ليتنا نعيش و نموت مثله

محمود ابوحديد
ma7mod9@gmail.com

2015 / 12 / 22

نحن _الاشتراكيين الثوريين_ نُعطي حياتنا لشبح الموت دون أن نجفل أو نندم على مُجمل أفعالنا ونفهم أن أملنا في عالم أفضل_عالم انساني_لا تتوقف على أفعال أفرادنا أو حتى مجموعنا بقدر ما هي مُحصلة تاريخية سنصل إليها بفعل كفاح الطبقة العاملة ككُل. لكنْ ما يجعل الحُزن مُسيطراً في حال وفاة الرفيق "زيكو" هو مقتله في سنٍ مُبكرة. القَدَر لم يُمهله تحقيق أياً مما خَطط له في حياته . ومِنْ هنا ينبع الأسف _ليس على مسار حياته_ بل على العكس، سَتشرح السطور التالية أجزاءً مِن حياة الرفيق يُفهم منها مدى خسارتنا نحن رفاقه .. حَاولت تأجيل الكتابة عنه لحين يغيب الحُزن عن قلمي فحتى الان لا أُريد أو أخشى أن أُردد إسمه. إن فراغ فراقه لا يمكن ان يُخفى او يُنسى .هو أول رفيق يفارقني وسأتذكر ذلك ما حَييتُ.

أشرع الآن في الكتابة لأني فَهمت أن تكريماً وحيداً لائقاً برفيقي هو الكتابة عنه وسرد أجزاء مِن حياته. السطور التالية ستحمل حقائق ووقائع لا يمكن سوى أن يتفق القارئ معها . لا يمكن الاختلاف معها أو رفضها او حتى إبداء الراي عنها .إنها فقط حقائق _ حقائق عن حياة ومقتل الرفيق_ .

لو قٌتِلَ الرفيق "زيكو" بمدافع ورصاص القوات الحكوميه، في اشتباك مع الشرطة لكُنّا جميعا نتفق على إنه قُتِل بيدِ الحكومة ،ولكانت جنازته تحمل غضباً وسخطاً لا ينتهي من مُوَدِعيه . كانوا سيفضحوا بأسوأ وأقذر العِبارات قاتليه _حُقراء ومسؤولين النظام_ .

الرفيق قُتل بيد النظام ، بيد موظفين مدنيين للنظام الرأسمالي ، قُتل بإصرار وترصد . النظام على ثقة بعبور المواطنين خط القطار من هذا المكان ،ولم تبذل الحكومة أي جُهد لتأمين عبورهم . عن قريب _ ولاشك _ سيخطف شبح الموت آخرين بنفس كيفية قتل الرفيق .. حادث قطار .. ولن يُرَدَد سوى " قضاء وقدر .. ارادة إله " ما يعني لا مسؤول ولا دِية للقتيل . لكني لاأشُك في مَقتل الرفيق بيد النظام وسأفضح وأُطارد مُمَثليه ما حَييتُ .

سيهز العديدين رؤوسهم أمام هذه الحقيقة ،وستظل من أصعب ما يمكن تصديقه ،والدليل هو موقف مُوَدعي الرفيق أنفسهم الذين سَيطر عليهم الصمت والصدمة ،بدلاً من الغضب وصَب اللعنة على قاتلي الرفيق . أقول أنه حتى أغلب مُوَدعي الرفيق لم يفهَموا تلك الحقيقة _قاتليه يَتَربعوا أعلى المناصب الحكومية _ ولهم الحق جزئياً في ذلك فكلنا شباب فَجَعنا رحيله المُفاجئ.

ربما هي أسوأ الصُدف على الاطلاق ، أني كنت وسأظل اشرح شعار " لا حل سوى انتصار الثورة" بالكلمات التالية: لا حل لأي مشكلة على الإطلاق سوى انتصار الثورة بالحكومة والسلطة العمالية . لا حل لوقف ومنع القتلى في (حادث طريق - أو انهيار عقار أو موت المشردين في الشارع) سوى انتصار الثورة ووجود حكومة عمالية تُخطط لمصلحة المواطنين. كنت أضرب العديد من الأمثلة الأخرى لكني كنت أختار حوادث الطرق كمِثال أول لشرح هذا الشعار. مِن يوم مقتل الرفيق وحتى مماتي ، سيرتبط هذا الشعار برفيقي زيكو . لاشك أن المسؤولين عن مقتل الرفيق هم قادة المجتمع _الوزراء والمسؤولين _ ناهبي المجتمع. تلك حقيقة لا تقبل الجدل ولا يمكن سوى للجهلة أن يهزوا أكتافهم أمامها بدلا من تأييدها ضعفا عن مواجهة منطقها .. إن الإعتراف بهذه الحقيقة يعني شيئا واحدا : التخطيط للإطاحة بالنظام الجمهوري ، التخطيط لانتصار الثورة الجماهيرية .

رحل رفيقي عن عالمنا ماركسيا شيوعيا ، يزدري أي خطاب أو بيان لا يهدف أو يتضمن شعار "الحكومة والسلطة العمالية" . وإذا كان تعريفي للعمل الثوري هو "الاشتراك في بناء خلايا وتنظيمات ثورية تهدف للإستيلاء على السلطة من النظام الجمهوري " ،إذا كان هذا هو تعريف العمل الثوري فقد كان الفقيد ثوريا بامتياز. عاش الرفيق مُخططا وهادفا لقلب نظام الحكم . عاش ومات عضوا بتنظيما اشتراكيا ثوريا يهدف للإستيلاء على السلطة بقوة الثورة الجماهيرية .

الرفيق من طَليعة الطبقات الشعبية المصرية، ولاشك في ذلك . كسبنا رفاقيته وهو بعمر ال16 ربيع ، وفقدناه على أعتاب عامه العشرين . إن عينة عشوائية من أقرانه _طلبة المدارس_ لن يعرفوا اصلا أين يقع المسجد الاقصى - راجع الرابط التالي -https://www.youtube.com/watch?v=w6oVymtUZqI اتخذ الرفيق موقفا ثابتا معلنا من أهم قضايا إنسان القرن الحالي (فلسطين والامم المتحدة وحكومات رجال الاعمال ..إلخ) إذا كانت القراءة من أصعب
أفعال إنسان القرن الواحد والعشرين ، إذا كان 3% من سكان الأرض يقرؤا الكتب و10% يتصفحوا الجرائد اليومية ، فقد واظب الرفيق في سنواته الاخيرة على القراءة بالذات في أصعب العلوم وأكثرها دثرا وإخفاءا على الاطلاق " علم التحرر". عرفته قارءا لماركس وانجلز ولينين وتروتسكي ومتابعا ناقدا لاذعا لوضع بلاده . الفقيد آمن باحتياج الإنسان للحركة بوعي ، للتَدَخُل في الثورة بوعي وبتخطيط مُسبق . هل يستوعب القارئ معنى أن تكون صبيا في السادسة عشر من عمرك ولا تُضيع يَومك ووقتك في لعب الفيديو ومتابعة الدوري الإنجليزي والأسباني . لم أره يوما مُتابعا لآراب ايدول أو آراب جوت تالنت أو أي برنامج آخر ، لم أشهده يوما يتبع النمط السائد لمُراهقي مُجتَمعِنا . بالنسبة ليِ وبالنسبة لأي عاقل _بالنسبة للحقيقة _فقيدي كان من أكثر سكان مصر وعياً، عَرَف مِن أين أتى ولماذا وإلى أين يسير وكيف . برحيله فَقَدت الطليعة شابا لو قُدِرَ له العيش لعقود تالية ، لكان استطاع التغيير في مستقبل وطنه ولاشك في ذلك رغم أنه مجرد تكهن.

حَياته كِفاح يومي ، وهو ابن السابعة عشر أُصيب بالغضروف في فقرات ظهره ، كان ييحمل شكائر الأسمنت لقاء أجر يومي شديد الزهد. كرهت نفسي والمجتمع لأيام عديدة عندما علمت بإصابته تلك . لكني عشقته وكفاحه.

أظنه بدا العمل بانتظام يومي منذ كان في العاشره من عمره . أفهم أن العمل يترك آثاره على جسد وشكل الإنسان ، وقد تأثر نمو الرفيق بسبب العمل في سن الطفولة . لن أنسى أصابعه السميكة ما حَييت ، كانت له يد عاملة بامتياز، مشققة وخشنة من أطرافها ومبسوطة وسميكة من راحتها . أُقسم بشرفه أنه كان مثالا للكفاح .. وقسما أني لا أكتُب هذا لأنه فارق عالمنا .

كَرِه امتلاء العالم بالمُشردين والجَوعَى ، وسَعى وخَطط وكَافح لتغيير هذا المجتمع. إن كنت أكتب هذا المقال لهدف ، فلأني أتمنى أن يسلُك دربه أصدقاء سنه الذين عرفوه وِأعرفهم_أنا_ الآن . إن شيوعيته مثالا يجب أن يُحتذى . ربما تأخر عن بعض المهام ،لكن دوما رغم إرادته. ربما إلتزم الصمت في عِده مواقف ،لكنه التزم الصمت دوما وهو يعبُر نحو الطرف الصحيح من المتاريس والصراع . إن كل مَنْ رافقه يَشهد ، بأن تَأَزُم الأمور وتَعَقًدها واحتياجها للإنجاز كان يعني شيئاً واحداً لتنظيمنا: استدعاء زيكو. كان رجل المهام الصعبه ولاشك في ذلك .

زاملته في عدة أعمال لِقاء جُنيهات زهيدة . ورافقته في السكن لأيام قليلة . كُنّا طلابا وعمالا وزملاء للسكن . أظن علاقتي به كانت من أسمى العلاقات الإنسانية رغم خفوتها في السنة الاخيرة بسبب سجني واضطراري للإختفاء قبله. واصلا تُعَد الرفاقية أعلى العلاقات الانسانية على الاطلاق . إن أفضل من جالستهم في حياتي كان الثنائي (أوزو والفقيد) كان اجتماع هذا الثنائي يعني (تقليد الشخصيات) كل معارفنا .واليوم فإن أوزو مسجون وزيكو رحل عن عالمنا.

عملنا سويا في تحميل ما يقرب من طنين من المفروشات لقاء 50 دولار تقريبا لكلينا !! وراهنت أحد أصدقائي أني سأحمل المُوقد وحدي . وبدأنا نتفق ونسخر من الرهان ، جاء زيكو يسألنا عن الضحك ، ولما أخبرناه تقدم ورفع الموقد وأنزله في المكان المطلوب ، عندها قلت لصديقي " زيكو تلميذي ولا يوجد ما يمكن أن يفعله هو وأنا لا استطيع فعله " وأَيَدَ زيكو كلامي . لكني الآن ، الآن فقط بعد وفاته وبعد أن رحل عن عالمنا ، الأن أفهم أني كنت طبعا على خطأ. أغلب ما فعله زيكو أعجز أنا عن فعله . لما كنت في الخامسة عشر من عمري كنت أتقلب في مُتع المراهق ! بينما كان هو في الخامسة عشر عضوا لتنظيما ثوريا يُفُرق بين الأيدلوجيا الثورية والأيدلوجيا السائدة . وهذه المقارنة بيني وبينه فقط تكفي . هو عاش ومات شيوعيا ثائرا على كل ما في العالم . أما أنا فلا أدري إلى أين تقودني الحياة .

لن أنسى أن أذكُرها . هي حتما أكثر من يفتقده .. كان حارسها وفارسها وطبعا كان لا يبارى، وإذا كانت مجموعتنا قد اعتمدت على شدته وقوته في أحيان كثيرة ، فلاشك أنها بضعفها ورقتها قد وضعت حياتها بين يديه. لاشك ترك رحيله في نفسها أثرا وفراغا لا يمكن أن يشغله أي من سكان الكوكب . لكني اتمنى أن أكون ذا عون لها. أتمنى أن أحصل على شرف تلبية جزء من مائة مما كان يقوم به رفيقي من أجلها . أفهم أني أبدا لن أجاريه في أي شئ ، لكني أطمح في تكريم حياته بمحاولة خدمة من طمح وخطط زيكو للحياة معها.

أنا على ثقة أن حياتي أخذت مُنحنى مُختلف تماما مِن يَوم رحل زيكو. مِن يوم فِراقه فَهمت أني بدأت مرحلة فراق المعارف ، وكدت أبكي في جنازته عندما خطر في بالي (مات صديقي ويبدو أن عديدين سيموتوا في السنوات القادمة وسأعتاد ذلك لاشك) ـ لم أفكر لحظة أني سأضطر يوما ما لأن أكتب نعيا أو رثاءا لأي من معارفي .. لكني فهمت ذلك وأنا انتظر رفاته امام المشرحة .

مشهد تشييعه عَلِق في عقلي وأضطر عقلي لإخراجه في نومي . جائني ليلة تشييعه ، رأيته في كفنه الأبيض وتصارعت مع نفسي في الحلم لكي أكشف كفنه وأرى وجهه لكني لم أفعل ، وبدلا من ذلك رأيته يكلمني من الناحية الأُخرى وكان يمارس سخريته ويُقلدني ، ضحكت كثيرا في الحلم لكن الضحك انقطع لأخبره : أنت لست حقيقيا بل هذا هو الحقيقي ، وأشرت ناحية الكفن ، لكنه لم يجب واستمر في تقليدي . وأستيقظت باسما . أغلب الظن أن عقلي يُذكرني بخيار حياتنا : افضل طريق لتكريم حياة الرفيق هي الشيوعية . ستكون ذكراه هي الماركسية والتنظيم الثوري ، وسيكون خلوده في انتصارنا وتغييرالعالم .

فارقنا زيكو وتركنا في هذا العالم الحقير نكافح لتغييره. لم أفق حتى الآن من صدمة رحيله وأسأل نفسي باستمرار :فعلا لن أراه مرة اخرى ؟؟ كتبت أحد معارفه معزية نفسها أنها فعلا تأمل الموت . هو لم ييأس أبدا ولم يطلب الموت أبدا ، عاش ثوريا مخططا لتغيير العالم ، أما أنا ، وعلى عكسها تماما أقول: لأجل رفيقي الفقيد ، لأجل شهداءنا ومصابينا ومعتقلينا ، لأجل حياة أفضل ، سنُطارد ونفضح قاتليه ما حيينا .

هو، على الأقل مات على الطريق الصحيح ، عاش ومات رفيقا ضد رجال الأعمال وحكوماتهم ، ليتنا نعيش ونموت مثله .



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World