمرون من أجل تأجيل الأمتحان فتفليش الحصة. عدل المدرس من وضع رباطه وياقته وتأكد من أن السدارة تغطي صلعته وقال كعادته بلغة عربية فصحى بعد أن تأكد من عدم وجود أي غياب، علما أن مجرد الحضور في الأمتحان كان يعني النجاح:
"إنه لشئ حسن جدا أن يكون الحضور بهذا الشكل المفرح، وإن دل على شئ، إنما على مدى إهتمامكم ورغبتكم الجادة في مواصلة الدراسة، فمن لا يسهر الليالي لا يمكنه أن يطلب المعالي. ولاشك أنكم قد هيئتم أنفسكم للأمتحان، هذا الأمتحان الذي سوف يقرر مصيركم في مادة اللغة العربية.."
حاول بعض الطلبة جر المدرس الى أحاديث جانبية بطرح بعض الاسئلة التي يرتاح في الأجابة عليها، ولكن يبدو أن قرار إجراء الأمتحان كان لابد من تنفيذه، فأكد على ضرورة إجراء الأمتحان وإستحالة تأجيله. عندما تأكد الطلبة الكبار بأنه مصر على قراره، بدأوا بتنفيذ خطتهم الجهنمية التي رسموها بسرعة. ويعرف الجميع بأن السؤال إذا جاء من آخر الصف، فإن ذلك يعني تفليش الدرس. وترتاح الأغلبية من العملية كي يعودوا الى بيوتهم بعد عناء النهار الشاق الطويل، ولاسيما لأن معظم الطلبة كانوا موظفين أو عمال شركة النفط. وأرتحت أنا الآخر. وجاء السؤال من آخر الصف:
"أستاذ من فضلك، سؤال واحد فقط ثم نبدأ بالامتحان"
وتنفس الجميع الصعداء. قال المدرس بأنفعال:
"لا سؤال ولا هم يحزنون، الذي يطرح الأسئلة هذا اليوم هو أنا"
قال أحدهم:"أستاذ، كنت دائما المتسامح الكبير، فكن متسامحا معه"
قال آخر:"لنر ماهو هذا السؤال"
رضخ المدرس للأمر الواقع، فسمح له بطرح سؤاله. وقف الطالب في مكانه وراح يبحث في جيوبه بطريقة تمثيلية تدعو الى الضحك، ومرت هنيهة دون أن يعثر على الشئ المزعوم. قال جاره؛ هل بحثت في جيب بنطلونك؟ أجاب أن الورقة كانت قبل قليل بيده ولاشك أنها قد وقعت على الأرض. وأنحنى باحثا عنها تحت الرحلات وهو يحبو على أربع، وقبل أن يبدأ الضحك والضجيج صاح بصوت عال:
"لقيتها، لقيتها".
ترك مكانه بحركة بهلوانية وهو يمد اليه بالورقة. أخذ المدرس الورقة وأقترب من المصباح المعلق في منتصف الصف وراح يدقق فيها. التفت الى الطالب وسأله بأستخفاف:
"أي حمار كتب هاتين الجملتين؟".
أجاب الطالب بلهجة المنتصر:
"مدرس التأريخ أستاذ".
وقبل أن يطول النقاش حول ما إذا كان مدرس التأريخ حمارا أم لا، أصر الطلبة على معرفة محتوى السؤال وضرورة كتابته على السبورة. التقط المدرس قطعة طباشير وأدار ظهره على الطلبة وراح يكتب:
"اللآلئ تتلألأ والمتبوئون يتبوؤن على الأكمة الموبؤة". علق أحدهم قائلا:
"كلمة يتبوؤن غلط، الصحيح يتبولون".
وهنا أنطفأ الضؤ وتحول الصف الى ظلام دامس. أطلق أحدهم صوتا قويا أنتزع قهقهة الجميع، أستفسر أحدهم ما إذا كانت هذه عفطة أم ضرطة؟. أجاب أحدهم:"إنها قنبلة غاز المستنقعات". وفجأة صعدت رائحة نفاذة تزكم الأنوف وعلت الأحتجاجات والشتائم.
ومر وقت غير قصير قبل أن يشتعل الضوء. إذ ذاك هرع الجميع نحو الباب للتخلص من الرائحة الكريهة. ولم يبق في الصف سوى خمسة طلاب وهم يجيلون نظراتهم بين المدرس ونقرات البول التي تنتصفها كومة غائط. قال المدرس بغضب:
"إنهم لو لم ينحدروا فعلا من الغائط، لما حولوا الصف الى أصطبل".
وتركنا الصف بكل حذر لكي لا تتسخ أحذيتنا وأطراف بناطيلنا.
وهكذا نجحت الخطة الخبيثة وتم تأجيل الأمتحان. وعرفت أنني في مثل هذا الجو لا يمكنني إحتياز السنة الدراسية في مثل هذه المدرسة.

ذكريات كركوكية (11)
العودة الى طــوز
لو لم أتأكد من ضعف المستوى الدراسي في المدرسة الأهلية، لما حاولت الرجوع الى قصبتي. ولكنني قبل أن أقدم أوراقي الى مدير المدرسة، رأيت من المستحسن أن ألتجئ الى واسطة تسهل عملية قبولي، إذ إنني كنت غير متأكدا من ذلك، فذهبت الى حسين علي الداقوقي، الذي نال شهادة الدكتوراه فيما بعد وأصبح زميلا لي في جامعة الموصل، وكان إذ ذاك مفتشا للمعارف وكانت تربطني به صلة قرابة من جهة الأم. أستحسن الداقوقي فكرة زيارتي له، ويبدو أنه كان يعرف بالموضوع، إذ أنه أكد لي بأن المدير عنيد. وحين أتصل به تلفونيا، أخبره هذا بأن القرار ليس بيده، بل بيد الهيئة التدريسية، وسألني الداقوقي عن علاقتي بالمدرسين، ذلك لأن مدير المدرسة يريد عرض المسالة للتصويت، قلت فورا:
"هذا جيد، ليكن القرار بيد الهيئة التدريسية".
عند إنتهاء المكالمة بينهما، طلب مني أن آخذ الأوراق المطلوبة وأسافر، على أن أتواجد في المدرسة قبل الساعة الثامنة صباحا. وأكد لي ضرورة العودة اليه، ونصحني بعدم القيام بأي حماقة، في حالة حصول عراقيل في الموضوع. سافرت فورا بأول سيارة نقل. وفي نفس اليوم أتصلت بكافة المدرسين، فأعلموني بأنهم لا مانع لديهم من عودتي الى مدرستي، الا أن مدرسا واحدا قال أنه سيبقى حياديا لا يصوت، لا الى جانبي ولا ضدي، فشكرته لموقفه. وفي صباح اليوم الثاني ركبت دراجتي الهوائية متوجها الى مدرستي وأنا يملؤني فرح غريب.
أراد الفراش أن يمنعني من دخول المدرسة وهو يقول:
"ماذا تبحث هنا ايها المشاغب؟"
أخبرته بأن لي موعدا مع المدير وأنه وافق على عودتي الى مدرستي وأن ما فعلناه في العام الماضي هو عمل صبياني قمنا به كصبيان صغار لا يتحملون مسؤولية عملهم. ضحك بأستهزاء قائلا بطريقته المعهودة، وهو يفسح لي المجال للدخول:
"أمشي، أمشي، أنت صبي؟ أنت زبك أكبر من صبي....."
وقبل أن أذهب الى غرفة المدير، رأيته قادما من الممر وبيده عصا. حدق في وجهي بشكل غريب، لم أستطع فهمه، ولكنني تشاءمت. أردت أن أحدثه في الموضوع، بيد أنه بادر قائلا:
"ماذا تريد؟".
أردت أن أذكره بالمكالمة التلفونية، ولكنني تفاديت ذلك قائلا بأنني أريد العودة الى مدرستي، وهذا من حقي. قال بشكل لم أتوقعه:
"هيا أنصرف، لا أريد أن أرى وجهك، لا مكان لك في مدرستي".
وأقحم الفراش نفسه معلقا:
"يا للوقاحة، قبل قليل ضحك علي وقال أن المدير وافق على عودته الى مدرستنا".
لم أتمكن من أستيعاب موقف المدير. أحسست في تلك اللحظة بإهانة لم أعهد بها من قبل وبأن الدم يتجمد في عروقي. ولولا نصيحة الداقوقي لقمت بحماقة ما. قلت للمدير بهدوء وبتحد غريب لا يعرفه الا مراهق طائش سدت سبل الحياة في وحهه:
"أستاذ، سأتكلم معك بهذا الخصوص في وقت آخر وفي مكان آخر".
لاشك أن المدير كان سيقبلني في كل الاحوال، وعلمت أنه كان قد تكلم مع أعضاء الهيئة التدريسية بهذا الخصوص، بيد أنه كان يريد أن يعطيني الأحساس، بأن العودة الى مدرسته ليست عملية بديهية، وبأن ما قمت به من تحريض على الأضراب العام لم تكن مسألة هينة أيضا. المهم إنني عدت الى مدرستي، ولكن بعد عناء. وفي الحقيقة كان هذا مكسبا، مازلت أعتبره علامة حاسمة على طريق مستقبلي.
لم يطالبني المدير بأي تعهد خطي، وأما أنا فأكدت له بأنني سوف لا أخلق في المدرسة أي مشكلة مهما كانت. وأما الفراش فلاحقني هذه المرة ببشاشة غريبة وقد أنطبعت على لحيته البيضاء الخفيفة إبتسامة ودية عريضة. عرفت أنه يريد أن يقول شيئا، فتوقفت كي أكلمه، بيد أنني قبل أن أفتح فمي قال لي بصوت ممطوط:
"روح، روح الى بيت اللحم روح، فقد أنتصرت".
ولكن هذا الأنتصار كان يعود في الحقيقة الى مدير مدرستنا المتشدد آنذاك المرحوم محمد عبدالله الذي لم يحالفني الحظ في الألتقاء به قبل وفاته. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

ذكريات كركوكية (12)
إنهاء الدراسة والعودة الى كركوك
كان ينبغي علي أن أبذل جهدا مضاعفا لأنجاز الامتحان الوزاري والألتحاق بمعهد مهني يضمن لي مستقبلي ويفسح لي المجال لمساعدة أهلي، إذ أن وضعنا المادي لم يكن من النوع الذي يحسد عليه. ورغم زياراتي المنتظمة الى كركوك وصلاتي بأصدقائي وإطلاعي المستمر بالأدب، فقد التجأت الى طريقة جديدة من الصداقة مبنية على مصلحة مشتركة ومتبادلة لا علاقة لها بالأدب. وجاء الأقتراح من زميل قروي هادئ ورزين كان يجلس على رحلة ملاصقة لرحلتي، كنت في الأمتحانات اليومية والشهرية لدرس الرياضيات التي كنت ضعيفا فيها، أخطف النظرات الى ورقته، في حين كان يعاين هو النظر في ورقتي الأمتحانية في درسي التأريخ والجغرافية. ذات يوم قال لي إن هذه الطريقة من الغش المتبادل لا ينقلنا الى شاطئ الأمان وماذا سنفعل في الأمتحان النهائي؟. قلت وماذا تريدنا أن نفعل؟ قال بثقة:
"سأدرسك الرياضيات والجبر وأنت تدرسني التأريخ والجغرافية".
قلت له فورا أنها فكرة حسنة جدا. وبدأنا فعلا بالدراسة المنتظمة وكنا نلتقي عادة في بيتنا ونتناول ما توفر من العشاء البسيط الذي كان يفرح به بصورة غريبة. ذات يوم أقترح على أن نذاكر في بيته، ولما كنت أظن أنه يسكن في غرفة واحدة مع زملائه القادمين من الريف، لذا قلت له: أخشى أن نزعج زملاءك الساكنين معك. أبتسم كعادته وقال بخجل، أنا أسكن لوحدي، ولكن غرفتي متواضعة جدا، لا يمكن مقارنتها مع بيتكم.
كنت قبل أن أزوره سبق لي أن رأيت الفقر، وكنا نعيشه فعلا، ولكنني كنت لا أعرف أن للفقر درجات. إنه أشبه بالجحيم الذي له منازله ودركه الأسفل. كان صاحبي يسكن في الدرك الأسفل من الفقر. وربما كان لا يحس به، لأنه سبق أن ولد فيه. غرفة؟. هو هكذا يسميها، ولكنها في الحقيقة مأوى بسقف أسود واطئ وأربعة جدران منحنية تكاد تطبق على بعضها، لا تجد فيها سوى كوة واحدة تبعث حزمة من النور الى داخل المكان المعتم. الارض مفروشة بخرق، يسميها هو فراشا أو غطاء مزودا بالثقوب. ومما جلب أنتباهي هو كومة البعرورالتي تحجز نصف الكوخ وتنطح السقف. شعر صاحبي بالسؤال الذي يدور في رأسي، فقال بأبتسامة وادعة:
"هذا وقود النار التي هي فاكهة الشتاء والتي تقيني زمهرير البرد".
ثم أشار الى صاج أسود موضوع على ثلاثة أحجار في ركن قريب من الباب قائلا:
"هنا في هذا الركن أصنع خبزي الذي آكله طريا في كل يوم. هل سبق لك أن أكلت خبز الشعير؟"
قلت بحماس:
"طبعا، إنه لذيذ، آكله حين أزور بيت أعمامي في الريف، ليتني حصلت الآن على لقمة منها".
كنا في ذلك اليوم قد حصلنا على درجات الأمتحان الشهري. وكنا قد نجحنا فيها بالأعتماد على سواعدنا وليس على الغش، إذ أن طريقتنا في التدريس المتبادل قد أعطت ثمارها.
ووجد صاحبي أن الفرصة مواتية للاحتفال بهذه المناسبة. وفي فترة قصيرة لم تتجاوز نصف الساعة بدأت رائحة الخبز الطري تنتشر في جو الكوخ. ورحنا نلتهم الأقراص الرقيقة بنهم غريب ونشرب الشاي. أقولها بكل صراحة أنني لم آكل في حياتي خبزا بهذا الطعم اللذيذ، ولم أشرب شايا بهذا المذاق الطيب. وأرجع صاحبي كل ذلك الى فضل نار البعرور، التي لا يضاهيها نار أخرى. إذ ذاك عرفت لماذا ينطح بيدر البعرور سقف الغرفة وكيف يمكن للفقر أن يداري نفسه بنفسه.
ورغم إنكبابي الجدي على الدراسة، كنت أجد الوقت الكافي للأدب، حيث واضبنا موسى العبيدي وأنا على أصدار مجلتنا السرية "صدى الواعي". وكان عبداللطيف بندر أوغلو قد أنتقل إذ ذاك الى مركز التدريب المهني في شركة النفط. وحين أنهينا المرحلة المتوسطة بنجاح، أنشغلنا بالدراسة وتوقفت نشرتنا عن الصدور. وأنتقلت مرة أخرى الى كركوك، حيث تم قبولي في دار المعلمين الأبتدائية وفي القسم الداخلي.

ذكريات كركوكية (13)
مجلة الشفق
بعد عودتي الى كركوك هذه المرة، أحسست بتطور ملحوظ في مستوى جماعتنا، سواء في مجال الأطلاع والمتابعة أم في مجال النشر ومراسلة مسؤولي ومحرري الصفحات الثقافية والادبية في الصحافة العراقية أو الحصول على مصادر جديدة في الرواية والشعر عن طريق مكتبة المثنى لصاحبها المرحوم أوجين شمعون، فبخلاف نشاطه الأول أحسست بأن قحطان الهرمزي قد أصبح مقلا في النشر، في حين برزت أسماء مؤيد الراوي، أنور الغساني (أنور محمود سامي) سابقا، يوسف الحيدري، فاضل العزاوي، جليل القيسي، الأب يوسف سعيد، علي شكر البياتي، وكان مقلا دوما في النشر و زهدي الداوودي. وتوسعت حلقتنا، حيث بدأت تضم أسماء جديدة أتذكر منها محي الدين زه نكنه، جلال زنكابادي، صلاح فائق، سركون بولص، جان دمو وغيرهم، وهنا أقدم إعتذاري لمن نسيت أسماءهم. وسأكون شاكرا لهم إذا راسلوني عن طريق الجريدة وصححوا معلوماتي.
وفي هذه الفترة (1957- 1958) تعارفنا بالمرحوم المحامي والقاص عبدالصمد خانقاه الذي كان ينشر بأسم "القصصي الصغير". كنا نلتقي به في مكتبه، وما أن رآنا وتعرف على إمكاناتنا وحماسنا، الا وقال إننا يجب أن نصدر مجلة أونؤسس دارا للنشر. كان مشروعه بالنسبة لنا حلما، ولكن إحتكاكنا المباشر بالواقع وتجربتنا المتواضعة مع الوضع السياسي المقيت، جعلنا أن نكون متشائمين تجاه تحقق مثل هذا الحلم، ولاسيما لأنه هو الآخر لم يكن من الأسماء المحببة للنظام القائم، إذ أنه كان عنصرا يساريا وعضوا فعالا في لجنة العدالة التي كانت تتولى الدفاع عن المتهمين السياسيين. ولما أبدينا رأينا بخصوص إستحالة الحصول على ترخيص لأصدار مجلة، قال بتفاؤل كبير بأن هناك محاولات جادة بهذا الصدد. ويبدو أن الحكومة في الفترة ماقبل ثورة 14 تموز 1958 كانت تريد أن تنفس عن الكبت المسلط على الجو الثقافي. ولما كان هو واثقا من صدور المجلة، لذا كنا نلتقي عنده بصورة منتظمة وكان يحضر معنا أيضا شقيقه التوأم عبدالعزيز خانقاه، نبحث أمور المجلة المنتظرة والمواد المطلوبة من كل فرد منا. وكنا مؤيد الراوي وفاضل العزاوي وأنا من أشد المتحمسين للعمل في المجلة، فبالاظافة الى تعهدنا بتقديم أكثر من مادة لكل عدد، أبدى مؤيد أستعداده لتصميم المجلة وأنا أبديت أستعدادي لتصحيح الملازم في المطبعة. ذات يوم أخبرنا بأن الأجازة في طريقها للتحقق وعلينا أن نذهب للقاء صاحب الأمتياز العقيد المتقاعد عبد القادر البرزنجي. وذهبنا الى بناية أخرى أصبحت فيما بعد إدارة المجلة، وهناك جرت عملية التعارف، حيث قدمنا عبد الصمد خانقاه مفتخرا وقائلا هؤلاء هم جماعتي وهناك شربنا الشاي وتناولنا وجبة كباب، وكانت هذه أول ثمرة من عملنا الأدبي. وفي غرفة أخرى كانت الأستعدادات جارية لأصدار القسم الكردي من المجلة وذلك من قبل المرحوم معروف البرزنجي، المرحوم حسين البرزنجي، معروف خزنه دار ومحمد الملا كريم وغيرهم.
وصدر العدد الأول من مجلة "الشفق" باللغتين العربية والكردية، شهرية ثقافية عامة. وكانت فرحتنا لا توصف، ومما زاد من عزمنا وفرحتنا وصول الرسائل التشجيعية والمواد من جميع أنحاء العراق. لم تساهم جماعتنا كلها في تحرير المجلة. أقتصرت المساهمة على جزء صغير من جماعتنا فقط. وأعتقد أن الباعث على ذلك كان هو الخوف من مداهمة أجهزة الأمن، إذ أن الطابع اليساري للمجلة والعاملين فيها كان لا يمكن إخفاؤه. ثم أن تجربة القاء القبض على بعض أصدقائنا كانت لا تزال طرية في الأذهان.
أستمرت المجلة في الصدور الى فترة ما بعد 14 تموز 1958، ولكننا أحسسنا أنها بمستواها تلك لا تستطيع أن تصمد أمام المد الثقافي الهائل الذي جاءت به الثورة، ولا سيما أننا كنا كلنا، بما فيه المرحوم عبد الصمد هواة غير متفرغين نصرف أحيانا من جيوبنا على متطلبات المجلة. وبالاظافة الى كل ذلك فتحت أمامنا مجالات أخرى للنشر في بغداد، كانت مغرية أكثر. وكان المرحوم عبد الصمد يحس بذلك بمرارة.
في زيارة لي الى بغداد طلب مني عبدالصمد الأتصال بعبدالملك نوري وإجراء مقابلة أدبية معه وتكليفه بالكتابة للشفق. التقيت المرحوم عبدالملك في مقهى البرازيلية، فعرفني بدوره على المرحوم الشاعر عبدالوهاب البياتي الذي كان عائدا لتوه من موسكو. أجاب عبدالملك نوري على الأسئلة فورا، وعندما أراد عبدالوهاب البياتي أرسال أجوبته بالبريد، قال له عبدالملك نوري:
"لا تؤجل عمل اليوم الى غد"
وكان أن أجاب على الأسئلة أيضا. ثم حدثني عن ذكريات طفولته في طوز، وكيف أن عمه أو جده، لا أتذكر بالضبط، كان يحمله على ظهره صاعدا به الى ذروة جبل الأمام علي، وحين قلت لعبدالملك نوري بأن عبدالصمد خانقاه يرجوه أن يرسل قصة لنشرها في "الشفق" قال:
"قل له أن ثمن القصة الواحدة خمسة دنانير".
عندما نقلت هذا الكلام، الذي أندهشت له بدوري، الى عبدالصمد خانقاه، علق بسخرية قائلا:
"هذا بطران، المجلة كلها ما تجيب دينارين".
وبعد فترة وجيزة توقفت المجلة فعلا عن الصدور، ذلك أنها لم تتمكن من مواكبة العهد الجديد بسب الضيق المالي وتكاليف المطبعة وسوء التوزيع وتفرق العاملين المتطوعين فيها لمهمات أخرى أقتضاها الوضع الجديد.

ذكريات كركوكية (14)
الثورة
قفزت من فراشي كالمجنون، عندما أيقظتني المرحومة والدتي في الصباح الباكر وهي تنبهني الى موسيقى وبيانات غريبة لا تفهمها. كانت تعرف أنني من الحالمين بالثورة، ولذلك كانت هي الأخرى تحلم معي. إنه يوم 14 تموز 1958. كنت أريد أن أواصل نومي، بيد أن النداءات الصادرة من المذياع كانت أقوى. ورحت أركض في فناء البيت كالمخبول وأنا أصيح:
"ثورة، ثورة.."
ثم خرجت الى الزقاق فالشارع، يداخلني الشعور كما لو أن الدنيا قد أنقلبت أو أن الأشياء قد تغيرت وأتخذت أشكالا أخرى. لم أجد أحدا. الشارع الخاوي الذي تحيط به أشجار الكالبتوس من الجانبين هو نفسه ولم يتغير أي شئ. عدت الى البيت كي أتناول فطوري بسرعة. النداءات كانت تحث الناس للخروج الى الشوارع والتضامن مع الثورة. أرتديت ملابسي وخرجت مرة أخرى بهدف التوجه الى السوق. أمام الجامع وفوق القنطرة المقابلة له قابلت الشيوعي المعروف في القصبة والمختفي دوما خورشيد عزيز وهو يركض مع مجموعة صغيرة من الشبان، لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين، بأتجاه السوق، يهتفون بصوت عال أشبه بالصياح بشعارات غير مفهومة. لا أدري لماذا وقفت، ربما كي أكلم خورشيد عزيز بخصوص عمل شئ، حين جرني من يدي بقوة قائلا:
"هيا التحق بنا، يجب أن نحشد الجماهير"
لم ألب نداءه، بل سحبت أنا الآخر يده، طالبا منه أن يقف كي نتحدث بالموضوع. سألته عن سبب ركضهم بهذا الشكل والى أين يقصدون. وقف في مكانه كما لو أنه يريد أن يستدرك شيئا. وقبل أن نبدأ بالحديث، بدأت المجموعة تصيح بالتركمانية:
"تاوغم يات جقال كالدي، تاوغم يات جقال كالدي، (نامي يا دجاجتي جاك الواوي، نامي يا دجاجتي جاك الواوي).
التفت خورشيد عزيز عليهم بغضب وصاح بصورة لا إرادية بالتركمانية:
"ولكم يا أولاد القحبة، ما هذا الهتاف؟"
سكتت المجموعة، بيد أن أحدهم قال بلطف:
"بماذا نهتف إذن؟ هتافاتنا أنتهت"
أراد خورشيد أن يبرر الركض بكون المتظاهرين في إنتفاضة عام 1948 كانوا يركضون بسرعة خارقة ويهتفون"أرادوها حربا فلتكن". قلت له أنني سمعت من بعض الكبار الذين ساهموا في تلك الأنتفاضة بأنهم كانوا يهتفون:"هذا اليوم جنه نريده أو نوري السعيد قندره و صالح جبر قيطانه".
رجعنا الى منطقة المقاهي الواقعة على الشارع العام الذي يربط كركوك ببغداد دون أن نركض. كانت مجاميع أخرى قد تجمعت في منطقة المقاهي أمام محل المصور على قلندر. وكان ثمة مصور يلتقط الصور. قال صاحب دكان وقف يتفرج على المتظاهرين:
"طين على رؤوسكم، أنتم كلكم جاء أجلكم. سوف يشنقونكم كلكم في هذا المكان. لا توجد قوة تتغلب على الثعلب الماكر نوري باشا"
بدأ التجمع يتوسع أكثر فأكثر وتوقع المجتمعون حدوث فعالية معينة توضح الأمور. جلب أحدم منضدة وكرسي من القهوة المجاورة. وبدأت مجموعة صغيرة بمداهمة المقاهي وتمزيق صور الملك والوصي. رفع خورشيد عزيز الكرسي ووضعه فوق المنضدة ثم التفت الي مبتسما:
"هيا أصعد والق خطابا بالمناسبة"
قلت دون أن أفآجأ بالاقتراح الذي أرتحت له في داخلي:
"ولكن لماذا أنا بالذات؟ الا يوجد غيري؟"
وقبل أن يجيب خورشيد رفعتني الأايدي كما لو أنها تحمل قشة، ووضعتني فوق الكرسي الموضوع على المنضدة. لم أحس بأي وجل أو إرتباك، ولعل كثرة الناس حولي وبدئهم بالتصفيق العالي هما اللذان أعطياني زخما من الشجاعة. وقبل أن أبدأ بالكلام، مد أحد أفراد المجموعة الصغيرة يده الممسكة بميكروفون الي قائلا:
"هذا ميكروفون الأمام عباس جلبته لك من الحسينية، تكلم وليكن الحسين في عونك"
نفخت في الميكروفون كي أتأكد من سلامته، فسمعت صدى نفخي عاليا. ولما كنا نسمع يوميا خطابات عبد الناصر ونقلدها، لذلك بدأت بتقليده ببطء. قلت بصوت مسرحي ممطوط:
"أيها المواطنووون..".أرتحت لصدى صوتي الصادر من السماعة الذي أعقبه تصفيق حاد. خلال فترة التصفيق نسقت في ذهني بعض الجمل، ولكنني قررت أن لا أستعجل في قولها، ريثما أتمكن من تحضير جمل أخرى:
"ايها المواطنون الأحرار،
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القــــدر
ولابـد لليل أن ينجلــــــــي ولابد للقيـــد أن ينكسـر
ثم توالت الكلمات والأفكاروتوالى الخطباء.. ونجحت التظاهرة.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World