التطورات العالمية

صالح بوزان
2007 / 2 / 9

التطورات العالمية
وجدلية العامل الداخلي والخارجي في التغيير والتطوير
القسم الأول ــ طبيعة الصراع العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، انتشرت مقولة العالم"قرية كونية". وانبثقت هذه المقولة أصلاً من مصطلح العولمة الذي تردد على لسان جميع الكتاب والمفكرين والساسة في الشرق والغرب على حد سواء. وسرعان ما برز اتجاهان أساسيان في مسار العولمة. اتجاه أوروبي يستند إلى فاعلية قوانين النظام الرأسمالي الذي أصبح بدون منافس بعد أن أزيحت أمامه المنظومة الاشتراكية، وبالتالي انفتح المجال له للسيادة على المجتمع البشري في القرن الجديد. ولهذا الاتجاه تراث فكري واقتصادي واجتماعي عريق، بدأ منذ الثورات البرجوازية في أوروبا وما تبعتها من ثورات صناعية وتكنولوجية ومعلوماتية بمراحلها المختلفة.
أما الاتجاه الثاني فجسدتها الرأسمالية الأمريكية، هذه الرأسمالية التي لا تختلف من حيث الجوهر عن الرأسمالية الأوروبية، إلا أنها مزيج بين طبيعتها الاقتصادية وبين الايدولوجيا والعسكريتاريا.
طبعاً هناك اتجاه ثالث تجسده منظومة ما قبل المجتمع المدني في "العالم الثالث". هذا الاتجاه الذي مازال يحتفظ بالكثير من طبيعته اللاشرعية التي تأسست في مرحلة الحرب الباردة. ويسعى للاستفادة من العولمة مع الاحتفاظ بالاقتصاد البترياركي المدموج بالاستبداد الشرقي، سواء على صعيد المجتمع، أو على صعيد الدولة. يريد هذا الاتجاه عزل المجتمعات الشرقية عن قيم الحضارة المعاصرة، ولا سيما في مجال الحقوق الفردية والجماعية، وقيم الديمقراطية وحرية الفكر والتناوب السلمي للسلطة.
مهما كان الجوهر الاستغلالي في الرأسمالية واحداً منذ ظهورها وحتى الآن، فإن تطورات كبيرة حدثت على بنيتها مع الزمن، بحيث باتت تختلف كثيراً عن رأسمالية القرن التاسع عشر التي درسها ماركس في كتابه المشهور"رأس المال". ولعل أهم جانب في هذا التطور هو ما حدث في الطبيعة الوحشية للرأسمالية البدائية، خصوصاً في الموطن.
لابد القول أن التطور الذي نتحدث عنه لم يأت نتيجة مواقف فكرية وإنسانية بالدرجة الأولى، بل انطلاقاً من الثورة الكبيرة في بنية الاقتصاد الرأسمالي، وفي مجال التكنولوجيا والمعلوماتية. لقد أحدثت هذه الثورة انعطافاً كبيراً في مستوى معيشة السكان في المجتمع الرأسمالي، وفي التفكير البشري عامة، وكان لها دور ملموس في إعادة مركزة الرأسمال العالمي على قاعدة الشركات المتعددة الجنسيات، والانتقال اللاحق إلى الاقتصاد المعولم.
أما السبب الثاني في تخفيف الوحشية الرأسمالية البدائية هو كفاح الطبقة العاملة، ولا سيما منظماتها النقابية في سبيل حقوقها. هذا الكفاح الذي جعل الديمقراطية عقداً اجتماعياً بين طبقات المجتمع. وانعكس تأثير تلك الديمقراطية على كافة الشرائح بما في ذلك على الرأسماليين. وقد يعود الفضل في هذا الانعطاف إلى أحزاب الاشتراكية الدولية التي حكمت في العديد من البلدان الرأسمالية.
خلال الصراع الحاد بين المنظومة الاشتراكية والمنظومة الرأسمالية برز عامل ثالث تجلى في سيرورة الصراع بينهما. فكما نعلم أن هذا الصراع تدرج من الأشكال المباشرة إلى البحث عن مقومات تهدف إلى نسف القاعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لبعضهما بعضاً. وإذا كانت الاشتراكية قد حققت في البداية انتصارات بارزة على الرأسمالية، إلا أن الأخيرة سرعان ما أدركت السبب الجوهري في ميل الطبقة العاملة الغربية نحو الاشتراكية. فانتقلت من القمع والاضطهاد ضدها إلى تقديم مكاسب مادية ومعنوية كبيرة لها وللطبقات المتوسطة، بحيث لم تعد هذه الطبقات تسير نحو الفقر كما تنبأ ماركس، بل أخذت تصعد في مختلف المجالات إلى مستوى اقتصادي واجتماعي وثقافي متقدم. وحصلت هذه الطبقات بالنتيجة على حقوق مادية ومعنوية أكثر مما تحققت في ظل الاشتراكية السوفييتية. بل أصبح العامل الغربي أكثر تقدماً من زميله في العالم الاشتراكي. وهكذا بدأ الطابع الثوري للطبقة العاملة الغربية يضعف، وضعف معه التضامن الأممي، والمفهوم العالمي للاشتراكية.
خلق الوضع الجديد للنظام الرأسمالي إمكانية الانتقال من خندق الدفاع عن النفس لغاية السبعينيات من القرن الماضي إلى الهجوم الذي توج بانهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية. لكن الظاهرة الجديدة التي بدأت تشق طريقها بعد هذا الانهيار هي بروز التنافس العالمي بين المراكز الرأسمالية، خصوصاً بين أمريكا من جهة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.
لقد أدركت الرأسمالية الأمريكية منذ البداية أن التطور الطبيعي للعولمة(أي العولمة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية) سيجعل النتائج لصالح الرأسمال الأوروبي والياباني، إضافة إلى الخوف المتزايد لدى أمريكا من التنين الصيني الذي يرفع رأسه على قاعدة اقتصادية متينة. وبالتالي سيؤدي ذلك إلى زوال الدور الأمريكي الطاغي الذي ساد خلال الحرب الباردة والصراع مع النظام الاشتراكي. ولهذا قام الأمريكيون بدمج فاعلية القوانين الرأسمالية مع الأيدولوجيا, هذه الايدولوجيا التي اعتمدت على نشر العولمة من خلال الهجمة السياسية والعسكرية المباشرة تجاه الدول التي خرجت عن المنظومة الاشتراكية، وتجاه "العالم الثالث"(الهدف الأكثر حيوية للعولمة). تذكّرنا هذه الرؤية ببعض مقولات لينين في تبريره للقيام بالثورة الاشتراكية في بلد واحد وليس على صعيد البلدان الرأسمالية كلها، وفي روسيا المتخلفة رأسمالياً وليس في بريطانيا، باعتماده في ثورته الاشتراكية على الوعي والمعرفة وتوظيفهما في التغيير، مخالفاً في ذلك ماركس وانجلز إلى حد ما. أقصد أن الاتجاه الأمريكي للعولمة يتضمن جانباً إرادوياً.
من التناقضات الهامة بين العولمة الأوروبية والأمريكية، هي أن الأولى تريد دمج "العالم الثالث" مع المنظومة الرأسمالية اقتصادياً أولاً، أما الجوانب الأخرى، أقصد الجوانب الاجتماعية والثقافية فستكون تحصيل حاصل للتطور الطبيعي، كما كان يحدث في التاريخ دائماً. ولهذا لم تسع هذه الدول إلى تغييرات راديكالية في "العالم الثالث"، بل كانت تميل إلى التعامل مع البنية السياسية والفكرية السائدة. وهذا ما كان وراء الموقف الأوروبي من نظام صدام حسين، والخلاف مع أمريكا في حربها لتغييره. أما العولمة الأمريكية فقد لعبت الايدولوجيا فيها الدور الأكبر، وكانت تبحث منذ البداية عن حصان طروادة في مسعاها لتحقيق أهدافها العالمية. وقد وجدت في الديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الإرهاب الوسيلة الأنجع في تبرير التغيير اللازم سواء سلماً أو حرباً. خصوصاً أن ثمة تعطش تاريخي لدى شعوب "العالم الثالث" للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان سواء على صعيد الأفراد أو على صعيد الشعوب، نتيجة السيطرة الطويلة للأنظمة الاستبدادية، هذا التعطش الذي تقاطع مع التوجهات الأمريكية الجديدة.
هناك حقائق حول النظام الرأسمالي لا يجوز غض الطرف عنها. فهذا النظام عندما يدعو اليوم إلى الديمقراطية وحقوق الأفراد والشعوب، وإزالة الديكتاتوريات ، فهو لا ينطلق من مفاهيم إنسانية أو قيم أخلاقية بالدرجة الأولى، بل لأن المرحلة التاريخية الراهنة، هي التي جعلت هذه المفاهيم تتفق وتطور النظام الرأسمالي عامة والأمريكي خاصة. فتجسيد هذه المفاهيم في الواقع يخلق التربة الطبيعية لتطور الرأسمالية في "العالم الثالث"، وبالتالي يخلق دورة جديدة لإعادة مركزة الرأسمال العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وهذا هو جوهر العولمة أصلاً. وعندما يستخدم النظام الرأسمالي الحرب فهو ينطلق أيضاً من ضروراتها للنظام الرأسمالي وليس حباً في الحرب. هذه الضرورة التي لا علاقة لها بترسيخ العدالة الإنسانية. ولهذا فالتشكيك بالديمقراطية الغربية، بما في ذلك بالديمقراطية الأمريكية, من قبل الطبقات الحاكمة في "العالم الثالث" وطابورها الثقافي، هو أما نتيجة عدم فهم حقيقة الرأسمالية وتطورها التاريخي، وإما لتضليل الشعوب، ومنع التغيير الذي يستهدف أصلاً هذه الطبقات الحاكمة مع منظوماتها الأيدلوجية والسياسية الأبوية.
أعتقد أن مسار التطور البشري في الألفية الثالثة سيضيق الفارق بين العامل الداخلي والعامل الخارجي في التطور والتغيير أكثر من السابق. وقد تصل البشرية في نهايتها إلى الاندماج. فالتقسيمات الجغرافية السياسية الراهنة على الكرة الأرضية ستتعرض للتغيير، وستجري إعادة التفكيك والتركيب حسب متطلبات جديدة سيفرضها الاقتصاد العالمي. وستدخل غالبية النظريات والمفاهيم الفكرية والسياسية التي سادت في القرن العشرين إلى ذاكرة التاريخ. وستظهر بالتالي نظريات وآراء جديدة جوهرها أن الكرة الأرضية هي ملك لجميع ساكنيها (الملكية الاشتراكية العامة للكرة الأرضية). سيتم ذلك سواء بالحروب الكارثية أو بالاتفاقات الدولية. خصوصاً أن ثمة إحصائية تقديرية تشير أن سكان الأرض سيحتاجون في عام 2050 إلى ضعف ما يمكن أن تقدمه الكرة الأرضية لهم.
صالح بوزان
يتبع ـ (القسم الثاني ــ بؤس الفلسفةالوطنيةالرسمية في التغيير)