: قراءة في نص مسرحية ( السيدة العانس ) للكاتب المسرحي راهيم حساوي ______________________________________

ريبر هبون
reber.hebun@gmail.com

2016 / 5 / 15

دراسة نقدية / بقلم ريبر هبون/ جريدة مسرحنا المصرية 7_1_2013

بعنوان
:
قراءة في نص مسرحية ( السيدة العانس ) للكاتب المسرحي راهيم حساوي
______________________________________

لقد اكتمل الفصل الأخير من فصول الولادة بصورة أرادها الكاتب في فلك هذا الكون المنفصل عن دوائره
فقد اختار الكاتب شخصياته بحذق بدءاً منذ بداية نصَّ مسرحيته التي توحي لنا بفوضى لا متناهية ، تلك الفوضى المنسقة المتسقة بدوائر من تساؤلات وإشكالات تلخص جوهر القضية التي تختص بعملية التفاعل..
فالتفاعلية تحتوي الإبهار، التشويق ، اللعبة المتقنة التي تسبق اللحظة الراهنة ولأن المغزى من صياغة العمل المسرحي يكون في طفراته العليا والشخصيات وتلك اللعبة المكشوفة والغامضة وفقاً لحقيقة هذا الواقع الذي يتخلله الوهم الحقيقي فقد اكتملت رؤية العالم في نظر الكاتب من خلال السيدة العانس وشريكتها الأرملة العوراء والشخصيتين اللتين تقفان متقابلتين أمامهما، ابن القبو، وابن القمل .
وقد لعب هذين الأخيرين لعباً رهيبا لا مثيل له على الخشبة وكأن المسرح ملك موروث لهما فهما سرعان ما يمتلكان دفة السفينة المسرحية حتى تكتمل كل العناوين من خلال شخصيتيهما أما صاحب متجر الأحذية فيجسد ظلامية العصور التي أخذت تطيل عمر البؤس وتكثر في طلب العبيد و الارقاء ، فنرى حالة الغضب والتسلط في شخصية صاحب المتجر الذي يلهث ويتدفق لعاب فضوله في معرفة سر الأرملة العوراء ، والتي تمثل عينها العوراء ظلام القبو الذي يسكنه ذلك اللقيط ابن القبو فقد عكس العور في عين تلك الأرملة حالة تشويقية بمعنى أن قدرة الكاتب و حنكته على إحداث تقابلات بين الشخصية والمكان جعلا المسرح يضج بإشكاليات وقضايا قد تخدم ليس الحالة البنائية للمسرح فحسب بل العنصر الإنساني الدرامي أكثر فأكثر، بمعنى آخر فالصورة التجسيدية لدى الكاتب موظفة على نحو تقريري مكثف أعطى الشخصيات حيزها الرحب الذي أدخلها في سياق تفصيلي فلسفي يكثف بعمق أبعاد التجربة الإنسانية واتجاهات عمقها نحو المأساة والكوميدية السوداء حتى أن المسرحية بكافة عناصرها موظفة في سياق إنساني موحد مثل القبو الذي يمثل بدلالته الرمزية الحالة السفلى لدى البشر الذين عاشوا في قيعان الحياة ووراءها فقد سخر لهم القدر هذا السواد والفتات حيث لا سبيل لهم إلا أن يعيشوا تحت الأرض ليتلمسوا أبعاد الجمال والسمو والزرقة في ظلام القبو الأسود ، مواءُ القطة باتت تشكل معلَماً من معالم الخلاص لابن القبو فهو لن يستطيع أن يرى النور ما لم تموء القطة وهنا دعونا نعترف أن الخيار الإنساني للخلاص البشري عموما هو أن مسألة البناء ليست رهينة الحركة الإنسانية والرؤية الثورية بل يلعب الكون وفقاً لحالته الراهنة الواقعة كما هي لعبته فالخلاص هنا يكمن وفقَ حالته الراهنة الواقعة كما هي فالخلاص هنا يكمن في مراعاة الشرط الواقعي أي في البقاء على ما نحن عليه وهنا مواء القطة كان يمثل فتيل القنبلة بالنسبة لهذه المسرحية وإلا ما كان الكاتب ليقف في النهاية مشدوهاً إلا وأنه قد جعل من مواء القطة مفتاحاً إنسانياً. على العموم ففي المسرح يعاني السجان والمسجون ، الظالم والمظلوم ، القاتل والمقتول، المستغِل والمستغَل، وهذا حال البشرية منذ ما قبل الثورات وما قبل الولادة وما قبل كتابة التاريخ واكتشاف اللغات.. يكشف الكاتب راهيم حساوي .. أبعاد المأساة البشرية .. وفقاً لحركة الشخصية.. التي ترسم الامتداد نحو اللامتناهي.. فهو لا يعالج قضية ما.. تخصّ الشيء الأقرب وليست المأساة في نظره هو الفقر بل بما يعكس العالم الآخر الذي يمهد الكاتب إلى اكتشافه من وراء الشخصية.
سيد المتجر لا يهمه إلا مجيء تلك الأرملة العوراء التي تفكر بتربية جيل أتٍ ربما يستطيع أن يتغلب على حجارة البؤس ويدفع صخرة العوز هذا ما ينبئ عن مستقبل ما سيدفع من عقبات الحاضر وبؤسه
أما صاحب المتجر فهو الشخص الذي تلازمه نوبات الغضب حيث راح يتساءل بطريقة مريبة عن الفلفل الحاد و المسؤول عن زرعه في رأسه.السيدة العانس والمقابل لها ابن القمل كلاهما يمثل تناقضا من ناحية ، وتناغماً ينبع من الحاجة في نواحي عدة ، فالتفاوت الطبقي البيولوجي واضح بين امرأة تعتبر نفسها الأكثر تعاسة .. وبين رجل نتن يعج رأسه بالقمل.. والتناغم هو في عموم المأساة المشتركة التي تربط بين هاتين الشخصيتين المحوريتين غير القابلتين للحل في معادلة هذه الحياة فالشخصيات في النص تشهد تصالحا حينا وتنافرا حينا آخر
وما بين هاتين الحالتين خيط رفيع يعبر عن حدود هذه المأساة فهي جزء من صياغة كلية يعتمدها الكاتب في بث قيم هذا الزخم التنويري في رؤية الكاتب الجديدة للحياة وفقا لمدلولات المسرح من وجهة معرفية فلسفية قائمة على نقد الحياة فهو يلتمس حدود المسألة والمواءمة والسلام البشري أي ذلك السلم الذي يعكس المتناقضات ضمن حركة أكثر سلمية وهدوء، بمعنى أن ما يجمع كل هذا التضاد هو الجمال الذي يختبئ داخل القبح الهائل المتواجد في سيل من التساؤلات فالكره البشري الذي ينوه له الكاتب عدة مرات في شخصية صاحب المتجر، وفي مكر وحيل تلك الأرملة العوراء واستياء وتذمر وتعاسة السيدة العانس وكرهها لتلك الأرملة .. الكراهية البشرية هنا مشار إليها بصورة احتجاج عفوي وليس مجرد تسجيل لها..
فعلى ماذا يعثر الكاتب وما الذي أضاعه ، قد لا يكون السؤال على هذا النحو صحيحاً؟ إلا أن التصويب في هذه الحالة مرهون بمدى ما تقدمه الشخصيات من إحالات و تداعيات وإسقاطات فالجنون يمتد لمكامن الحقيقة ويتحرى عنها من أجل ترسيخ مفهوم التضاد في عالم الرجال والنساء وفقا لمنهجية تعتمد الرصد والتكثيف والتشويق والكآبة المنبثقة بمظاهر بزوغ الأمل في الخروج من متاهة الظلام المطبق، هنالك محاولات خروج يبديها ابن القمل و ابن القبو للابتعاد عن هذا الواقع من الاستبداد المكاني والزماني والإنساني برمته والكاتب جسّد ببراعة محاولات الخلاص والخروج وهنا تكمن العبرة دون معرفة أو إدراك النتيجة فلا عبرة بالنتائج حيث يستكمل ابنا القبو والقمل أغنية الأعداد بمعنى أن السنوات تمضي وتمضي بانتظار أن تموء القطة وهكذا
كل زاوية من زوايا هذا النص لا تفتعل البساطة بل تفكك الدهشة البصرية إلى حركية الصورة " كرسي خشبي بأربع أرجل ، إحدى هذه الأرجل مكسورة تسبب عدم اتزان الكرسي " عدم الاتزان هو بمثابة جوهر اللعبة التي بدأت تتضخم دون أن تنكمش ضمن الحركة، والحيز المكاني البساطة ضمن هذا التصوير يمثل التكامل في عملية خلق مفاهيم الجودة والصياغة المتينة التي تتجلى في النص المسرحي المتكامل أيضاً ، فالكاتب يعتمد منطق السخرية والتهكم في معالجة الوصف الجسدي في شخصياته عموماً مثل تناوله لوصف شخصية سيد المتجر.. رصد الحالة النفسية والجسدية تمثل مفاتيح هامة في عملية التحاور فمستوى النص جدير بأن يحمل طاقات شعورية على قدر هائل من المسؤولية التي توغل في متاهة العبارات، تذمر صاحب المتجر له أيضاً عدة تفاسير حين يبدأ في عرض العالم وفقاً لحالته الانفعالية العميقة الدلالة " أكاد أقسم أن هذا العالم قد أوشك على النهاية ، سيول ، فيضانات ، رعود بروق ، كل شيء يشير إلى ذلك" وهذه حالة الكاتب بالضرورة فهو شديد التنويه للأشياء التي ستحدث " ربما أشار إلى عنصر التنبؤ الذي يقوي من عنصر اللحظة لحظة بداية النص بتوتر وجنون وقد أدرك الكاتب بقدرته الفنية على اختراق الحالة من بداية النص
نلاحظ تماماً أن الانفعال هو إدراك للنقص .. وتذمر من المكان، إذاً هو ليس تعبيرا غريزياً محضاً.. ومن هنا فالكاتب يعتمد على مسألة الجودة في رصد ماهية الاحتجاج حيث يجرد الكاتب شخصياته من مستوى العفوية والابتذال إلى مستوى إبداعي أكثر شكاً وإحساسا بعمق الحالة، هنالك صيغ مفعمة بالإدهاش والتشويق وغرض ذلك إخبارنا بمغزى الألم الموجود في جنبات الحوار الاحتجاجي المتوتر بتصاعد بين صاحب المتجر وابن القبو"
العلاقة الذكورية بين الاثنين قائمة على التذمر والسخرية ابن القبو يقوم بضخ شحنات البساطة والرأفة والإشفاق والشحوب وسيد المتجر مفعم بالاحتجاج والشتيمة والحنق، كلاهما يحمل فلسفة متناقضة تماما وكاريزما متنافرة فوق العادة مما يستحيل حتى إتمام العملية المقارنة بينهما على نحو هادئ.
الحالة العبثية بين الشخصيتين يتخللها التساؤل بين لحظة وأخرى ،علامات الاستغراب ، التأمل تصاحب انفعالات سيد المتجر لحظة علمه بالكسيح الحافي ففي الصفحة 128
ابن القبو
:
واحد منهم كسيح يا سيدي لا يحتاج الى الحذاء
"
سيد المتجر :

ومن قال لك ؟

ابن القبو: "هي قالت لك ذلك حين كنتما معا في الغرفة ، صوتها كان عالياً تسلل من ثقب باب غرفتك هذه إلى صمت القبو وظلمته"
نلاحظ مدى علاقة الصوت بالقبو نظرا لمأساة الأرملة وتجسيدا حيا لهول هذا الألم وفقا لتقابلية المشهد الذي يبعث على البكاء
الصوت الذي يخترق ظلمه القبو دلالة على عظمة المأساة إذاً فتعامل الكاتب هنا مع الأجساد الطبيعية التي عوقبت طبيعياً دون مسببات بشرية فالألم هنا طبيعي ظاهره يدعو إلى تقبل هذه الرؤيا الحتمية لحدث طبيعي، ابن القبو يمثل هنا قوة في إبراز المحتوى بينما سيد المتجر شخصيته تعتبر أداة أو وسيلة عرض وتجسيد لا أكثر بينما تعطى الأفضلية والجوهر لابن القبو وعفوية ما يرى وما يتكلمه دليل على سموه المضاعف المرهف والعارف بنبل مغزى الحياة
سيد المتجر يمثل بقمعيته (بنرجسيته) سلم القبح فالإشعاع والنور هما مركز القبو نظرا لملازمته لابن القبو ظلام القبو يمثل ظلام سيد المتجر وفظاظته وماضيه الفظيع بالاستبداد الكاتب لديه قدرة على اختراق المألوف من خلال تفعيل الإحساس بالبساطة والعمق لديه الذاكرة التي تقوده إلى بيان عيوب البشر وسقطاتهم على مسرح الحياة الطابع الذي يوحد الحوار برغم اختلافاته هو طابع العدمية والقبح المليء بالنقص، وبالنهاية فالشخصية بحد ذاتها قبو يضم العديد من الأسرار والألغاز واللعبة هنا تبدو واضحة للعيان ، القبو يعني الذاكرة التي تحمل كل أعباء الإنسان والظلام هو الكون الذي على وشك الانهيار والغناء وكأننا أمام النهاية
التي تقضي إلى الزوال هذا كل ما تلخصه الدهشة ويدله الاستياء والملاذ في نظر الكاتب يكمن في جمالية الخلق بمعنى أنّ الكاتب يوجد هذا الترابط وهذا الانسجام بين شخصياته والذي يمثل انتصارا على هذا الانهدام الطبيعي والإشعاع الزائف يضفي الكاتب على شخصياته طابع الحياة التي تختزل قيم النقص والشعور بالحاجة وهي بوابة لسبر أغوار المأساة بجوانبها المنعكسة على الكون
العين الوحيدة للأرملة العوراء ترصد البشاعة في شخصية سيد المتجر وماضيه العكر. المكر يبدو هنا سلاحا قويا وعادلا. الأرملة العوراء تضج بفتنة العقل فهي تحرض النبرة القوية على الاسترسال والتكلم بما لم يبح به سيد المتجر فهي توقن بدهائها مرضية البشر المتقوقعين في قبو مظاهرهم فهي تلتقط ببراعة خيوط المأساة الكامنة في فوضى هذا البؤس الخارجي
ابن القمل هو بمثابة العنصر الأكثر حركية وانبساطا فهو يكتظ بفوضى المشاعر يوزع البسمات بمحبة طفولية على كل ما يحيطه... ويناسب خدمته تلك السيدة العانس.. التي ما تزال تنتظر .. فالانتظار هو رصد حالة إنسانية مليئة بالعجز والقنوط واليأس مع بريق أمل في عودة المنتظر .. القبو هو المكان الأنسب لصرخة الاحتجاج، الزوايا النائية تعكس ظلمة النفس الإنسانية التي يراودها هاجس الانقلاب على الذات الجامدة المتصحرة وهنا في شخصية السيدة العانس نشعر بامتداد بذور الانفصام والتوحد بأروقة الفناء الذي يشعل هاجس الهذيان المستمر نظرا لعدم الإشباع العاطفي في شخصيتها الطامحة للثنائية الدافئة فنلاحظ أن الشخصيات لها طابع الكساح أي عدم القدرة على التغير فالعالم هنا في مسرحية السيدة العانس محكوم بحتمية طبيعية لا يستطيع أحد الانفلات منها.. فالكسيح هو مرضية تصاحب كل الشخصيات التي يعالجها الكاتب على طريقته ولعل المرضية البارزة أكثر تكمن في طبيعة المرأة العانس..
تذمرها تجاه الأرملة العوراء، حبها لصاحب المتجر.. عقلها المليء بالشكوك والهواجس مشاعرها التي غاصت في الإدمان بتفاصيل المكان إذا فالقلق .. مشوار مستمر في شخصية هذه السيدة العانس التي تختزن حقيقة المأساة بترقبها .. بحبها للاعتدال في جلستها وانغماسها بوسادة الحلم لذلك الطيف الذي تترقبه
ما هي طبيعة الصراع بين السيدة العانس والأرملة العوراء !؟ بلا شك فهو ليس صراعا نسويا نتج عن الغيرة وحب التنافس ، بل يتضمن عدة معانٍ فهي مصابة بنقص الحب من جانب الرجل الحب بصورته المتكاملة وتفتقد إلى الأمومة فهواجسها تبعث على القلق إزاء المستقبل نظرا لبشاعته الحاضر الذي يتضمن عقد النقص والاستياء والتوهم فقد كان نقله لهذه الحالات تسجيليا والاحتجاج جاء مجسداً على خلفية شخصية ابن القمل النرجسية الموجودة في قلب تلك السيدة العانس تعادل حالة الإشفاق على خادمها ابن القمل فهي تتخيله وعادة الخيال يولد شحنات ابتكار مضاعفة فقد تشير شخصيتها إلى عقدة أوديب التي ذكرها الفيلسوف سيغموند فرويد حين صنف المرأة إلى أربعة أصناف الطفلة ، المراهقة ، المنافسة العاقلة والسيدة العانس تنتمي إلى المرأة الطفلة التي تنظر إلى الأشياء بطفولة واستحياء أحيانا والى نرجسية رقيقة تنم عن طبع الإحساس المرهف والنقاء العفوي هنا علاقة السيدة العانس مع الذاكرة هي علاقة اصطفاء وتخيل كامل وتمثيل حركي كتعبير عن عنوسة راقية لا تكترث لهذا القهر وتتعامل مع الأشياء المسلمة كما هي.. فعلاقتها بزوجها وبالآخر هي علاقة مع الذاكرة التي تتحدى بها نفسها والآخر. الذي تراه ندا في الغالب ولكن التخيل الذي تعتمده السيدة العانس تخيل فضفاض فهي ترى في ابن القمل رجلاً وحيناً امرأة متمثلة بالخادمة .. هناك روح مسترجلة في شخصيتها التي تميل إلى الانفعال والتقزز والاحتقار والكراهية والتذمر .. كل هذه الحالات تتواجد مع الأنثى العانس في واقعنا المجرد المرأة التي لم تشبع جوانب الحاجة في أنوثتها حس الرجولة كامن في روح السيدة العانس.. فهي سادية مع نفسها مقارنة مع مازوشية ابن القمل لهثه لطاعة السيدة العانس حبه لها لقد كشف لنا الكاتب راهيم حساوي سلسلة نوازغ وسلوكيات وأمراض وتساؤلات ودهشة مسيطراً على جو النص المسرحي من البداية حيث لم تفتر هذه الحيوية وهذه الحركية في الشخصيات .. هذه المرأة المشوهة بمجمل أنوثتها تشكل اشكالاً لدى الكاتب ثغرة تساؤل تلك السادية نابعة من جوهر الأسى في داخل وعوالم السيدة العانس.
النرجسية والتطرف قاداها بالتدريج إلى الجنون والتشويه وقد جسد لنا الكاتب أبعاد هذه التعاسة وذروتها.. فهذه المرأة جسدت النص بكامله من قبح وشذوذ واستكانة وثورة وجمال
إذاً فابن القمل يجسد العصابية في عدم احتجاجه على واقعه الذي يغدو عبئاً مستمراً يوقفه عن التفكير اليأس دخل ضالته القصوى .. واقع يستحيل دفعه. ففي الصفحة 141
ابن القمل: ( محدثاً نفسه ) القبو! القبو! في هذا المنزل يوجد قبو وليس بوسعي أن امتلك أية شجاعة لدخوله سيدتي ستغضب مني لو فعلت ذلك، آه لو استطيع الدخول إليه ، لأصبحت مثل صديقي ابن القبو، لكن ليس بوسعي أن أخلع قفل باب القبو، وقبل ذلك ، ليس بوسعي أن أخلع قفل باب صدري أنا جبان، أنا جبان ، أريد أن أفعل شيئاً يكسر كل أقفال الأبواب الموصدة لكن القمل الذي برأسي يمنعني عن التفكير ، نعم القمل يمنعني من التفكير
إذا فالمأساة التي راح ابن القمل يعبر عنها كامنة فيه بحتمية فهو كائن لا يستطيع الانفكاك عن واقعه وإحباطه فهو لا يمكنه أن يجابه سادية تلك المرأة العانس التي تحاصرها العقد فهي تعاني الذاكرة من جراء إحساسها بعاهات مؤلمة تحاول من خلال غشاء الغرور أن تستمد القوة والطموح كما نرى في الصفحة
146
السيدة العانس:

كفى ، كفى انتهى الأمر هن الجميلات هكذا ، لا يرحمن أحداً ، ولا يمكن أن يكون الجمال جمالاً، ما لم يكن له ضحاياه، هيا اتبعيني يا خليلتي ، ولا تنسي أن تحصري البروكة التي على الطاولة.

كل ذلك يجسد بؤس الحالة مما يجعل هذا النص في إطار نفسي مليء بالعقد وحالات الإرهاق التي شكلت علامات تساؤل في شخصية السيدة العانس، وقد جسدت رغبة ابن القبو وابن القمل في بقاءهما في القبو ورفضهما الخروج علامة شعور بالخلاص من مسببات الألم .. و الانعتاق من قيود المجتمع من خلال محاكاة طبيعة المكان والظلام ومواء القطة.. كحالة للهرب من ظلم البشر ونفاقهم كسعي الرومانسيين إلى تمجيد الطبيعة والألم إذاً فالكاتب يربط الواقع الإنساني بعمومياته، أبعاده وأفكاره وشتى بعثرات الكون والأحلام لأجل صياغة انموذج مسرحي حي وجديد ، نص يخلص المسرح الراهن من إرهاصاته ونمطيته كي يذهب إلى العمق في سبر أغوار الإنسان ونقل حصيلة تجاربه إلى الضوء ، مسرح يحاول أن ينجب المتلقي كما ينبغي له أن يكون ، ذلك المتلقي المفعم بماهية الحس الذي يحلو بتواضعه على التحنيط البشري



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World