الثورات العربية مستمرة والاقتصاد أساسها

عصام شعبان حسن
essamred@gmail.com

2016 / 2 / 11


عصام شعبان


أمام أزمة الملايين من الشباب المعطلين، نتاج عجز الدولة ونمط الاقتصاد من توفير فرص العمل، سعت السلطات العربية إلى تبرير فشلها بحجة عجز موازناتها. كذا، بذلت الدول وأصحاب رؤوس الأموال والمنظمات التابعة لمؤسسات التمويل الدولي محاولات حثيثة لتوصل رسالة مفادها أن الدولة ليست مسؤولة عن التشغيل أساساً، بل تريد أن تتخلص من العمالة الزائدة في الجهاز الحكومي. ففي مصر مثلاً، تضيق السلطة ذرعاً بـ7 ملايين موظف بالدولة وتعلن أنها لا تحتاج سوى إلى مليون منهم، هكذا أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي موقفه تعليقاً على رفض مجلس الشعب لقانون الخدمة المدنية والذي يهدف فعليا لتقليص العمالة.

وتواجه الطبقة الحاكمة في الوطن العربي أزمة البطالة المتصاعدة بين الشباب بمحاولة نفيها أحياناً، أو التملص من مسؤوليتها في التشغيل، ومرات تدعي أن فرص العمل متوفرة، لكن الشباب يفضل الجلوس في المقاهي، أو ترجع أزمة التشغيل لعدم تناسب تخصصات خريجي الجامعات مع فرص العمل المتوفرة بالسوق. أما الواقع فهو أن السوق تعاني من الركود، وحركة الإنتاج المعطلة نتاج تركز الاستثمارات في القطاعات المالية والعقارية، ما لا يوفر فرص عمل. كما أن رأس المال ورجال الأعمال يحتاجون إلى طوابير البطالة لأنها تقلل من كلفة اليد العاملة، وتخسف بالأجور الأرض، الأمر الذي يزيد مكاسبهم.
تزيد أزمة البطالة وتتوسع خصوصاً بين الشباب، وتعاني الفئات المفقرة بالمناطق المهشمة وأطراف المدن إلى جانب البطالة نقص الخدمات، لذا تظل تلك المناطق ساخنة ومؤهلة للانفجار.
"التشغيل استحقاق يا عصابة السراق" بهذا الشعار بدأت فصول الحراك التونسي من جديد. درس تونس يدلل بما لا يدع مجالاً للشك على أن الحركة الاجتماعية لن تتوقف، وأنها الجزء الأبرز والمضمون الحقيقي للثورة التي اندلعت.
لكن هناك فصلاً مقصوداً بين احتجاجات فئات الشعب المفقر وبين الصراع السياسي، السلطة تحاول فرض هذا الفصل. والسياسيون من أتباع الفئات الحاكمة يفصلون أيضاً نضال الشعب ويعتبرونه من ضمن المطالب الفئوية التي ليس لها علاقة بمطالب التغيير والحرية. السلطات ومؤيدوها والنخب، يلتقون على خط واحد ويتصورون أن الحراك العربي خمد، متناسين أن أسباب الحراك لا تزال قائمة، وأن الشعوب حين انتفضت لم تخرج ليذهب مبارك ويأتي من يطبق سياساته الاقتصادية مثلاً.

سيظل نموذج تونس في الحراك الاجتماعي ملهماً. نظرة إلى تاريخ الحراك الشبابي المتعلق بالحق في التشغيل تمكننا من رؤية المشهد. ظهرت روابط المعطلين عن العمل ونشطت منذ 2005 وكونت لها مكاتب جهوية بعد الثورة. ومنذ العام 2001 تصاعدت الحركة الشبابية الاحتجاجية بتونس، وكان الاتحاد العام للشغل واتحاد طلاب تونس يلعبان دوراً هاماً في مساندة المطالب.
لم يمنع النظام القمعي أن تواجه تلك التنظيمات فساد الحكام، وساندت رغم ضعفها المحتجين الذين رفعوا مطالب الحرية ومواجهة الفساد والحق في العمل. كشفت التحركات الاجتماعية عن الوعي لقضية التنمية وعلاقتها بتوفير فرص عمل وتعافي الاقتصاد. يربط المحتجون بين طبيعة السلطة الناهبة ومعدلات البطالة ويرون الاقتصاد التونسي مسيطرا عليه من فئات محدودة تنشط بمجالات لا توفر فرص عمل. لم يكن الشباب وحدهم من انتفض، فأهالي المناطق المهشمة كانوا في المقدمة بداية من الحوض المنجمي مروراً باحتجاجات بن قردان التي رفضت البطالة والتهميش والقمع وغيرها من مناطق الأطراف التي تعاني انعدام الخدمات وندرة فرص العمل. أتت احتجاجات الحوض المنجمي الثانية في 2008 لترفع مطالب التشغيل أيضاً فقوبلت بقمع بوليسي غير مسبوق. تضامن طلاب الجهة مع المنتفضين وانتقل التضامن إلى الجامعات والمعاهد الثانوية وأعلن الاتحاد العام للشغل والاتحاد العام لطلاب تونس مساندته. ومع انتفاضة سيدي بوزيد بدأت شرارة الثورة. الآن تتكرر الأحداث بقفصه وتالة وسليانة والقصرين. مطالب تونس سترفع في دول عربية أخرى من جديد، والاقتصاد هو أساسها.

(باحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية)



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World