صورة

حسين سليم
saleemzus@yahoo.com

2013 / 11 / 16

الى الغائبة الحاضرة: سناء عبدالسادة عثمان *

(1)
أسئلة... أسئلة... أسياخ حديد في القلب، تنهشه. هوّن عليّ ياكبدي، فالقلب لايتسع لغيرها، والنبض نغم حروفها.
(2)
كان يدندن...
خذني للولف خذني ألتمسك للولف خذني
أغنية يرددها دائماً في خلوة غيابها الحاضر الموجود كظله.

(3)
آه ياسنوات العمر، يالحظة دهر، كيف كبر الصغير؟ صار يتحدث بلغة الكبار، تمتم مع نفسه، حين داهمه الصغير.

(4)
يموت الآه بشفافي ويرويني نبع صافي
ويفرحني...
أضم خصره ونطير اثنين
أسبكه وهو يسبكني،
كتبها وغناها مع نفسه 1

(5)
أحزاني دفاتر شعر، في ليل طال صباحه، تباريح سفر هو العمر، عديدة محطاته، يا ولدي...
"من يسأل يعُط... سوى الحبّ"2 والأرض قضبان محكمة البنيان، متاريس شرقية، يصنعها الطغيان.
الناس حقائب سفر في الليل، هائمة بين البلدان، بلدي أرصفة، بسطات متناثرة في عمان.

(6)
حدثني يا أبي!... أبصرني!

(7)
اقترب ياضلعي، اجعل ظهرك قريباً لظهري، كي أتدفأ، فلم أذق طعم الدفء منذ سنوات... ولا أدري إلى متى يبقى فراشي بارداً...؟

(8)
ليلة الزفاف، استعرنا ملابس كردية لها، عملت طوقاً لشعرها من سليفان علب السجاير، أقراطاً أحلى من الذهب. كانت عيناها تضم الدنيا كلها. الحب زادنا. والمستقبل بيتنا. احتفلنا وسطه أحبة يحلمون بالخير، على انغام الأغاني والدبكات الجميلة، وسلاحي بيدي، في منطقة نوزنك نوكان.

(9)
أضمم خصره ونطير اثنين
أسبكه وهو يسبكني
حبيبي أهواه لحد الموت، ودونه الموت ياخذني
حياتي بشوفته بساتين ودنيا
ودنيا الماتلملمني

(10)
"لاتسكن ، هي ، في كلمات المنفى حين يضيق البيت" 2
لاترضيها موسكو، إيران، لبنان، سوريا، فأختارت حيث الاهل – بغداد – لتعجّل بأحلى الأيام. لكن لليل مخالب. وآه كم كان الليل كافراً، حوتاً أهوج يبتلع الموجودات، يغرس أنيابه، مخالبه، يفرش أذرعه على المدينة. كانت تحمل وزر الذين اجتمعت عليهم حيتان الارض. وذئاب العصر الحجري، تعمل، تقاتل حتى سارت في قوافل الخالدين...
(11)
كانت ولادتك في أحضان الذين يحملون أحلى الأغاني لأيام قادمة. نذرت أمك نفسها لها. ستشهدها من خلال عينيك ياربيعي. كنا اخترنا (شاخاوان) اسماً لك في جبال كردستان، وحين نزلنا إلى الموصل، فكرنا أن يكون "أرسلان" صار حيدر في بغداد، و(سلوان) في السجلات الرسمية.
(12)
"لاتأكل لحم عدو" 2
بين دهاليز الموت. بين الوديان. رعب الجبال ومخاوف الحيوانات المفترسة. عواء ذئاب، فحيح الأفاعي، العقارب السامة، نجوع نأكل لحومها، لانجد سواها. كانت هي أقوى من الجوع فلا تأكل.

(13)
عسكرية أم رسم !
هكذا رد على أستاذه، حين أجبره على رسم شيء لا يهواه. كان يرسم مواضيع تفوق سنه مرات: سجين يكسر القضبان، امرأة تحمل على راحة يدها حمامة بيضاء، وأخرى جماجم متراكمة أمام المفوضية السامية في عمان...
- ياحبي- "لاتنهش راحة من يطعمك الأزهار".2
(14)
لقد كتب عليك أن تولد في أرض بعيدة، وتكابد المعاناة، وتدلف إلى السجن في الربيع الثالث والنصف، وقد ساومتني عليك كلاب الزمن الحجري، وأنا بين الحياة والموت. كنت مريضاً، دبيب حرارة جسمك العالية تتسلل عبر مسامات جلدي، حين رموك بأحضاني، وددت أن أراك، لكن العينين لاحول لهما معصوبتان، أن أمرر يدي على جبهتك، لكنها مقيدة كالأطراف. قال أحدهم:
- سوف لن تراه
- أعرف سوف تقتلونه قبلي
- نحن؟ بل أنت بعنادك.
- ماذنب الطفولة؟ أنتم السبب
- بيدك حياته
كنت تتشبث بأصابعك المنهكة بفعل الحمى، تحاول غرزها في جسدي المدمى، لكنك لاتقوى.
كنت أكبر من المرض، أو المرض تآزر من أجل أطفال العراق.

(15)
- إن كان لكم شيء فأنتزعوه مني
- سوف لن تراه
(16)
كل أم شريفة هي أمك
يامن عرف النضال طفلاً
قالت سلوى زيادين 4
وهي تقبله

(17)
كان يرسم وجوه نساء، وينعتها باسماء عاش معها، أو صادفها. هذه صورة جدتي، التي لاتغمض لها عين حتى أنام بأحضناها. هذه عمتي التي تداعبني عند الصباح، وتوقظني بهمس دافئ وخالتي التي تحضنني على صدرها، تشمني كالأريج، وتلك عديلة التي علمتني كسر الخجل والكلام.

(18)
- صورة لم ارسمها بعد!
- سوف ترسمها ياولدي يوماً ما، فرسمها صعب، لايرتقي إليه إلا فنان قدير.

(19)
أحط روحي على الجفنين
واحفر بالضلع رسمه
أبو الليل اللي على المتنين
منه اتلونت الوسمة
قصايد ياحجي العينين
أبو الشامات محله اسمه

(20)
لم تلقمك حليباً فقط، بل طيبة، محبة حتى الرسم تراك تحث خطاها يادنياي.. كانت تمارس الرسم والسيراميك وتستخدم المواد البسيطة من مخلفات القماش أيام العمل في بغداد. وكنت أنت تساعدنا في نومك المبكر لنبقى ساعات متأخرة نكمل أعمالنا في الليل .. ابق ياعزيزي "لاتشرب ماء جبين".2
(21)
كانت ستراً للستر حين تعرى في وهج أزيز الطائرات والقنابل في كردستان.
(22)
- عليك أن تستأذن. قال أستاذه في الرسم، في غرفة السكن
- مايوجد في الغرفة ملك الجميع. رد على أستاذه، الذي نهره حين طلب منه قليلاً من اللاصق.
لله درك ياولدي- "للضيف الدار، ولكن ليس له أهل الدار".2
تعطيه عمته قلمين، يتبرع بالزائد لكل محتاج من أقرانه، في رابع مدرسة بين القبول والرفض.
(23)
كانت كذلك مافي جيبها للآخرين، تبتاع الدخان مع الذاهبين للشام، دخان الحمراء، كنت أفضله، وترميه عليّ، علبة اثر أخرى، دون أن ينفد، وحين طلبت منها إعطاء رفيق آخر، كانت قد سبقتني، وقد وزعت عليهم قبل طلبي. هكذا هي ياضلعي، خصال الذين يريدون الشمس للأخرين.
(24)
آه ياولدي"لاتقلب سترتك الأولى حتى لو بليت"2
تتغير الأشياء نحو الأفضل. وكم يعذبني تبدل وجوه الناس ألواناً، يلبسون أقنعة، يخفون عوراتهم، أو يجدون لوناً لايتناسب مع صورهم. وتذكر يادنياي أن أمك من الناس الذين لاتقلب سترتهم الأولى... واعلم ياحبيبي أن "في الشيخوخة قد يبدو الشعرالابيض أسود، وقد يبتدئ الخائن بالمرأة"2
(25)
سوف أرسمها يا أبي.
(26)
للولف كل أهلي وبيتي
للولف شرياني وريتي
للولف سلوان تذكاره لمّن تحضرين امنيتي
خذني... وأخذني

(27)
"فلتبحث بين تراب الوطن الغالب
عن خاتمك المغلوب"2
خذني للولف خذني.


عمان / 1996
من (حكايات وادي الرافدين)
* شهيدة أعدمتها الفاشية الدموية يوم 26 تشرين الأول 1988
1 كلمات الأغنية لزوج الشهيدة ، حسين نعمة السوداني
2 أبيات من قصيدة سعدي يوسف " ملحوظات أو كيف كتب الأخضر بن يوسف قصيدته الجديدة؟ ".
3 شاخوان : ابن الجبال
4 شخصية وطنية أردنية زوجة الاستاذ يعقوب زيادين



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World