في العام الستين للنكبة ليرتفع صوت اللاجئين عالياً

معتصم حمادة

2008 / 1 / 14

تحل مع العام الجديد الذكرى الستون لنكبة الشعب الفلسطيني وطرده من أرضه، وشطب كيانيته السياسية، وزرع دولة إسرائيل بدلاً من فلسطين في قلب الخارطة العربية وخارطة الشرق الأوسط.
ويحمل هذا العام في ثناياه العديد من المعاني والخلاصات من أهمها:
*أن قضية اللاجئين الفلسطينيين هي القضية الوحيدة المتبقية من نتائج الحرب العالمية الثانية والتي لم تجد طريقها إلى الحل بعد، بسبب من تعنت الحكومات الإسرائيلية، مدعومة من الولايات المتحدة، ورفضها الاعتراف للاجئين بحقهم في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها. ويشكل هذا الأمر إدانة للمجتمع الدولي الذي لم يبذل الجهود الكافية لوضع قراره 194 موضع التنفيذ عبر الضغط على إسرائيل.
*رغم مرور ستين عاماً على ولادة قضية اللاجئين، فإنها ما زالت تعيش حية في الأذهان والمشاعر والقلوب، وفي البرامج السياسية للفصائل المختلفة وفي نضالات الشعب الفلسطيني، دون أن نتجاهل سياسات المفاوض الفلسطيني الذي لا يتوقف عن التلويح بورقة اللاجئين، وحقهم في العودة، واستعداه للتنازل عنها (جزئياً أو كلياً) نزولاً عند الضغوط الإسرائيلية والأميركية ومع ذلك يمكن القول إن الموقف الفلسطيني الأقوى والطاغي، هو الذي ما زال متمسكاً بحق العودة ويرفض كل المشاريع والسيناريوهات التي تمس هذا الحق وتضعفه.
*رغم مرور ستين عاماً على ولادة قضية اللاجئين، فالملاحظ أن حركتهم في الدفاع عن حقهم في العودة تزداد نهوضاً في أماكن تواجدهم كافة، وهي تأخذ أشكالاً مختلفة تصب كلها في تعزيز الموقف الوطني المتمسك بحق العودة والرافض لكل الحلول البديلة.
إن حركة اللاجئين في اتساعها، وفي انخراط القوى السياسية كافة في صفوفها، تعيد التأكيد على أنها حركة توحيدية، جاذبة لكل فئات الشعب الفلسطيني دون استثناء، ديمقراطية، وحيوية، وتشكل عنصراً رئيسياً من عناصر الحركة الوطنية الفلسطينية، وعاملاً من عوامل إغنائها.
هذه العلامات الإيجابية لا تلغي حقيقة أن قضية اللاجئين وحق العودة معرضة لخطر داهم في أية عملية تفاوضية تتناول قضايا الحل الدائم بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وأن السياسات التنازلية للمفاوض الفلسطيني أفسحت في المجال أمام عدد من الأطراف العربية لتتحلل من واجباتها القومية نحو هذه القضية، كما أفسحت في المجال للعديد من دول الغرب، للتنصل من واجباتها الإنسانية، والتزامها تطبيق القرار 194، وبما يصون حق العودة. وهو ما يعني أن ثمة مهاماً كبرى تنصب أمام حركة اللاجئين ولجان الدفاع عن حق العودة لصون هذا الحق، ورفض الحلول البديلة عنه. ومما لا شك فيه أن العام الستين للنكبة (بما يرمز إليه من مرور ستة عقود على هذا الحدث الذي أعاد رسم خارطة المنطقة وتركيبتها السياسية والجغرافية) يشكل ميداناً زمنياً فسيحاً لإعادة تظهير قضية اللاجئين وحق العودة، وتسليط الضوء عليها أكثر فأكثر، وتوفير المزيد من عوامل استنهاض حركة اللاجئين، وكسب أصدقاء جدد لها على الصعيد العالمي، ومحاصرة المفاوض الفلسطيني، والضغط عليه، ليتراجع عن سياسته التنازلية، لصالح التمسك بحق العودة، كما أكدت عليه المؤسسات التشريعية الفلسطينية، والوثائق الوطنية، كان آخرها وثيقة الوفاق الوطني (وثيقة الأسرى) التي توحد حولها المجتمع الفلسطيني بكل قواه السياسية وفعالياته المدنية ومنظماته الأهلية دون استثناء في الداخل والخارج على السواء، في 27/6/2006 وأصبحت عنواناً للوحدة الوطنية الفلسطينية وأساساً متيناً لها.
*كذلك يشكل العام الستون للنكبة، وما سوف يتخلله من أنشطة وفعاليات فرصة لتسليط الضوء أكثر فأكثر على الأوضاع الاجتماعية لمخيمات اللاجئين، في ظل تراجع دائم في خدمات وكالة الغوث، وغياب دور دائرة شؤون اللاجئين في م.ت.ف. وتحلل بعض الدول المضيفة من واجباتها إزاء هذه المخيمات، وفي هذا السياق تبرز قضية مخيم نهر البارد في لبنان كواحدة من القضايا الكبرى التي تطال، ليس المخيم وحده ونسيجه الاجتماعي، ومستقبله ومستقبل سكان النازحين، بل وكذلك مجمل الحالة الشعبية الفلسطينية في لبنان. كما تبرز قضية اللاجئين الفلسطينيين في العراق وعلى الحدود باعتبار صوراً من الحالة المأساوية للجوء وضرورة معالجة هذه الأوضاع.
ولعلها مصادفة أن تتزامن الذكرى الستون للنكبة مع استئناف العملية التفاوضية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وقد استبقها رئيس الحكومة الإسرائيلية أولمرت ووزيرة خارجيته تسيبي ليفني بدعوات مكشوفة لشطب حق العودة كشرط إسرائيلي لا تراجع عنه لتسوية باقي قضايا الحل الدائم. وبالتالي فإن العام الستين للنكبة من شأنه أن يشكل فرصة غنية لعموم مكونات حركة اللاجئين الفلسطينيين في مناطق العالم كافة لرفع الصوت الواحد في تحذير المفاوض الفلسطيني من خطورة الإقدام على العبث بحق العودة، والتلاعب به، والاستخفاف بمشاعر اللاجئين ومصالحهم ومواقفهم لذلك نفترض أن تشكل حركة اللاجئين بكل مكوناتها رقيباً صارماً على حركة المفاوض الفلسطيني، تدعمه أن هو تمسك بحق العودة على الديار والممتلكات التي هجروا منها اللاجئين منذ العام 1948، وتنذره، وتضغط عليه أن هو حاول الخروج عن هذا الخط وصولاً إلى ما يفترض أنه قادر على ردع كل من يحاول أن يمس هذا الحق، وأن يعرضه لخطر الشطب من لائحة الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة ومن لائحة الأهداف الوطنية الواجب النضال لأجل تحقيقها، عاجلاً أم أجلاً.
كما نرى من جانب آخر أن العام الستين للنكبة فرصة غنية لفتح ملفات وكالة الغوث (الأونروا) وملفات الجهات المانحة التي توفر لها التمويل المطلوب. فدائماً تتذرع الوكالة بنقص التمويل، للتخلف عن أداء مهماتها نحو ملايين اللاجئين الفلسطينيين داخل المخيمات وخارجها. وقد أكدت تجربة مؤتمر باريس الأخير أن الأزمة المالية في وكالة الغوث لا تتمثل في قدرة المجتمع الدولي على توفير الأموال اللازمة لتغطية نفقات الوكالة، وبما يمكنها من تقديم خدمات تستجيب للحاجة الحقيقية للاجئين، خاصة من هم في الضفة الفلسطينية، وقطاع غزة وفي ضيافةة الدول العربية المجاورة لفلسطين. إن الدول المانحة، والتي أكدت أن بمقدورها توفير ما يزيد على سبعة مليارات دولار للسلطة الفلسطينية لبناء الأجهزة الضرورية لقيام الدولة المستقلة، قادرة بالضرورة على توفير بضعة عشرات من الملايين لحل الأزمة المالية للأونروا، ورفع مستوى خدماتها إلى اللاجئين، إذن، أن أزمة المال في الأونروا هي سياسية أولاً وأخراً، ولا تتعلق بوفرة السيولة وبالقدرة الاقتصادية لدى الدول والجهات المانحة، وتفترض أن العام الستين للنكبة سيكون عاماً للنضال لأجل الضغط على الوكالة لتطوير خدماتها وتحسينها.
كذلك تنتصب في مقدمة المهام المطروحة على حركة اللاجئين، قضية مخيم نهر البارد المنكوب، والذي استعاد أهله الصور الأولى للهجرة حين اضطروا إلى الفرار من مخيمهم تحت وطأة القصف الذي تعرض له، وفي المعارك بين عصابات العبسي وقوى الجيش اللبناني ونفترض أن هذه القضية لا تخص سكان المخيم وحدهم، أو اللاجئين في لبنان وحدهم، بل تخص عموم حركة اللاجئين في أنحاء العالم، لذلك نتصور أن تلقى قضية مخيم نهر البارد اهتماماَ مميزاً من قبل حركة اللاجئين بمكوناتها المختلفة، وبحيث ينظم اللاجئون أسابيع خاصة بنهر البارد، تخلص إلى توفير المساعدات الضرورية لإغاثة النازحين من أبنائه، والمساهمة في صندوق إعادة إعمار المخيم، مدركين مسبقاًَ أن إعادة أعمار هذا المخيم سيشكل ضمانة لنا في المخيمات الفلسطينية في لبنان، وأن التقاعس في إعادة بنائه سيشكل خطراً على الوجود الشعبي الفلسطيني في لبنان برمته.
ونعتقد أن العام الستين للنكبة سيشكل في حد ذاته فرصة، عبر الأنشطة والتحركات المختلفة التي سوف تتخلله، للتقريب بين وجهات نظر المكونات المختلفة لحركة اللاجئين. إذ لا بد من الاعتراف أن ثمة نقاشاً لا يتوقف في صفوف هذه المكونات، يدخل في معظمه في الوقت الراهن في باب النقاش النظري، لكن الوقائع تؤكد، في نهاية المطاف، أن الخطر الذي يحيق بقضية اللاجئين وبحق العودة من شأنه أن يدفع بهذه الخلافات والنقاشات إلى الوراء،وأن يدفع إلى الأمام بالحاجة الضرورية إلى توحيد جهود اللاجئين في مواجهة الاستحقاقات والتحديات التي تنتصب أمامهم، بدءاً من التصدي لمشاريع التوطين والتأهيل والتهجير المطروحة إلى طاولة المفاوضات، مروراً بخدمات الوكالة، وصولاً إلى الحقوق المدنية والاجتماعية للاجئين في الدول العربية المضيفة، خاصة في لبنان، وفي العراق، انتهاء بمأساة مخيم نهر البارد.
لذلك نضم صوتنا إلى الأصوات الداعية إلى تحييد حركة اللاجئين وإعفاءها من استحقاقات الاستقطابات الفصائلية والتنظيمية الضيقة، والحرص على الدوام، على تظهيرها حركة توحيدية. توحد صفوف المهجرين في مناطق 48 مع صفوف اللاجئين في مناطق اللجوء والمهاجر والشتات. توحد صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية حول حق العودة، حقاًَ مقدساً وتوحد صفوف الحالة العربية، والإنسانية حول هذا الحق، باعتباره حقاً وطنياً، قومياً، سياسياً، إنسانياً، وقانونياً.
لتتضافر كل الجهود لتجعل من العام الستين للنكبة عاماً للاجئين الفلسطينيين، يحققون خلاله انتصارات ومكاسب تقربهم من ساعة العودة.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World