الثقافة الجماعية والتعصب الأيديولوجي

محمود كرم
2007 / 1 / 10

معظم المعارف الإنسانية في أغلب الحقول جاءت نتيجة تجارب الإنسان الحياتية في مختلف المراحل والمستويات ، وكان أغلب فلاسفة العصر التنويري في أوروبا يؤمنون بأن المعرفة نتاج التجربة الشخصية في التأمل والتفكير والبحث والممارسة ، ولا تنشأ بالفطرة كما يعتقد البعض ، بل تتخلق المعرفة في طرائق الممارسة الشخصية منذ أن يلامس الإنسان بحواسه المتحفزة وجوه الحياة المختلفة ، وتتوالد المعرفة معه في مخاضات التفكير والتأمل ، وبالتالي يجب ألا تكون معنية بضرورة الانتماء للمرجعيات الدينية والثقافية المتدوالة والسائدة والمتوارثة ، وليست معنية أيضاً كذلك بالخضوع التلقائي الوراثي لحراك تلك المرجعيات ، لأن المعرفة تعتمد اعتماداً رئيسياً على استنطاقات العقل البشري لكل ما يتداخل معه في الحياة ، ومسكونة بالتفكير العقلي النقدي ، وتتواصل المعرفة في تدرجاتها الفلسفية والقيمية استناداً على قدرات العقل الخلاقة ، وهذا الأمر أشار إليه فلاسفة التنوير في القرن الثامن العشر ، حيث وجدوا أن للعقل البشري قدرات خارقة في استجلاء المعارف والعلوم والاكتشافات وبلورة الفكر النقدي التساؤلي والتشكيكي ، ولذلك تمخضت المعارف العلمية والثقافية في ذلك الوقت عن مواجهة مباشرة وحادة مع المفاهيم الدينية والثقافية التي كانت تروج لها الكنيسة وفق منطوقاتها المرجعية الدينية ونصوصها المقدسة وسلطتها الاستلابية للعقل وحق النقد ، وإذا ما رجعنا إلى أصل المسألة نجد أن المعارف الإنسانية في الحقول العلمية والثقافية والحضارية أوجدها الإنسان من خلال تجاربه البِكر ، وكان فاقداً لها في يوم من الأيام وجاءت استجابة ملحة لحاجاته واحتياجاته في الحياة ولطريقة تعامله ومحاكاته مع الواقع الذي يعيش فيه ، وإلى هذا المعنى يشير المفكر الراحل عبد الله القصيمي في كتابه ، أيها العقل مَن رآك ، حيث يقول : إن فاقد الشيء يعطيه ، إنه دائماً يعطيه ، لهذا وجدت الحياة والكون ، وتطور ، لهذا استمرا يتطوران ، ولو كان فاقد الشيء لا يعطيه كما تقول الفلسفة القديمة لكان مستحيلاً وجود أي شيء وتغير أي شيء ، إن وجود الكون ، والحياة ، والإنسان ، والعلم ، والحضارة ، يعني أن فاقد الشيء يعطيه ، لقد كان الإنسان بلا لغات ولا فنون ولا حضارات ، ولا فلسفات ، لقد كان فاقداً كل ذلك أعطاه ، انتهى ..

وهذا الأمر يحيلنا إلى حقيقة تتلخص في أن تجارب الإنسان الانتاجية والتفكيرية في كافة مراحل حياته هي انعكاس لمجهوداته الكبيرة في انتاج المعرفيات العلمية والثقافية وانعكاس لمجهوداته المضنية في تداخله المثمر مع المجتمع واستنطاقه لأعماق ذاته الباحثة الحرة ، وكذلك لوعيه في تعاملاته وتصرفاته مع الطبيعة من حوله ، وكل هذه المجهودات الإنسانية في البحث والتفكير والانتاج والاستنطاق والتشكيك وليدة الألم والمعاناة المستمرة على المستوى الشخصي ، أما أولئك الذين يؤمنون بالمرجعيات الدينية والثقافية السائدة وبالمسلمات الوراثية ويعتقدون بها ويتواصلون معها في كل مرحلة من مراحل حياتهم ، فهم لم يعانوا أبداً من الاشتغال على مستويات التفكير والنقد ، ولم يجربوا الألم على مستوى العقل والتفكير والبحث ، وكل ما آمنوا به هو نتيجة عمل استسلامي خالي من أي جهد أو معاناة أو ألم ، وممارسة سلوكية وثقافية لقابلية الذات في الخضوع التلقائي للمتداول والسائد والموروث والمقبول والمتعارف والمفروض ، ولذلك كما هو معروف فإن نزعة الإنسان الذاتية تميل دائماً إلى الذوبان في منطق الجماعية ، ويتماهى معها إيجاباً وسلباً ، ويتخذها مرجعية اخلاقية وثقافية وعقائدية له في تصرفاته وممارساته وتفكيره ، وحتى في إثبات حدود وجوده وجوانب كينونته ومدارات ذاته ، فالإنسان عموماً من غير الجماعية يجد نفسه خارج الوجود وخارج الحياة وخارج المقبول والمتعارف ، فتكون الجماعية مسيطرة عليه سيطرة كاملة تفقده الاستقلالية والرأي الحر وتسلبه التفكير والقرار المستقل ، ويجد الإنسان فيها في النهاية طريقه وخلاصه وحاضره ومستقبله وبوصلته من دون أية مجهودات ذاتية تقوم على الاستقلالية والمعاناة والألم والتفكير والبحث والمواجهة ، ويقول القصيمي في هذا الصدد : الإنسان جماعي في عقائده ، وتقاليده وانفعالاته ، وسلوكه ، وهو يؤدي هذه الجماعية بلا صعوبة ، ولا تفكير ، ولا معاناة ، كما يؤدي طقوسه وصلواته ، بل إنها لتكاد تعمل فيه كأنها الغريزة ، انتهى ..

وإذا ما حاولنا تقصي أساليب الثقافة الجماعية المؤدلجة في السيطرة على عقل الفرد وعلى أحاسيسه وعواطفه وربما على أدق تفاصيل حياته ، فإننا نجد إنها في النهاية تريد منه أن يكون مؤمناً إيماناً كاملاً بتوجهات عقليتها المصلحية وبالحالة الثقافية وحتى النفسية التي هيَ عليها ، وبطرق تفكيرها الجماعي ، وبشعاراتها المعروفة الاستهلاكية ، ومردداً لأدبياتها النقلية والتلقينية والشفهية والتراثية ، فالجماعية لا تريد من الفرد أن يكون مؤمناً من الأساس بالهدف الذي تعمل من أجله ، أو لمَن تعمل ، أو بأي مذهبٍ فكري تسير وتسترشد ، بل تريد أن تستغله في أن يكون نسخة مطابقة لتصرفاتها وحماقاتها وشعاراتها الغبية وموروثاتها التلقينية البليدة وبلادتها الغوغائية ومصالحها ومشاريعها ، وكما يقول جوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير : إن الفرد لوحده يكون مستقلاً عاقلاً يتمتع بالقدرة على النقد فإذا انخرط بين كتلة الجماهير فقد استقلاليته وطاش لبه وماتت الحاسة النقدية عنده ، انتهى ..

ويتحدث المفكر السعودي ( ابراهيم البليهي ) بتركيز مكثف في هذا الاتجاه في مقطع من مقال قيّم له حيث يقول : إن الفرد مرتهن برغبة التكيف وبحرصه الشديد على تجسيد السائد خصوصاً في المجتمعات التي تطمس فردية الإنسان وتذيبه في القطيع فهو ابن مألوفه: إنه مرتهن بطريقة تفكيره واسلوب حياته وبتصوراته وعقائده وعاداته وقيمه وتفضيلاته ومواضع حبه ومصادر نفوره انه مرتهن بما هو سائد فالمجتمع الذي نشأ فيه هو الذي يحدد له المقبول والمرفوض والجائز والممنوع والصديق والعدو وما يرفع المكانة أو يهبط بها فالفرد مصوغ: عقلاً ووجدانا صياغة تجعله مطابقاً في تفكيره وسلوكه لبيئته ولأنه يسعى لنيل الاحترام ويخاف النبذ فإنه يذوب تلقائياً في السائد ويرى أنه بهذا الذوبان يحقق ذاته ويجنبها أسباب الإقصاء ويكون ذلك في الغالب لا شعوريا فهو انقياد تلقائي وهذا من أقوى أسباب استمرار المسلمات ودوام الجهل وسطوة التخلف ، انتهى ..

ولذلك كانت دعوة الفيلسوف التنويري ( كانط ) لتحرير الفرد من ثقافة الاستبداد الجماعي والاسترشاد بتجاربه الذاتية وأن يكون نفسه وقراره ، الطريق نحو تلمس دروب الفكر الحر والثقافة المبنية على الاستنطاق الحقيقي للتجربة الذاتية العقلية لبناء تجربة فكرية مستقلة بعيدة عن هيمنة النسق الجماعي المؤدلج ، السالب للقرار الفردي الفكري الحر ، حيث يقول : العلَّة ليست في غياب الفكر، بل في انعدام القدرة على اتخاذ القرار وفقدان الشجاعة على ممارسته دون قيادة الآخرين ، لذلك فلتكن لديك الشجاعة على استخدام فكرك بنفسك : ذلك هو شعار عصر الاستنارة ، انتهى ..

وربما استخدام ( كانط ) لمفهوم الشجاعة هنا لها دلالة عميقة في هذا الاتجاه ، فمن غيرها يبقى الفرد يجتر منطق الثقافة الجماعية في الأفكار والمعرفيات والمسلمات والقداسات والتقاليد والأعراف ، وبغير الشجاعة الفكرية الفردية المستقلة يبقى الفرد خاضعاً للاستبداد الجماعي الأيديولوجي ، وربما راضياً عنه ومهادناً له ، وسائراً في ركابه ، وإذا ما نظرنا إلى تاريخ الأفراد الذين تمردوا على المألوف والسائد وخرجوا عن العقلية الجمعية وثقافة الأدلجة الجماعية ، منذ جاليليو وإلى مفكري عصر التنوير ، نجد أنهم قد أعلنوا عن استقلاليتهم الفكرية تدفعهم في تبني تفردها وصراحتها وقوتها جرأتهم الشجاعة في ذلك ، وقد تعرضوا بسبب ذلك للتوبيخ والمطاردة والحصار والمخاطرة ، ولكن الواقع في العالم العربي والإسلامي الآن ، يبقى مختلفاً حتى عن واقع أوروبا في عصر ما قبل التنوير ، حيث أن أوروبا في ذلك الوقت ربما كانت تتمتع بشيء من هامش الحرية ، وكانت دوائر التنوير الفكرية تلقى استجابة بدرجات متقدمة من قِبل شرائح كثيرة في تلك المجتمعات ، وكان التململ من سيطرة الكنيسة قد بلغ حده عند المجتمع الأوروبي ، فكان أن دخلت أوروبا عهد التنوير لترتقي بخطوات هائلة مدارج الحداثة في جميع اتجاهاتها المعرفية والقيمية ، بينما لم تزل أنظمة الحكم الاستبدادية وقوى التخلف الديني ومجتمعاتنا المغيّبة في عالمنا الخائب الرديء ، طافحة بالتعصبات الأيديولوجية المتوارثة تغتال الفكر التنويري الحر الجريء الصادم للسائد والموروث والمتداول والخارج على التعاليم الصنمية ومرجعيات النصوص التراثية ودوائر الانغلاق الفكري ، وأصبحت تلاحقه بالفتاوى والقمع والتشويه والإغتيال وأحكام الردة ، ويتطاول عليه بكل البذاءات والوقاحات والنذالات ، التافهون والفارغون والمتعصبون والمغيَّبون والمتوحشون والمعتوهون والظلاميون ، ولم تزل مجتمعاتنا هائجة بالحماقات السياسية والثقافية ، ومشوهة بالدمامات الأيديولوجية ، ومحكومة بجهالات الأصولية الدينية والقومية ، ودميمة بتشوهات الصراعات المذهبية ، ومتباكية على أمجادها الآفلة ، ومجترة لمنقولاتها التراثية ، وراكعة لأصنامها المستبدة ، ورافضة للخروج من عتمات الماضي ، وسائرة في ثقافة القطيع ، وصاخبة بالشعارات الصدئة ، ولم تزل تتوارث هذه الآفات جيلاً بعد جيل ، لأنها لم تدخل إلى الآن عصر التنوير لتصنع الحداثة ، على حد قول الأستاذ هاشم صالح ..

طريق الانعتاق من التعصب الأيديولوجي للثقافة الجماعية ، الناقلة لأجيالها المتعاقبة القباحات المعرفية الدميمة بحكم السائد والموروث والمطلق ، الخطوة الأهم في بناء ثقافة مجتمعية تتأسس على احترام القيم الذاتية للفرد ومنحه حرية التفكير النقدي ، وتتأسس على الإيمان العميق بالوعي الإنساني الخلاق المفتوح على كل الاحتمالات الثقافية والمعرفية ومتخطياً شرور الانغلاقات الأيديولوجية ، حينها يصبح واحداً من أهم الروافد الضاخة لحركة التغيير ولممارسة الفعل الإبداعي والنقدي ، ويهب بذلك العوامل الثقافية ، الأهمية القصوى في كونها القوى الدافعة الرئيسية للتقدم والتحديث والتألق المعرفي في مختلف مجالات الحياة ..