يا علماء الإسلام أنتم تبرهنون على صحة ما قاله البابا

صالح بوزان
2006 / 9 / 21

في العالم الإسلامي نعيش في ظل خوف مرعب، خوف من الحكومات الطاغية، وخوف من الإسلاميين الجهاد يين الذين لا يعرفون سوى لغة الدم. من منا يتجرأ أن يقول رأيه الصريح بالإسلام فكراً وتاريخاً ونظام حكم؟ من منا يتجرأ أن يذكر مساوئ الخلفاء وأولي الأمر من المسلمين؟.
أقول هذا الكلام على ضوء الضجة الكبيرة التي أثارها علماء المسلمين وهيئاتهم والغوغائيون الذين سعوا لحرق الكنائس.
لقد برهن علماء الإسلام من جديد أنهم غير قادرين على الدفاع عن الدين الإسلامي بالعقل والمنطق والحجة، ولذلك لجؤوا إلى أسلوبهم المعتاد في التهديد والإدانة وتحريض الشارع( وا.. إسلاما ه..؟) أمام منتقديهم. إذا كان ما قاله البابا لا يمت إلى الإسلام بشيء، فلماذا هذا الضجيج الذي لا معنى له؟. إن من يملك الحقيقة يملك أيضاً أعصاباً باردة، ولا يلتفت إلى كل الترهات لأنها لن تنتصر على الحقيقة. أن ما حدث يعبر عن عصبية لا تمت إلى العقل بشيء، وإنما يهدف ليس في إرعاب البابا فقط( حتى لا يعود إلى إبداء رأيه في الإسلام مرة أخرى إلا بشكل يرضي المسلمين الأصوليين)، بل أن وراء هذا الضجيج هو قمع كل من يخطر بباله أن يقول شيئاً عن الإسلام والمسلمين لا يقبله رجال الدين الحاليين.
ربما يكون البابا ذو نزعة مسيحية عنصرية تجاه الإسلام، وربما مازال يحتفظ بشيء من رواسب الحروب الصليبية، أو هو جندي سري لتوجهات بوش في السيطرة على العالم، وقد يكون أكثر من ذلك. لكنه ألقى محاضرة وهو مقتنع بما قاله في الإسلام عقيدة وتاريخاً(هذا وجهة نظره، ولن تزيل هذه المحاضرة الإسلام من عقول أي مسلم)، فما المانع في ذلك كله، إذا كنا جميعاً نتفهم سمة العصر وندعي الالتجاء إلى الحوار وإلى الرأي والرأي الأخر، ونقول أن الديمقراطية والحرية الفكرية هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى التفاهم وإلى الحقيقة.
أما كان حرياً بعلماء الإسلام تفنيد وجهة نظر البابا بالمثل، ماذا كان يمنع علماء المسلمين دعوة البابا إلى الحوار المباشر حول العقيدة الإسلامية وتاريخ انتشار الإسلام ووسائل هذا الانتشار؟. لماذا يلتجئ علماء الإسلام في القضايا الفكرية والتاريخية إلى الشارع، وتحريض الناس البسطاء ؟.
إن القيام بهكذا رد فعل، يدل إما أن ما قاله البابا هو صحيح، وبالتالي لا يستطيع علماء المسلمين محاججته، ولذلك التجؤوا إلى الأسلوب التحريضي الترهيبي( إما أن تعتذر، و إلا...) على طريقة حكام الشرق. وإما أن علماء المسلمين اليوم هم جهلة بأمور دينهم ولا يملكون سوى فهماً دوغمائياً له، ولذلك غير قادرين على الدفاع المعرفي عنه على ضوء العصر.
المنطق الإسلامي يقول أن مجيء الرسول محمد ودعوته للإسلام أبطلت جميع الديانات السابقة، الوضعية منها والسماوية، وما الاعتراف الموجود في القرآن باليهودية والمسيحية ليس إلا اعتراف من الناحية التاريخية. أي أن الإسلام نسخ كل الديانات السابقة، بما في ذلك المسيحية.
وهذا موقف كل الدينات وخاصة السماوية. فاليهودية لا تعترف بما سلف من الديانات ولا بالمسيحية والإسلام ، والمسيحية أبطلت اليهودية، وجاء الإسلام ليبطل ما تقدم وما تأخر من الديانات. أما وأن بعض رجالات الدين في هذه الديانات وغيرها أوجدوا لغة مشتركة فيما بينهم بعد الحروب الطاحنة، فهو ليس إلا لتجنب البشرية الصراعات الدينية الدموية المقيتة، وهم واقعيون بهذا التصرف، وعقلانيون، ونعم ما يفعلون.
هناك العديد من الكتاب المسلمين يقولون أن الإسلام انتشر بحد السيف. و إلا.. فهل جاء أهل الشام إلى الرسول أو خلفائه وطلبوا منه المجيء إلى بلادهم لنشر الدين الجديد؟ هل استدعى أهل مصر عمر بن العاص ليصبح حاكماً عليهم، وينشر الإسلام بينهم؟ وماذا عن بلاد فارس، والحروب الطاحنة مع أقوامها الذين كان لهم دينهم، ولم يرغبوا بالدين الجديد، بل قاوموه مقاومة عنيفة. لكن التخلف البدوي الطامع بمكاسب الدنيا في نهب خيرات الغير، والموعود بالجنة في الآخرة وما فيها من المتع يسيل لها لعابه، هو الذي فرض الدين الجديد على الأقوام الأخرى. وماذا قال طارق بن زياد بعد حرقه للسفن(البحر من ورائكم والعدو من أمامكم). هل دعا طارق بن زياد الأوروبيين بالعقل والمحاججة إلى الدين الجديد، هل بعث إليهم مبشرين يحملون القرآن بيدهم؟ أم كان السيف هو الذي بيده وهو يقتحم مدينة وراء أخرى؟.
هل يريد العلمان المسلمين أن يخفوا عن الذاكرة البشرية الكتب التاريخية التي كتبها المسلمون أنفسهم؟ وبإمكان أي باحث أن بجرد عدد القتلى المشركين في كل واقعة وعدد الجواري وكمية الأموال المنهوبة التي كانت تتدفق إلى عاصمة الخليفة سواء في المدينة أو في دمشق أو في بغداد؟
لقد خرجت جحافل المسلمين من شبه الجزيرة العربية باتجاه بلاد المشركين وبيدهم القرآن لا السيف (أسلم تسلم). هل يهاجم المشركون ديار المسلمين للقضاء على دينهم، مما اضطر المسلمون مقاتلتهم دفاعاً عن النفس وعن دينهم، وبالتالي السعي فيما بعد للقضاء على أعدائهم في عقر دارهم، على طريقة الرئيس الأمريكي بما يتعلق بالإرهاب، أم العكس هو الذي حدث؟. لماذا يغضب علماء الإسلام من هذه الحقائق؟ ولماذا يستخدمون الإرهاب والوعيد إذا استخرجها أحد من بطون الكتب بما في ذلك الكتب الإسلامية. ألا يستطيعون صياغة الإسلام على ضوء العصر ويخرجونه من براثن تلك المرحلة المظلمة من تاريخه، كما فعلل رجالات الدين المسيحي (بعد انتصار الثورة البرجوازية في أوروبا) تجاه الممارسات التي ارتكبت باسم المسيح في القرون الوسطى الدينية الظلامية.
لقد ارتكب المسيحيون جرائم شتى في التاريخ باسم المسيحية، والكتب التي تتطرق إلى القرون الوسطى مليئة بالحقائق الدامغة. ارتكبوها ضد رجالات الفكر والمتنورين وتطلعات المرأة نحو التحرر، ارتكبوها ضد المسيحيين الذين لم يرضخوا لتفسيرات الكهنة في مختلف مناحي الحياة، ولا ننسى الجرائم الفظيعة التي جرت بين المذاهب المسيحية نفسها، وكذلك تلك التي ارتكبت باسم المسيحية ضد المسلمين واليهود في أسبانيا بعد سقوط الحكم الإسلامي. لكن مسيحيو اليوم لا يتبنون تلك الجرائم، ولا يدافعون عنها، وهم أكثر المتدينين يدعون إلى الحوار والعيش مع الآخر المختلف معهم حتى ولو كان ملحداً، ولماذا لا ترتكب اليوم جرائم جديدة باسم المسيحية في أوروبا؟. وإذا كان رجلاً مثل بوش يريد التخفي ببعض المصطلحات الدينية في حربه على الإرهاب، فيجب أن لا ننسى أن وراء هذه الحرب ليس نشر العقيدة المسيحية، بل المصالح الاقتصادية للرأسمال الأمريكي، هذه المصالح التي لو وقف الدين المسيحي، وليس البابا فقط، أمامها لسحقتها جزمات المارينز.
لم يترك المثقفون والمفكرون في الغرب جانباً واحداً من المسيحية ولم ينتقدوه, خصوصاً في القرن العشرين. لقد قالوا أنهم لا يؤمنون بإله الكنيسة، واعتبروا المسيح ليس ابن الله كما تدعي الديانة المسيحية( هناك من قال ابن زنا)، وقالوا أن المسيح مخنث، وشكّوا بشرف أمه, وقالوا كانت هناك علاقة جنسية سرية بين المسيح ومريم المجدلية. قالوا كل ذلك.. وغير ذلك، فهل أعلن البابا الجهاد على هؤلاء؟ وهل استباح دمهم؟. هل يُقتل الناس اليوم في الغرب بسبب معتقداتهم الدينية؟ ولماذا يجري كل ذلك في ديار الإسلام ؟
هل يستطيع عالم ديني إسلامي واحد أن يفسر لنا هذه الظاهرة في بلداننا الإسلامية؟ فسروا لنا يا علماء الإسلام، ما ذنب مسحيي غزة ولماذا جرت محاولة حرق كنائسهم نتيجة ما قاله البابا؟ وما ذنب تلك الراهبة التي قتلوها في أفغانستان باسم الإسلام؟ ألا يدل كل ذلك على تراث عدائي في الثقافة الشعبية الإسلامية ضد المسيحية وكل شيء غير إسلامي عامة؟ ماذا فعل علماؤنا المسلمون من نشر الرحمة والتآلف بين الديانات والمتدينين عبر التاريخ لو كانوا فعلاً يؤمنون أن الإسلام دين الرحمة.
إننا في الشرق نخشى التعبير عن قناعتنا، أو المناقشة الصريحة في أمور الدين، لأن السيف فعلاً مسلط على رقابنا. هل يستطيع الذين قتلوا حسين مروة ومهدي العامل وفرج فودة أن يتكلموا عن سماحة الإسلام، وأنهم يجسدون ما جاء في القرآن(ولكم دينكم ولي دين). هل يستطيع هؤلاء الذين يصرخون اليوم: وا اسلاماه.. باسم أي ديانة جري تهديد المرحوم نجيب محفوظ ومحاولة قتله، وأخيراً وليس آخراً تهديد السيد القمني بقتله وقتل أولاده أولاده، إذا استمر في نقده للإسلام؟ من الذي يكفر الغير ويستبيح دمه، وينفذ ذلك بدم بارد؟ من الذي يقول الله أكبر ويضع السكين على رقبة الإنسان متلذذاً بالدم البشري المتدفق، لأن ذلك يضمن له الجنة، ولو على رقاب آلاف البشر، هذه الجنة التي تجري من تحتها الأنهار وتعج بالحواري والغلمان؟ من الذي يستخدم مصطلح المرتد ويستوجب قتله؟.إذا كان هناك مسلم ما فقد القناعة بالإسلام والتجأ إلى دين آخر، أو ترك الديانات كلها وأراد أن يعيش على ضوء القوانين المدنية المعاصرة، فلماذا نصرخ وا إسلاما ه..! ونستبيح قتله، أليس الإيمان قناعة شخصية وخيار فردي؟.
إن البرهنة على تسامح الإسلام ليس مجرد كلام يقال، لا مجرد التقاط بعض العينات والمواقف من التاريخ والقول أن هذا هو الإسلام، بل يجب أن يكون التسامح ممارسة عامة وسلوكاً مستمراً في المسلمين تجاه غيرهم.