هل ثقافة الحوار والاختلاف ممكنة؟

صالح بوزان
2007 / 1 / 1

سوف أسهل على القارئ عناية الانتظار، وأقول مسبقاً أن ثقافة الحوار وقبول الآخر المختلف غير ممكن في مجتمعاتنا الشرقية عامة والعربية خاصة، على الأقل حتى الآن. ولكي أدلل على صحة هذا الاستنتاج السريع، سوف أطرح بدوري بعض الأسئلة. ما هي المواضيع التي نتحاور عليها؟ على ماذا نحن مختلفون؟ وهل القناعات المكونة لدى كل فرد أو طرف منا قابلة للنقاش؟
تنطلق جميع تياراتنا الفكرية والسياسية من خلفيات مطلقة تربينا عليها في هذه المنطقة منذ بدايات سنوات إدراكنا. وتمتد هذه الخلفيات المطلقة في بعض جوانبها إلى المجتمع الجاهلي العربي، وإلى الفكر الإسلامي الذي لا يلغي الآخر فقط، بل خرج يشهر سيفه للقضاء عليه. وإذا كانت هناك أية تبريرات تاريخية أو دينية لذلك الالغاء في المراحل التاريخية السابقة، فالمشكلة هي أن جوهر هذا المبدأ مازال منتعشاً في العقول الراهنة. فالآخر هو الكافر, هو المرتد، هو الزنديق(دينياً أو سياسياً), وقد برر الله قتله لإقامة مملكة الإيمان. وفي ذلك منفعة دنيوية مادية وتأمين للجنة الموعودة حسب المنطق الإسلامي السياسي. من هنا لا حاجة للحوار مع هذا الآخر، كل ما في الأمر يجب دعوته إلى الصراط المستقيم، و إلا فالسيف، وفي أحسن الأحوال الجزية، وفي الحكومات القومية الوطنية إما القتل أو السجن أو الطرد من الوطن. لقد استمرت هذه العقلية طيلة قرون، ولم تنحصر في العرب فقط، فالعثمانيون أيضاً جسدوها في الواقع العملي ولو مع بعض الفوارق.
لكن ما سميت باليقظة العربية أواخر القرن التاسع عشر بداية القرن العشرين خرجت قليلاً من هذا المسار. ورغم كل انتقاداتنا لها، فقد فتحت الطريق نحو انقلاب في العقل التراثي الإسلامي. ويعود هذا الانقلاب إلى خصوصية هذه الحركة التنويرية وخصوصية روادها. هذه الخصوصية التي تتجلى بالدرجة الأولى فيما يلي:
أولاً- كان الغالبية العظمى من المثقفين والساسة الذين دعوا إلى هذه الحركة التنويرية في المشرق من المسيحيين. ولم يكن ذلك صدفة، فالعقل الإسلامي غير قادر على الخروج من السلفية. بينما كان التراث الذي انحدر منه هؤلاء المثقفون يعود إلى الثقافة المسيحية الغربية، هذه الثقافة التي تكونت بعد الهزيمة أمام الفكر العلماني الذي تجسد بالثورات البرجوازية الكبرى والتي قضت على أحادية التفكير، وخلقت التربة الصالحة للتنوع الفكري . لقد عززت العلمانية وجودها على الأرض مقابل الكنيسة، بل حاصرت الكنيسة في إطارها الروحي. زد على ذلك أن أحد أهداف هؤلاء المثقفين المسيحيين العرب كان السعي لفتح ثقب في التراث الإسلامي الإلغائي ضد طائفتهم عبر القرون.
ثانياً- اكتشف هؤلاء الرواد البون الشاسع بين مجتمعاتهم المتخلفة والمجتمعات الأوروبية المتقدمة. بين النظم البرلمانية في الغرب والاستبدادية في الشرق. هذا الشرق الذي يسيطر الاستبداد فيه على جميع مظاهر الحياة؛ على الفكر والسياسة والعلاقات الاجتماعية. لقد وجدوا أن جوهر هذا الاستبداد يكمن في الانغلاق على الذات وعدم رؤية الآخر.
ثالثاً- لقد وجد هؤلاء المثقفون أن لا خروج من هذا الواقع إلا بالعلم والمعرفة والثقافة العالمية، وهذه كلها موجودة في الغرب. ولذلك انكبوا على دراسة الثقافة الغربية، ثقافة عصر الأنوار، والخلفيات الفكرية للثورات البرجوازية الكبرى والثورة الاشتراكية الروسية ، وكل الأسس العلمية في تطور المجتمع الغربي.
عندما ننظر إلى واقعنا الراهن على الصعيد الفكري والسياسي, نجد أننا لسنا الورثة الحقيقيين لأولئك الرواد ولتلك البدايات التنويرية. بل انقلبنا عليها، ونتهافت اليوم من جديد على الثقافة المطلقة تحت شعارات خادعة مثل الوطنية والمصلحة القومية والدفاع عن الدين الإسلامي. نحن في الحقيقة زنادقة باحتراف، وخنا رسالة أولئك الرواد الأوائل، لننزلق إلى أوهام كبيرة أخذت تتعشعش في عقولنا، وتزدهر باطراد، خصوصا في السنوات الأخيرة، بعد فشل كل مشاريعنا الوطنية والقومية والأممية. وهذه الأوهام التي سادت بعد الاستقلال ومن أهمها::
1- لدينا وهم أننا كمثقفين أكثر إبداعا من المثقفين والمفكرين الغربيين، بل لدى البعض منا تطرف فريد بأننا نتجاوزهم في مجالات كثيرة. وقد أدت هذه النرجسية إلى رفض الثقافة الغربة، أو إلى انتقاءات منها لدعم أوهامنا هذه. وبالمقابل نتسارع في الارتداد إلى التراث، إلى "الأصالة" وإلى مفاهيم تعود إلى ألف وخمسمائة سنة تقريباً، إلى عقلية ما قبل محاولات التنوير في القرن الماضي. فالإسلام الفكري هو الذي عزز الاستبداد السياسي وإلغاء الآخر المختلف. كما أن الفكر القومي العربي المتشدد هو الذي ألغى كل تنوع فكري ممكن.
2- برز الساسة أكثر تطرفاً في رفض الغرب لدرجة العداء، رفض حضارته وقيمه الديمقراطية والإنسانية. إن هذا العداء ليس موجهاً ضد مصالح الدول الغربية الاستعمارية، هذه المصالح التي كان حكام الشرق وساسته يجدون دائما تفاهماً معها. بل هو موجه إلى الفكر الغربي الذي ينسف أسس الاستبداد الشرقي. هذا الاستبداد الذي يجد فيه الفكر الديني والقومي العربي تربته الخصبة,
3- لقد جرى ويجري تربية الأجيال بأن الحضارة المعاصرة خرجت من رحم الحضارة الإسلامية (الحضارة العربية الإسلامية حسب تسمية بعضهم). ولذلك فأية انطلاقة جديدة يجب أن تبدأ من الجذر وليس من الحضارة الغربية الراهنة. وقام العديد من المثقفين العرب (سواء من التيار القومي أو الديني) بنبش الماضي والتقاط بعض العينات من تلك الحضارة القديمة لصياغة نموذج من الندية تجاه الحضارة الغربية. وظهرت مصطلحات غريبة مثل صراع الحضارات، وحوار الحضارات. دون إدراك منطق التاريخ، هذا المنطق الذي يكشف أن الصراع بين القديم والجديد يهدف بالدرجة الأولى لإزاحة القديم الذي يعرقل التطور، وليس التصالح معه، أو الوصول إلى مواقف وسطية.
في العودة إلى الفرز الفكري والسياسي في المشرق العربي منذ القرن الماضي وحتى الآن، نجد أنه تكونت ثلاث تيارات فكرية وسياسية مع الزمن، صبت كل جهودها، رغم الاختلاف الشديد بينها، على رفض قيم الحضارة الغربية في حرية الرأي والمعتقد والديمقراطية وتبادل السلطة، والعيش المشترك وقبول الآخر المختلف. وأصنف هذه التيارات إجمالاً بالآتي:
1- برز لدينا تيار قومي عربي يعتبر كل العالم ضد العرب، فقط لكونهم عرباً وأصحاب "رسالة خالدة"، وكأن في ذلك مؤامرة دولية. وعلى ضوء هذه المؤامرة الدولية المزعومة جرى حشو دماغ جيل كامل بالعداء للغرب الذي يريد ابتلاع الأمة العربية(دون التفريق بين الغرب الحضاري والغرب الاستعماري)، وكذلك ضد الأقليات القومية التي تتعايش مع العرب تاريخياً وعلى أرض مشتركة, هذه الأقليات، حسب زعم هذا التيار، ليست سوى مخلفات الشعوبية القديمة وأدوات بيد قوى التآمر الخارجية.
2- وجاء التيار اليساري بشقيه الماركسي والقومي ليجسد ضمنياً هذا المنطق، بل وجد هذا التيار في الصراع السوفييتي ضد الغرب سنداً له في تعزيز نزعته النرجسية. فوقف ضد مفاهيم الحضارة الغربية، وحشر نفسه في الحلم الاشتراكي الذي سيضعه في مستوى حضارة أكثر تقدماً من الحضارة الغربية. بل وصل هو الآخر إلى تفكير ميتافيزيقي أنه يحمل رسالة خالدة من نوع آخر تبشر بما بعد الحضارة الغربية.
3- وأخيراً ظهر التيار الإسلامي السلفي الراديكالي، وهو تيار ارتدادي في الحقيقة، ويتناقض كلياً مع التيارات الإسلامية المتنورة بداية القرن الماضي, وهو حسب مصطلحاتنا الراهنة تيار رجعي وذو فكر مغلق، وله مظاهر إرهابية غالباً. فمن ناحية يعيش في وهم الفكر السلفي كما سبق القول، ومن ناحية أخرى يسعى لوضع سور عال بين الأجيال الجديدة التي تتطلع إلى قيم الحضارة الغربية في الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية الفكرية وبين التراث الإسلامي السماوي الذي يجعل الإنسان مجرد عبد يعمل لمتطلبات الرب وأولي الأمر.
هذه التيارات الثلاث هي البارزة في مجتمعاتنا حتى الآن بغض النظر عن نجاحاتها وانتكاساتها, وهي التي تسيطر على الحوار الفكري والسياسي والاجتماعي. ولم تستطع تيارات أخرى أن تبرز مثل التيار الليبرالي ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، ويعود السبب في ذلك إلى فقدان القاعدة الاقتصادية والاجتماعية لهذا التيار وإلى التحالف غير المرئي للتيارات الثلاث السابقة الذكر في محاربتها له.
إن منطق هذه التيارات الثلاث هو إلغاء الآخر وليس الحوار معه، ففي الخلفية الإيديولوجية لكل منها لا مكان للأخر أصلاً، وحتى التحالفات التي تقام بينها أحياناً، هي تحالفات تكتيكية مؤقتة، سرعان ما يغدر أحدهم بالآخر والانقلاب عليه عند الاستقواء. أو القضاء على الآخر بطريقة سلمية وهادئة تدريجياً كما حدث للحزب الشيوعي السوري في تحالفه مع حزب البعث في سوريا.
لقد كتب العديد من الأبحاث الانتقادية لفانتازيا فوكوياما حول نهاية التاريخ. لكن تياراتنا الفكرية والسياسية كانت قد وصلت إلى هذه الفانتازيا قبل فوكوياما. فالإسلاميون يعتقدون أن التاريخ انتهى عند الإسلام، والقوميون العرب يعتبرون أن تاريخ شعوب المنطقة انتهت عند الفكر القومي، كما أن الشيوعيين العرب ادعوا أن التاريخ سينتهي عند المجتمع الشيوعي.
ما يلفت للانتباه عندما نتتبع ما يجري على الصعيد الفكري والسياسي في العالم العربي، ولا سيما من خلال الفضائيات نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام مد أصولي جريء، وتهافت مثقفين وساسة بما في ذلك بعض العلمانيين لاختلاق تبريرات لهذا المد الأصولي وتخاذلهم في التحاور الفكري معه. بل نجد العديد من المثقفين قد تخلوا عن كتاباتهم السابقة، وبدؤوا بإعادة إنتاج ذواتهم الفكرية والسياسية بما تصبح مقبولاً أصولياً. يقوم هذا النمط من المثقفين بتسويق فلسفة تبريرية تعطي المشروعية للعداء الإسلامي والقومي ضد الحضارة الغربية . إن جوهر هذا العداء يهدف إلى منع تفكيك الفكر الإسلامي والقومي العربي السلفيين، وبالتالي بقاء الأنظمة القائمة، وفتح الطريق أما إقامة أنظمة حكم جديدة قومية أو دينية أكثر استبداداً من الأنظمة الراهنة. والملفت للانتباه أيضاً تخلي اليسار عملياً عن نضاله ضد الظلم الاجتماعي والطبقي الداخليين، وحصر نفسه في شعارات معاداة الغرب الإمبريالي، دون التفريق بين الغرب الاستعماري والغرب الحضاري كما سبق القول.
في الجانب التطبيقي نستطيع القول أن التاريخ القديم والحديث يكشف في المشرق أن كل سلطة دينية هي سلطة استبدادية، لأنها تنطلق من الحقائق المطلقة، وهذه الحقائق موجودة في كتاب الله أو أقوال قائد ملهم هي صالحة لكل زمان ومكان. كما أن كل سلطة قومية ظهرت في هذه المنطقة كانت استبدادية، لأنها هي الأخرى انطلقت من فكر قومي ميتافيزيقي مطلق، واعتبر معتنقوها أن من يخالفهم في الرأي والعمل هم متآمرون عليهم وعلى الأمة.
ما أريد قوله باختصار أن هذه المجتمعات قد دخلت في حالة استعصاء شاملة، ولا سيما في فترة الحكم الوطني بعد الاستقلال؛ الاستعصاء في السياسة والاقتصاد والنمط الاجتماعي. ويشكل كل ذلك جبل الجليد أمام ولادة ثقافة الحوار والاختلاف وقبول الآخر.
ثمة منطق بشري ساد خلال تاريخه الطويل ومازال، يدلل أن القيم الحضارية هي قيم أممية في الغالب، ولا يمكن أن تقف أمامها حواجز لمنعها من الامتداد إلى شعب أو بلد أو إقليم آخر. وبالتالي فالتطلع إليها هو حق مشروع فكرياً وتاريخياً ووطنياً، ومن ناحية أخرى هو السبيل الوحيد للخروج من التخلف إلى التقدم. غير أن كل الذين يفكرون ويقولون بهذا المنطق في المشرق العربي متهمون بالخيانة الوطنية، وهم إما في السجون أو مشردون في بلاد الغرب.
التجربة الوحيدة في البلدان العربية التي تقبل منطق الحوار والعيش المشترك رغم الاختلافات الفكرية والسياسية والمذهبية هي التجربة اللبنانية، رغم ما تعرضت للانتكاسات خلال الحرب الأهلية والوجود السوري لمدة طويلة، وما يهد هذه التجربة اليوم التيار الأصولي الشيعي وامتداداته الإقليمية.
أعتقد إذا فشلت التجربة الديمقراطية في العراق( ويبدو لي أن القسم الأعظم من الساسة ولا سيما الحكام العرب، والعديد من المثقفين يسعون ويتمنون الفشل لهذه التجربة العسيرة الولادة، ولو أنهم يخفون ذلك تحت شعار معاداة المحتل)، وإذا انتصر حزب الله سياسياً في لبنان، وحركة حماس في فلسطين، فان المجتمعات العربية ستدخل عندئذ مرحلة جديدة من الظلمات، يعيد فيها التيار الأصولي والقومي العربي الناس إلى التخلف العقلي، خصوصاً على صعيد حرية الفكر وتنوع الثقافات والحريات الاجتماعية وحقوق الإنسان.
أميل إلى الاعتقاد أن هذه المجتمعات الشرقية لا تقبل التغيير من خلال بنيتها الداخلية الفكرية والاقتصادية والاجتماعية. فهذه البنية هي بنية مغلقة، لا تتحمل التنوع، وهي تستند إلى المطلق، والمطلق كما قلنا لا يقبل الحوار ولا يقبل الآخر، كما أنه لا يقبل الإصلاح والتغير(ولهذا فشلت التجارب العربية في الإصلاح والتغيير). وإذا ظهر هذا الآخر المختلف بأي مظهر كان فسيجري القضاء عليه بالسيف وليس بالحوار. وبالنتيجة أرى أن هذه المجتمعات المحكومة بالفكر المطلق والاستبداد المطلق، لن تخرج من هذه الشرنقة إلا بتدخل عامل خارجي.
وقبل أن يتهمني أحدهم بالخيانة الوطنية، أوضح أنني لا أقصد بالعامل الخارجي التدخل العسكري. بل أقصد التدخل الحضاري، والامتداد الطبيعي لوحدة الحضارة البشرية رغم كل التنوع في بنيتها.
إن قيم الحضارة الغربية هي قيم عصرية لا علاقة لها بنزعات السياسات الخارجية للدول الأوروبية وأمريكا، ولا علاقة لها بمصالح الدول الخارجية. فالانتخابات والتبادل السلمي للسلطة وحرية الرأي والمعتقد، والعيش المشترك، وحقوق الأفراد والأقليات القومية والمذهبية، هي كلها قيم إنسانية. ولا مخرج لمجتمعاتنا من حالتها الراهنة دون الاعتماد على هذه القيم. و إلا ستجري كالسابق إعادة إنتاج الاستبداد السياسي والفكري والاجتماعي، وحدوث حروب أهلية بين حين وآخر.