لماذا شاركت الجبهة الديمقراطية في الحكومة الحالية بعد أن رفضت المشاركة في الحكومات العشرة السابقة؟

معتصم حمادة
2007 / 3 / 28

لفت نظر المراقبين أنها المرة الأولى التي تشارك فيها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في حكومة السلطة الفلسطينية. كما لفت نظرهم، في الوقت نفسه، أنها تسلمت حقيبة الشؤون الاجتماعية في الحكومة الجديدة، مما أعاد توزيع الحقائب بين فتح وحماس، خلافاً لما نصّ عليه اتفاقهما في مكة. علماً أن المصادر الفلسطينية، المقربة من الحركتين تحدثتا عن أن حقيبة السياحة هي التي ستكون من نصيب الجبهة الديمقراطية في حال وافقت على المشاركة في الحكومة.
@ لماذا شاركت الجبهة الديمقراطية في هذه الحكومة، بعد أن كانت رفضت المشاركة في الحكومات العشر السابقة؟
@ ما هي قصة إعادة توزيع الحقائب على القوى السياسية، بحيث تولت الجبهة الديمقراطية حقيبة الشؤون الاجتماعية. ولماذا حقيبة الشؤون الاجتماعية بالذات؟
@ وهل ثمة صفقة ـ على سبيل المثال ـ وراء هذه المشاركة، ووراء توليها حقيبة الشؤون الاجتماعية؟!
@ وأية سياسة سوف تعتمد الجبهة الديمقراطية إزاء السلطة الفلسطينية، بعدما باتت ممثلة في حكومتها.
هذه الأسئلة وغيرها، حملها محرر الشؤون الفلسطينية في > إلى المصادر المعنية في الجبهة الديمقراطية، وعاد بالتقرير التالي.
>
@ رفضها لأوسلو.. واختلافها مع حماس على البـرنامج السياسي حال دون مشاركة الجبهة في الحكومات السابقة
@ الحوار الشامل أثبت أنه هو الحل الأفضل للتوافق الوطني.. بديلاً للثنائية.. والاستفراد
@ ماطلت فتح وحماس في التوافق على أسس الحل.. وانجرتا إلى الاقتتال.. مما يؤكد أن طريق القطبية الثنائية مسدود الأفق.
@الاتفاق في مكة خطوة إلى الأمام في وقف الاقتتال وخطوتان إلى الوراء في محاولة تكريس المحاصصة الثنائية بديلاً للوحدة الوطنية
@ اشترطت <<الديمقراطية>> كسر المحاصصة وإعادة توزيع الحقائب الوزارية للمشاركة في الحكومة. ودعت إلى التمييز بين المشاركة الحقيقية وبين الالتحاق بائتلاف ثنائي بين فتح وحماس
@ الحكومة الجديدة خطوة إلى الأمام.. والوحدة الوطنية مازالت مهددة الأمر الذي يتطلب سلسلة خطوات لتعميقها وتصليبها
* * *
كتب محرر الشؤون الفلسطينية
1ـ تقول الجبهة الديمقراطية، في شرح وجهة نظرها من المشاركة في الحكومة الحالية، إنه سبق لها وأن رفضت المشاركة في الحكومات العشر السابقة التي تشكلت على مدى السنوات الماضية من عمر السلطة الفلسطينية. تسع حكومات شكلتها حركة فتح وترأسها كل من الرئيس الراحل ياسر عرفات، ومحمود عباس وأحمد قريع. وحكومة عاشرة ترأسها إسماعيل هنية وكانت كلها من حركة حماس. والسبب الرئيس لرفض المشاركة في هذه الحكومات كان الخلاف على البـرنامج السياسي.
@ فمع حكومات فتح كان الخلاف السياسي واضحاً يتمثل أولاً في الموقف من السقف السياسي للحكومة (اتفاق أوسلو)، والموقف من المقاومة، وأسس قيام العملية التفاوضية. إلى جانب الاختلاف في تشخيص قضايا الفساد والفلتان الأمني وأسبابهما وكيفية علاجهما، وكيفية تشكيل الأجهزة الأمنية، وأسس قيام الإدارات الرسمية: ضرورة نزع الصفة الحزبية عن الأجهزة الأمنية، وفي الإدارات اعتماد مبدأ الكفاءة بديلاً لمبدأ الموالاة.
@ ومع حكومة حماس تمثل الخلاف في الموقف من م.ت. ف ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، كما تمثل في ضرورة اعتماد بـرنامج سياسي يشكل أساساً كافياً لقيام حكومة وحدة وطنية، تقلب صفحة الاستئثار والاستفراد، التي أدمنت فتح على قراءتها، لصالح صفحة المشاركة السياسية، وفق مبدأ <<شركاء في الدم.. شركاء في القرار>>. وهو المبدأ نفسه الذي كانت حماس طرفاً في المطالبة باعتماده أساساً للعلاقات الوطنية، يوم كانت الحكومة بـرئاسة حركة فتح. ولكن، وكما اتضح، فإن حماس تراجعت عن هذا المبدأ، واتخذت من نتائج الانتخابات التشريعية (المستندة إلى قانون انتخابي انقسامي، مشوه، قاصر) ذريعة لتبـرر استفرادها بالبـرنامج السياسي للحكومة، وبأسس المشاركة فيها، ولتعطي لنفسها الحق في وضع اشتراطاتها على المشاركين معها في الحكومة. وهو ما أدى إلى اعتذار الجبهة الديمقراطية عن المشاركة في الحكومة العاشرة.
الوحدة الوطنية.. في مواجهة الاحتلال
2ـ الوقائع اللاحقة، جاءت لتؤكد صحة قراءة الجبهة الديمقراطية للحالة الفلسطينية، وصحة قراءتها للأسس التي كان من الواجب اعتمادها لتشكيل الحكومة العاشرة، لتكون حكومة وحدة وطنية حقيقية، تمثل سلطة تحت الاحتلال، وتدير شؤون شعب، مازال في مرحلة التحرر الوطني، ويناضل للخلاص من الاحتلال بشقيه الاستيطاني والعسكري. في مثل هذه الظروف لا تلعب الأقلية والأغلبية الدور الرئيسي في تشكيل الحكومة بقدر ما يفترض أن تكون الحكومة إطاراً لوحدة وطنية واسعة، هو العامل الأبـرز والمقرر في صوغ الحكومة وبـرنامجها. الوقائع أكدت أن حكومة اللون الواحد (إن كان اللون الفتحاوي، أو لون حماس) عاجزة عن إدارة الشأن العام، في حالة كالحالة الفلسطينية:
@ هذا ما أكدته تجارب حكومات فتح التي وصلت إلى الطريق المسدود، في أدائها، في الميادين كافة. في الميدان السياسي عبـر أوسلو وملحقاته، وعبـر خطة الطريق وتفسيراتها الأميركية والإسرائيلية. وفي الأداء الخدماتي وصلت إلى مستنقع الفساد والمحسوبية. وفي الأداء الأمني وقعت فريسة الفلتان الأمني، بكل تداعياته الخطيرة على المصلحة الوطنية، خاصة في ظل اعتراف من القوى كافة أن الأجهزة الأمنية، ذات اللون الحزبي الفاقع، والموالي لفتح دون غيرها، تحولت هي إلى مصدر الفلتان الأمني، بدلاً من أن تكون أداة لضبط الأمن وتوفير الاستقرار للمواطنين. حكومات فتح فشلت في توفير عوامل الصمود للمجتمع الفلسطيني، بل، والعكس من ذلك، لعبت دوراً في إضعاف هذا الصمود، عبـر مظاهر الفساد والفلتان الأمني، والتسيب السياسي.
@ وإذا كانت تجارب حكومات فتح قد احتاجت إلى تسع سنوات كي تصل إلى عتبة الإفلاس (جرى التعبير عنه في الفشل الذريع الذي حصدته فتح في الانتخابات التشريعية وقبلها في المحلية) فإن تجربة حكومة حماس لم تتطلب سوى بضعة أسابيع قليلة لتعترف أنها عاجزة، بصيغتها القائمة، عن أداء دورها. فهي محاصرة سياسياً، على الصعيد العربي والإقليمي والدولي. وهي محاصرة اقتصادياً ومالياً. ولم تنجح في الوفاء بالوعود التي أخذتها على عاتقها، أمام جمهورها، وأمام المجتمع الفلسطيني، إن من حيث الأداء السياسي، أو المالي، أو الأمني.
وثبت أن مراهنات قيادة حماس على بعض العوامل والعناصر، هنا أو هناك، كانت مراهنة خاسرة، استندت إلى نزعة إرادية، هي أقرب إلى المغامرة بمعناها السلبي، أكثر مما هي قراءة مدروسة ومتأنية وواقعية (بالمعنى الكفاحي) للعوامل المختلفة التي تحيط بالحالة الفلسطينية، ولا يقلل من أهمية هذا الاستنتاج معاندة بعض قادة حماس للوقائع، ورفضهم إعادة النظر في التركيبة الحكومية للحركة، بذريعة أن هذا سوف يوفر لخصومها الذريعة لاتهامها بالفشل، وأن ما جرى ليس فشلاً بل هناك من يحاول أن يدفع بها نحو الفشل.
هذه المعاندة، وبدلاً من أن تعالج المشكلة، زادتها تعقيداً، بحيث بدأت قيادة حماس تتصرف بعصبية مفرطة، وبـردات فعل غير مدروسة، تطلق التصريحات المتوترة، وتوزع الاتهامات جزافاً، مما قاد إلى توتير الأجواء السياسية، وإلى تعكير الأجواء الأمنية. وبدلاً من البحث عن حلول للأزمة، ثم دفع الأزمة نحو النفق، بحيث باتت أزمة عامة تلف الحالة الفلسطينية بكل عناصرها ومكوناتها، وصار من واجب الجميع أن يبحث عن حل لهذه الأزمة، وإخراج الحالة الفلسطينية منها، دون أن يعني ذلك إعفاء حماس من المسؤولية الرئيسية في ذلك.
الحوار الوطني الشامل هو المدخل..
3ـ المدخل المناسب للحل كان في العودة إلى الحوار الوطني الشامل، بديلاً من توزيع الاتهامات والتراشق الإعلامي وتزوير الحقائق، ورسم الأمور على غير ما هي عليه. وقد جاءت مبادرة المجلس التشريعي، بـرئاسة الدكتور عبد العزيز دويك (أحد قادة حماس) لتعطي الإشارة لاستئناف الحوار الوطني الفلسطيني. هنا من الضروري التذكير بأن الحوار لم يبدأ مع مبادرة المجلس التشريعي، بل كان قد انطلق في غزة عام 2002، ثم انتقل إلى القاهرة مطلع العام 2003، ثم عقدت جولة ثانية في القاهرة نهاية العام نفسه، بعدها عقدت جولة في رام الله انتهت بوثيقة 30/3/2004 تلتها جولة في القاهرة في آذار (مارس) 2005 انتهت بإعلان القاهرة الشهير. وبالتالي فإن مبادرة المجلس التشريعي جاءت لتستأنف ما كانت الفصائل قد بدأته منذ ست سنوات تقريباً الحوار الشامل استند كما بات معروفاً إلى وثيقة الأسرى، التي أرسل بها ممثلو خمسة فصائل في سجون الاحتلال، وهي حركة فتح، الجبهتان الديمقراطية والشعبية، وحركتا حماس والجهاد. وعندما ولدت وثيقة الوفاق الوطني في 27/6/2006، جاءت لتكمل ما كان قد بدأ، ولتبني على ما كان قد تحقق، مستندة في معظم بنودها إلى وثيقة الأسرى، التي نالت موافقة معظم أطراف الحوار، بمن في ذلك ممثلو القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني. وقد شكلت وثيقة الوفاق الوطني، مدخلاً للعمل على تطبيق ما جرى تعطيله في الحوارات السابقة، كما شكلت أرضية سياسية صالحة للبدء ببناء الوحدة الوطنية المفقودة، عبـر آليات، مدخلها تشكيل حكومة وحدة وطنية، تعيد تصحيح العمليات الانتخابية عبـر صياغة قوانين انتخابية جديدة، تشريعية ومحلية وفق مبدأ التمثيل النسبي الكامل، بديلاً للقوانين الانقسامية الاقصائية المشوهة كذلك تفتح الباب لإعادة بناء مؤسسات المجتمع المدني كلها، وفق المبدأ نفسه أخذاً بالاعتبار تكريس التعددية السياسية، ومفاهيم الوحدة الوطنية ومبادئ الشراكة السياسية. كذلك أقرت الوثيقة بناء جبهة مقاومة متحدة، بمرجعية سياسية موحدة، وإعادة بناء مؤسسات م.ت.ف. بما في ذلك انتخاب مجلس وطني جديد، للداخل والخارج، يوحد الشعب وقواه السياسية بموجب قوانين التمثيل النسبي الكامل. وعلى هذه الأسس، انطلقت الجبهة في الدعوة إلى استقالة حكومة حماس (الحكومة العاشرة) لصالح قيام حكومة وحدة وطنية، تشتق بـرنامجها من وثيقة الوفاق الوطني، وتعمل على تطبيق ما جاء في هذه الوثيقة. كما دعت الجبهة إلى تفعيل اللجنة الوطنية العليا المعنية بإعادة بناء وإعمار م.ت.ف. ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية واتحاداتها الشعبية.
لا استفراد... ولا قطبية ثنائية
4ـ تقول المصادر المقربة من الجبهة الديمقراطية إن حركتي فتح وحماس ماطلتا مطولاً في حواراتهما الثنائية، للاتفاق على أسس إعادة تشكيل الحكومة الجديدة. كما تعيد التذكير أنها... (أي الجبهة) انتقدت بصوت عال وبوضوح شديد، القطبية الثنائية التي حاولت فتح وحماس فرضها على الحالة الفلسطينية، بذريعة الانسجام مع نتائج الانتخابات التشريعية وموازين القوى (داخل التشريعي) كما أفرزتها هذه الانتخابات. وتوضح المصادر أن الطرفين تصرفا وكأنهما في دولة مستقلة كاملة السيادة، متجاهلين أن الحالة الفلسطينية تعيش تحت الاحتلال، وأن القوانين الصالحة كمقاييس للحياة السياسية في دولة مستقلة كاملة السيادة، بما فيها قوانين الأقليات والأغلبية البـرلمانية، لا تصلح كمقياس للحياة السياسية في الحالة الفلسطينية وهي تعيش مرحلة الكفاح ضد هذا الاحتلال. ولذلك لم يكن غريباً، ولا مصادفة، أن تتنبأ الجبهة بفشل الطرفين بالوصول إلى توافق ثنائي بعيداً عن مشاركة باقي الأطراف الوطنية الديمقراطية الأخرى. وقد أثبتت الوقائع صحة هذا التقدير، في انفجار الاقتتال بين الطرفين في موجات دموية، حصدت مئات الأرواح، وأوقعت عدداَ لا يحصى من الجرحى، كما ألحقت بسمعة الحالة الفلسطينية إساءات أضعفت القضية الفلسطينية في أعين أبنائها، وفي أعين الرأي العام. وتصر المصادر على أن تسجل أن تدخل ثلاثة أطراف، هي الجبهة الديمقراطية والشعبية، والجهاد، هو الذي شكل عاملاً حاسماً في محاصرة حريق الاقتتال، وحصره، والعمل على إطفائه، بالتعاون مع الوفد الأمني المصري المقيم في مدينة غزة.
خطوة إلى الأمام... خطوتان إلى الوراء
@ المبادرة السعودية بدعوة الطرفين، حماس وفتح، لاستئناف الحوار في مكة جاءت حصيلة اتصالات ومشاورات عربية وإقليمية ودولية، لا يتسع المجال لعرض تفاصيلها، لكن قيادة الجبهة كانت على علم بتفاصيلها، تتابعها أولاً بأول، ولم تسجل اعتراضاً عليها، حرصاً منها على إنجاح هذه المبادرة، خاصة في الجهود الهادفة إلى وقف الاقتتال، وتحريم ـ مرة أخرى ـ اللجوء إلى السلاح، واعتماد الحوار سبيلاً وحيداً لحل الخلاف (أي بالضبط كما جاء في وثيقة الحوار الوطني ـ وثيقة الأسرى).
لذلك رحبت قيادة الجبهة من جهة، باتفاق فتح وحماس، في مكة، لكونه استجاب للإرادة الوطنية، عبـر إعلان وقف الاقتتال، وتحريم اللجوء إلى السلاح. وكأن الطرفين كانا يدينان سياستهما الدموية التي انتهكت ما تم الاتفاق عليه في وثيقة الوفاق الوطني، وفي المكتب المشترك في غزة (الذي تشكل من الأطراف الخمسة المعروفة: فتح ـ الديمقراطية ـ الشعبية ـ حماس ـ الجهاد) وفي اللجنة العليا للمتابعة، وفي لقاء الرئيس عباس وخالد مشعل في دمشق. لكن الجبهة انتقدت الشق الثاني من الاتفاق لأنها ترفض المحاصصة الثنائية الاحتكارية بين الطرفين فهذه الماحصصة هي ردة إلى الوراء، وتراجع عن وثيقة الوفاق الوطني وإعلان القاهرة، ومحاولة لتهميش الحالة الفلسطينية، والاتفاق بين الطرفين بالمقابل، على تقاسم احتكار القرار الوطني الفلسطيني. لذلك لم تتوان الجبهة، عن شن حملة نقد صارمة لهذا الشق من الاتفاق فتح وحماس في مكة، داعية إلى إعادة فتحه واستكمال نقاشه في إطار وطني شامل، انتقدته في الاجتماعات المختلفة في اللجنة التنفيذية، وفي لجنة المتابعة العليا، وفي اللقاءات الثنائية، مع فتح وحماس. كما انتقدته في بياناتها العلنية، واعتبـرت أن الحلقة المركزية، لكسر القطبية الثنائية هي الدفع باتجاه كسر المحاصصة بين الطرفين وعدم التسليم بما اتفقا عليه في توزيع الوزارات وتقاسمها، ومصادرة المستقلين. وعدم الأخذ بعين الاعتبار آراء القوى الأخرى. وتقول المصادر إنها لا تكشف سراً إن هي قالت إن قيادة الجبهة رهنت مشاركتها في الحكومة الجديدة باستجابة الطرفين، حماس وفتح، للدعوة إلى كسر المحاصصة، وإعادة فتح النقاش حول توزيع الوزارات، وحول البـرنامج السياسي للحكومة، خاصة بعد أن اتفق الطرفان على تشكيل لجنة ثنائية (من فتح وحماس) لصياغة هذا البـرنامج.
هذه هي شروطنا!!
@ تقول المصادر المقربة من قيادة الجبهة أن وفدها في مدينة غزة عقد اجتماعين: الأول مع رئيس الحكومة المكلف إسماعيل هنية (20/2/2007) والثاني مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (6/3/2007) وإنها في الاجتماعين نقلت رسالتها إلى الطرفين: <<إذا لم يتم فتح القوائم الوزارية مرة أخرى للنقاش، ويعاد توزيع الوزارات، مع الأخذ بعين الاعتبار رأي الأطراف الفلسطينية، ورأي كل طرف في الوزارة التي يرغب بتوليها، فإن الجبهة ستعتذر عن المشاركة>>. وأوضحت الجبهة موقفها <<إنها ترغب أولاً في التأكيد على رفض مبدأ المحاصصة، وثانياً في التأكيد على حقها في اختيار الوزارة التي ترى أنها تحترم توجهاتها وأنها توفر لها الفرصة لتقوم بدورها في إطار حكومة الوحدة الوطنية بما يعزز دور هذه الحكومة>>. وأعادت الجبهة التأكيد على أنها تميز بين <<حكومة وحدة وطنية تكون حصيلة لحوار تشارك فيه الأطراف كافة، وبين حكومة ائتلافية بين فتح وحماس، تلتحق بها القوى الأخرى في المواقع التي تعينها لها هاتان الحركتان>>. وقد علقت الجبهة موقفها من المشاركة بانتظار رد الطرفين، فتح وحماس، دون أن تفصح عن الوزارة التي ترغب في توليها، مغلبة المبدأ (أي كسر المحاصصة أولاً) على باقي التفاصيل. الرد جاء من فتح، التي أبدت استعدادها لإعادة فتح النقاش حول توزيع الوزارات، بما يتوافق مع رغبات القوى المشاركة في الحكومة. حماس، بدورها، وعلى لسان الناطقين باسمها، أكدت تمسكها بما تم الاتفاق عليه في مكة وأن الوزارات <<المعروضة>> على القوى الأخرى هي: الإعلام، الثقافة، المرأة، والسياحة. ورفضت حماس إعادة فتح النقاش حول توزيع الوزارات لكن الملاحظ، فيما بعد، بعد أن حسمت الجبهة الشعبية موقفها في رفض المشاركة في الحكومة، وافقت حماس على مبدأ إعادة توزيع الوزارات، لتفسح في المجال أمام الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة، للمشاركة في الحكومة.
الأمر الذي أوضح مرة أخرى أن ما يحكم هذه السياسة، هو المصلحة الفئوية وأن ثقافة الوحدة الوطنية، والمشاركة، ما زالت تشكو خللاً في وعي بعض القوى السياسية لها. وعندما سئلت الجبهة عن الوزارة التي ترغب بتوليها، قدمت أكثر من اقتراح وفق الأولويات التالية: الشؤون الاجتماعية، الأسرى، الأشغال العامة والإسكان، الصناعة والعمل والتربية والتعليم. وهي موزعة كما هو معروف، بين حماس وفتح بموجب الاتفاق الذي توصلا إليه في مكة. وتضيف المصادر أنه جاء من يهمس في أذن الجبهة بإمكانية أن تعطى لها وزارة الإعلام (وهي واحدة من الوزارات التي بقيت خارج المحاصصة بين فتح وحماس) وقد كان رد الجبهة على الشكل التالي: <<لن تقبل الجبهة بوزارة من تلك التي بقيت خارج المحاصصة وهي الإعلام، الثقافة، المرأة والسياحة. ولن تقبل بمبدأ المحاصصة لأن ذلك يعيدنا إلى مبدأ الكوتا الذي تم رفضه في حوار القاهرة وفي وثيقة الوفاق الوطني. كما أن ذلك من شأنه أن يهدد الوحدة الوطنية، ووحدة المجتمع، وأن يكرس مبدأ التقاسم الثنائي، في الوزارات، والأمن، والإدارة، والسفارات والقنصليات، ويغلب مبدأ الموالاة على مبدأ الكفاءة، فضلاً عن أنه يهمش المجتمع لصالح طرفين ويعزز من الفساد والمحاباة، والمحسوبية وغير ذلك من الأمراض الاجتماعية التي أنتجتها سياسات الاستفراد على مر السنوات الماضية>>. وتخلص المصادر إلى القول إن الطرفين اضطرا في حوار ثنائي إلى إعادة فتح النقاش حول توزع الوزارات فتم الاتفاق بين فتح وحماس على تبادل وزارتي الزراعة والعمل، لمنح الجبهة وزارة العمل. ثم عرضت على الجبهة وزارة الزراعة، إلى أن رسا الحل عند الاستجابة لأولويات الجبهة، فتم تسمية ممثلها، صالح زيدان، وزيراً للشؤون الاجتماعية. وبذلك قبلت الجبهة بمبدأ المشاركة. لكنها لم تقف عند هذا الحد. بل تقدمت، بعد ذلك بسلسلة مطالب بهدف تطوير بناء الوحدة الوطنية وتخليصها من إسار المحاصصة والثنائية القطبية.
لتطوير الوحدة الوطنية
6ـ من أبـرز المطالب التي تقدمت بها الجبهة الديمقراطية لوضع أسس أفضل لقيام حكومة وحدة وطنية، وفتح الباب لتطوير هذه الوحدة والدفع بها إلى الأمام كان التالي:
@ عدم الاكتفاء بالبـرنامج السياسي الذي صاغته لجنة مشتركة من فتح وحماس، والدعوة بدلاً من ذلك إلى لجنة خماسية، تتمثل فيها القوى السياسية والقوائم الرئيسية (حماس، فتح، الديمقراطية، حزب الشعب، والمبادرة الوطنية)، تكون معنية بصياغة البـرنامج السياسي. وقد تمت الاستجابة لهذا الموقف، لذلك صدرت 3 طبعات للبـرنامج السياسي للحكومة، بفعل النقاش الذي خضع له، والتعديلات التي أدخلت عليه. (راجع القراءة في البـرنامج السياسي للحكومة في مكان آخر من هذا العدد).
@ فتح لجنة الشراكة السياسية المشكلة من ممثلي فتح وحماس، لتضم جميع القوى السياسية، بديلاً من الاحتكار الثنائي، وتم كذلك الاستجابة لهذا الموقف.
@ تشكيل مجلس وزراء مصغر تتمثل فيه القوى السياسية في الحكومة، والقوائم الانتخابية يكون معنياً بدراسة الشأن السياسي والأمني.
@ الدعوة لتطوير قانون الانتخابات التشريعي (وقد ورد ذلك في البـرنامج السياسي حين دعا إلى قانون انتخابات جديد، في اعتراف بتخلف القديم) علماً أن الأجواء تجمع على ضرورة اعتماد قانون انتخابات وفق مبدأ التمثيل النسبي عملاً بما جاء في وثيقة الوفاق الوطني ـ وثيقة الأسرى.
@ تشكيل لجنة خماسية من فتح وحماس والديمقراطية والشعبية والجهاد للإشراف على تطوير الأجهزة الأمنية ونزع الصفة الحزبية عنها.
@ تشكيل مجلس للأمن القومي، يكون مسؤولاً عن وضع الاستراتيجية الأمنية الملزمة للجميع.
@ تكريس دور المكتب المشترك (القوى الخمس) لمعالجة ذيول الاشتباكات بين حماس وفتح، والتي ورد ذكرها في البـرنامج السياسي.
وتخلص الجبهة إلى التأكيد أن ما جرى خطوة إلى الأمام، لكنها ما زالت مهددة بالارتياد إلى الوراء، ومعرضة لخطر الوقوع مرة أخرى في فتح المحاصصة والاستئثار الثنائي، الأمر الذي يستدعي تعميق أسس الوحدة الوطنية، عبـر الالتزام الواضح والصريح بوثيقة الوفاق الوطني، وتفعيل اللجنة الوطنية المعنية بإعادة بناء م.ت.ف. ومؤسساتها، وتبقى في النهاية، العبـرة في التنفيذ.