الحقيقة الخادعة

سامي عبد العال
abdelaalsami@gmail.com

2016 / 11 / 11

هناك من ظن بأنَّ فوز ترامب برئاسة أمريكا هو الطريق اللامتوقع للسياسة الأمريكية. وآخرون اعتبروه اثباتاً لمسار الديمقراطية المتفرد في تاريخ البشرية. وتصايح سواهم نكاية وتشفياً في هزيمة هيلاري كلينتون. وبخاصة مع انحيازها لجماعات الاسلام السياسي. بينما نظر البعض فقط إلى نتائج السياسات الخاطئة للنظام الأمريكي الحالي. وأنه لو استطاعت هيلاري مواصلة إدارته للأحداث الدولية لكانت وبالاً على العالم. وبخاصة أدوار هذا النظام الفوضوية بمنطقة الشرق الأوسط ورعايته صراحة لتقويض بعض الدول.
مع كل ذلك لم يناقش أحد: لماذا نجح ترامب عندما حمل وجهاً مغامراً؟ هل يُصنَّع الرئيس الأمريكي رغم خطف التوقعات لجهة بعينها كما جرى مع هيلاري؟
أزعم هنا أنَّ تكوين الثقافة الأمريكية له الغلبة بصرف النظر عن المشهد الحالي. فالمغامرة الخادعة لها الأولوية على عناصر السلطة أو الاعلام. صحيح أن الأخير(الاعلام) له دور أساسي في صياغة الوعي. لكنه فشل فشلاً ذريعاً في تحريك نتائج الانتخابات لمصلحة هيلاري كلينتون. فأمريكا برمتها دولة استثنائية. لا تقوم على قوانين التاريخ ولا تعترف بها. ذلك حينما أوضح كسينجر أنه على الأمريكيين ليس تفسير التاريخ إنما صناعته قصداً.
وبالتالي كانت أمريكا مجتمعاً صاحب "إرادة ماركسية" في الأساس. فماركس رأى أن الفلاسفة السابقين قدموا تفسيرات لهذا المسمى بالعالم بينما الأهم تغييره. لكن الماركسية سقطت في اختبار التغيير بمنطق التفسير لقوانين التطور. أي كلما حاولت إحداث تحول ما كان تحولاً عن طريق الوضع القديم لا الآتي. وذلك بواسطة حركة الاقتصاد والصراع الطبقي وعلاقات البنية التحتية بالبنية الفوقية للمجتمعات بلوغاً إلى مرحلة الشيوعية. وبالتالي فالمشكلات كانت ستكرر نفسها في صور جديدة. ربما هذا ما جعل الماركسية تدور في مواقع تاريخية انتظاراً لطفرة المجتمع نحو تغيير نفسه. وهذا أمر أشبه بالمستحيل... فإن لم يكن في الزمن شيء خارج التوقُّع لن يكون ثمة تغير قريب!!
بينما أمريكا دولة تعتمد على حركة المستقبل بلا قوانين. إنها قارة الرغبة المتأججة في العصف بالثوابت. بصرف النظر عن كونها متسقة مع التاريخ أم لا. وهنا فإن السياسة هي فن الخداع الممكن. إمكانية التوليف الخاطف لرؤى حية وإن كانت مجنونة. المهم أن تحقق البرجماتية ما هو منشود من مصالح ومآرب. أمريكا ليست مساحة جيو سياسية فقط. لكنها نظرية في التلاعب بالمستقبل بشكل تأسيسي أيضاً. لأنها تكونت هكذا مع كل الاحتمالات الممكنة. هي – بتلك الزاوية- مجتمع يطفو على الاقتصاد السياسي للمغامرات. حيث لا تكون الألاعيب إلاَّ حقائق قابلة للتبرير في أي وقت من الأوقات. لا مستحيل هناك، كل شيء ممكن. أو كما يقول فيلسوف العلم صاحب فوضوية المعرفة بول فييرآبند: كل شيء يجوزeverything goes.
وفي هذا أثبت نجاج ترامب بالانتخابات الأمريكية شيئاً بسيطاً. أن الحقيقة هي الخداع الوحيد وصولاً إلى السلطة. ففي السياسة الأمريكية لا يوجد حد فاصل بين الحقيقة والزيف، إنها مرحلة تناقضات الرأسمال الرمزي للسلطة. حتى غدت نقية وملوثة، عملاقة وصغيرة، كوكبية وإقليمية، أسطورية وتافهة. هذا هو الرصيد الضخم داخل كل فعل سياسي أمريكي مقبول. لأن السياسة دون غيرها هي فن التمويه بالحقائق. في كلا الجانبين لا يوجد ثمة يقين مباشر. اليقين هو الشيء الوحيد المستثنى من غربال السياسيين. فمجرد أن يترشح أحدهم يعني أنه قادم مؤقت ينتظر موقعه الخادع حتى النهاية.
إن أمريكا امبراطورية الحقائق الخادعة على الأصالة. لأنها دولة تنهض في جميع مراحلها وعصورها على صناعة اليقين. والعكس إذ بإمكان الخدع السياسية أن تلبس كل أثواب الحقيقة دون أدنى شك. لم تكن هيلاري كلينتون بعيدة عن المشهد. فقد روجت طوال فترة الترشح إلى ماضي ترامب غير السياسي. وركضت ترسانة الاعلام وراء هذا الهدف. فالحقائق في مجتمع يقوم على اللاوعي الاعلامي يجعلها قابلة للتصديق. ترامب كان خشناً، أهوج كرئيسٍ جاء تواً من الأحراش بعد صراع مرير مع الهنود والأقليات غير البيضاء.
ترامب هو الصورة الراهنة لتحولات طويلة الأمد للنموذج الأمريكي. فهو الرغبوي بامتياز حتى وإن لم تصح تحرشاته الجنسية. فيكفي تحرشاته الاقتصادية التي جعلته أحد أصحاب الأعمال الاقتصادية المتوحشة. كما أنه يثبت للأمريكيين فوزهم بنمط الحياة التي عاشوها محاولين تصديقها سنوات بعد سنوات. ولهذا ليس الوضع أخلاقياً ولن يكون. إنه ضرب من البرهان الانتخابي المعروف سلفاً. وعندما حاول نظام باراك أوباما انتقاده بناء على معايير (أخلاقية) خارج السياق باءت محاولاته بالإخفاق. وأحدث ترامب المفاجأة التي لم تكن في جوهرها مفاجئة إلا لهؤلاء الذين تناسوا ذلك.
هل نتخيل الموقف: كيف لرئيس لم يمارس أعمالاً سياسية أن يتربع على عرش السياسة؟ إما أنه سيقود بلداً مجهولاً إلى مصير مجهول. وفي هذه الحالة هو يعرف المجتمع الأمريكي جيداً. يعرف غرائزه وكيف يملأ الأفاق بوعود تؤججها. بالمقابل يعرف كل أمريكي دونالد ترامب كذلك. لأنه كما أشرت يجسد بعضاً من أحلامه وتاريخاً لقارته المابعد حداثية الكبرى. وما بعد الحداثة post modernism حالة من الأوهام السياسية التي سعت أمريكا من قبل إلى ممارستها – كما يقول جان بودريار- في حرب الخليج الأولى والثانية. وظلت ترسم خرائطها بواسطة الإرهاب والاقتصاد والمعرفة والأسلحة الفتاكة. وكانت أداتها الرئيسة الحروب الافتراضية والأجهزة الإلكترونية وسيولة الوقائع والأحداث.
وذلك تطبيقاً لمقولات نيتشه الذي رأى أنه لا توجد حقائق إنما استعارات لغوية ليس أكثر. وأن العالم الذي نعيشه مجرد أقاليم من زجاج يحتاج في كل عصر ثوراً هائجاً يحطم مراياه المنعكسة. لينتهي إلى شذرات لا نهائية من المعاني والأزمنة. فالوحدة الموضوعية مصيرها إلى التدمير والانهيار.
وإما أن ترامب رجل تحتاجه المرحلة. أي أن المستقبل المفترض يتطلب رئيساً بمواصفاته. وبالتالي سيجري من خلاله تدشين واقع مخطط له. وسيكون الرئيس المنتخب بمثابة الحقيقة الخادعة الجديدة التي سيتم داخلها صناعة الصورة. كما كان جورج بوش الإبن رجل مرحلته السابقة. حيث كان مطلوباً هذا البوش بمواصفاته اللاهوتية السياسية. كي يأخذ ما أخذ من قرارات لملاحقة الإرهابيين وتقسيم الكون إلى محوري الخير والشر. وشن حملات صليبية في أنحاء العالم. وتحويله إلى ساحات دينية يتناطح خلالها الأصوليون. وتغدو الدول المستهدفة أشباحاً وراء أشباح تظهر مرة وتختفي مرة.
يا ترى أي ترامب هو الرئيس المنتخب من بين هذين؟ ولا سيما أنه اعلن سلفاً محاربة الاسلاميين وبناء أسوار حول أمريكا من جهة المكسيك. وأنه يغذي الجذور الخيالية للرجل الأمريكي الأبيض. كيف سيحطم المراياً النرجسية وسط عالم تأكله الصراعات؟



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World