كن عاقلا من الآن فصاعداً

ابراهيم زورو
him.zoro1974@gmail.com

2014 / 9 / 9


أتذكر عندما انتعلنا السجن بتهمة الحزب العمل الشيوعي في عام 1994، كان لسان حال زواري وأغلب زوار اصدقائي وفي أكثر المحافظات يقولون لنا: كن عاقلا من الآن فصاعداً!!.
وكأننا اقترفنا جريمة جنائية موصوفه حينما قلنا للنظام ما عجز الاخرون عن قوله في تلك الأيام ما قلناه حينذاك!!
كلمة: كن عاقلا من الآن فصاعداً هم من يقودون "الثورة"!!!.
عدا الفلاسفة والروائيين وبعض الكتاب لم يعش أحداً مثلما عاش الاسد الأب، الذي يحكم سوريا من مكتبه في القرداحة!!!، وهو الطبيب الأول في علم النفس الذي استهلك البنية النفسية لشعبه، وأيضاً لم يألوا جهداً للسياسة الخارجية، ووضع جل ثقله في السياسة الداخلية، ويمكن أن نقول بحق أن اغلب المعارضين خرجوا من معطفه مثلما خرج الأدب الروسي من معطف غوغول!!.
حيث أن الموظفين هم الفئة المستفيدة من النظام، وليس من صالحهم ترحيله، ولدى هؤلاء أقارب وبهذه الحالة قد جَنَبَ أعداد كبيرة من أصحاب الشهادات التي لهم تأثير على الحياة الاجتماعية في البلد، أو حتى من التفكير بتدويل الحكم في سوريا. الفكر الشارعي والشعبي لا يجادل حول قضية الاستفادة، فمن لم يرتشِ ليس له مكاناً في مجتمعه، ويقولون عنه شتى أوصاف التي تنال بنيته النفسية.
فقد عمل الاسد الأب على مبدأ الفكر الماركسي وهو أن البرجوازية الاوروبية قد أخرت الثورة الاشتراكية كونها رشت طبقتها العاملة، وهذه هي الحال مع فئة الموظفين في سوريا، فقد زرع إلى جانب الاصالة السورية فئة الفرع كي تقوم بتخريب الاصل مثل الاشنيات التي تتطفل على غيرها من النباتات، ومن لم يكن من فئة الموظفين حاول جرهم إلى الفروع الأمنية كي يعملوا بمقتضى كلامهم مقابل موقف منهم، ففي الآونة الأخيرة بات الفرد السوري يفتخر أمام أقرانه بأنه قام بعمل ما. وحتى قطاع التربية لم تسلم من أذاه فقد سمح للمعلمين بفتح الدورات للطلاب من مختلف المراحل، وحيث أن المعلم لم يعد يعمل بجهد في المدرسة كي يبادر الطلاب إلى تسجيل الدورات، والأنكى من ذلك فالأنسان السوري يستطيع أن يكون بعثياً دون أن يحضر أي اجتماع حزبي، فباستطاعة هذاأي طالب في شبيبة الثورة أن يدرس في أي جامعة أو معهد وبدرجات أقل من أقرانه بكثير، وقس على ذلك على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كي يغير البنية النفسية للشعب السوري.
ما أريد قوله أن الناس أصبحوا بعثيين بالممارسة اليومية دون أن يعلموا بذلك؟ وتغيرت ملامحهم دون أن يلاحظوا بأنهم هكذا.
هنا أصبح اللاشعور السوريين لاشعوراً جمعياً، يقوم على مبدأ النرجسية مقيتة ومحبة للنفس الفردي، ودون أن يكون هناك من يفكر بالمجتمع، على مبدأ "إذا أردت أن تعيش حياة هادئة ومحترمه وفردية فدر ظهرك لالام اخوتك في مجتمعك".
سؤال يطرح نفسه: لما الثورة إذاً؟، أو هل كانت الثورة ضرورة موضوعية وذاتيه وبقول اخر، هل أينعت الظروف للقيام بثورة ما ضد هذه المنظومة وأنت أصبحت جزء من لاشعورها؟ أي أن تكون ضد نفسك؟ ولنا في ذلك أمثلة كثيرة. لهذا نرى أغلب المعارضين هم نتاج طبيعي لهذا النظام وسأكتفي بمثال واحد فقط هو ميشيل كيلو الذي عين على رأس لجنة لتطوير حزب البعث فها هو يعود إلى تطوير المجلس ليكون ائتلافاً بنفس الذهنية؟ اما ما أعنيه من هذا المثال هو أنه لم يوجد في سوريا مثقف عضوي يقف بجانب مجتمعه، فكيف ميشيل نفسه في هذه المعارضة ولدى النظام، لم يتغير في شخصية ميشيل شيئاً لجهة الطرفين؟ أهذا ليس تناقضاً؟ ألا يجب الوقوف عليه كمشكلة ثقافية بحاجة إلى تفكير عميق؟ وقس على ذلك أغلب المعارضين؟ واغلب الشاردين كانوا مدجنين لدى البعث، فمن الذي أيقظك من نومك سيدي، هل هو فكر ثوري ووعي بضرورة الثورة وتحممت بأفكارها أم مجرد تغيير جلد الافعى ؟.
الثورة ضرورة ذاتية وموضوعية، ضرورة سابقة على التجربة ذاتها، فمن ينقل الافكار الثورية عليه أن يكون تأثيره واضحاً وجلياً على المحمول، أي أن تكون ثوريا لم تلطخ فكرك بأفكار كانت موجودة في المجتمع، أن نظافة الذات هي أوّلى موجبات العمل الثوري، وهذا ما أفتقده جملة المعارضة السورية؟ ليس النفس ذو رائحة ذكيه ولا الواقع يتقبل بتلك الرائحة، وعدا أن الظروف الدولية غير مهيأة لذلك.
ونحن نعلم أن الأنسان المرتشي سيتغير ملامحه النفسية ويكون مكسور النفس وذليلاً أمام مواطنه كي يفقدون الثقة ببعضهم البعض، وبهذا يصبح من حزب البعث قلباً وقالباً فهو بذلك يخالف نظام دائرته كي يتخلص من عقد النقص والدونية إزاء رشوته. هنا شددت على الموظفين لأنهم قادرين على تحريك المجتمع كونهم متعلمين واصحاب الشهادات العليا.
ولن اتناول هنا طلاب الجامعات كون لديهم معاناة ليست أقل من طلاب المراحل الأولى، وقد تم تهميشهم بدقة فائقة وهم مراقبين في جل أوقاتهم.
من إحدى العيوب التي تعاني منها اغلب السوريين في المعارضة هي اللاشعور، كونهم حتى أمس القريب كانوا هكذا، ولن أعيب عليهم هذا العيب التافه والشنيع، بقدر ما هم موسومين بها حتى هذه اللحظة، فهم لما يتقابلون يخفون أنفسهم وراء ابتسامتهم الباهتة، وكان من الممكن أن يعلنوها مرة ويكشفون انفسهم عبر مكاشفة أذا ارادوا التخلص منها. لهذا نرى اغلب المعارضة السورية لديهم عقدة جرائم العقاب الذاتي، هذا إذا كانوا سويين من الناس.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World