الإصلاح والثقافة الصنمية

محمود كرم
2006 / 8 / 15

لا أعتقد أن هناك حديثاً أخذ جانباً كبيراً من الجدال والتساؤلات والاستفهامات في العالم العربي والإسلامي كالحديث عن الإصلاح ، ولكن إلى أين وصلنا بكل تلك المجادلات والكتابات والحوارات والمناقشات والتساؤلات ..

ليس خافياً على أحد أن وتيرة الحديث عن الإصلاحات أخذت في التزايد بعد أحداث 11 سبتمبر الشنيعة وما تلتها من أحداث تفجيرية في أكثر من بقعة إقليمية وعالمية كان ورائها المسلمون بالدرجة الأولى ، حتى غدت المقولة المعروفة : ليس كل إرهابي مسلماً ولكن كل مسلم إرهابي ، دلالة على الوضع الذي وصلت إليه الحال في الأمة الإسلامية والعربية ، فكانت الحصيلة التي خرجت بها الأوساط المتابعة للشأن الإسلامي والعربي مؤداها أن منطقتنا بحاجة ماسة إلى جملة من الإصلاحات في جوانب عدة ، منها ما هو سياسي وما هو وديني واجتماعي وثقافي ، بينما راح البعض ممن شعروا باليأس والاحباط من واقع العرب والمسلمين ووجدوا أن أمتنا لا تنفع معها كل وسائل العلاج وذلك بسبب الخلل البيلوجي المتعلق بالجينات الوراثية ..

وتحول الحديث عن الإصلاح والإصلاحات في مجتماعتنا ووسائل الإعلام إلى جدل عقيم ومناقشات تشنجية محتقنة ، تحولت في معظم الأحيان إلى اعتلالات مرضية ذهنية وثقافية استوطنت تلافيف العقلية الإسلامية ، وأصبح كل مَن يدعو إلى ضرورة تبني الإصلاحات يُتهم لا محالة بالتخوين والعمالة والتغريب وقائمة طويلة من التهم التي لا حصر لها ، وراح معظم المتحدثين من الكتّاب العرب والمسلمين وعامة الشعوب الإسلامية يلقون بتبعات التخلف والأوضاع المأساوية وثقافات الكراهية ومظاهر العنف والتفجير على الظروف أو على استعماريات الأجنبي للمنطقة في العقود الماضية أوعلى محاولات ( الآخر ) المستمرة لغرق الأمة الإسلامية في متاهات الفساد والميوعة والعولمة والضياع ..

ولم يتوجهوا أبداً إلى نقد الداخل وتفكيك المفاهيم التراثية والدينية والتخلص من استبداد أبوية المرجعيات التاريخية وصنميات ثقافة الرمز ، ومحاولة فهم العالم من حولهم بطريقة عقلانية ومنهجية ، وتغافلوا متعمدين عن فهم تطورات العالم المعاصر ، بل ازدادوا تمسكاً بأبجديات الخطاب الماضوي المتشنج وبالشعارات اللاهبة للحماس الديني الفارغ وبالحماسات العروبية القومية ، ولم يكتفوا بهذا الحد بل اتجهوا إلى الالتفاف على المشكلات الداخلية بالحديث المراهق عن الاحتلالات الأمريكية للعراق وأفغانستان ، والوقوف بدون حياء أو خجل حتى من الضمير الإنساني المتوجع من أعمال العنف والتفجير مع عتاة الإرهاب الديني ودعاة التفجير والقتل والعنف ، ولم يتعلموا شيئاً من درس التاريخ من حيث أن الأمة التي لا تحاول أن تبحث عن أسباب مشكلاتها بنفسها ولا تستشعر أزماتها الداخلية وخطورتها ، أمة تعيسة وستعاود الخطأ في كل مرة وتبرر فشلها دائماً بأعذار قبيحة وأوهام مريضة وأقاويل ساذجة ، وأخذوا يتباكون على القيم الإنسانية المهدورة هنا وهناك ، بينما في واقع الحال إننا وعبر أفعالنا البربرية والهنجهية واللاخلاقية الفاقدة لقيم الإنسانية تعاملنا مع العالم والشعوب من حولنا ، ومن الغرابة أن أكثر شعوبنا العربية والإسلامية واقعة تحت قبضة الإستبداد الديني والسياسي والثقافي ولكنها لا تتألم أو تتوجع من هذا الوباء الفتاك ، والأدهى إنها تنادي بالحريات وهي راضية بالاستبداد الداخلي وربما مستمتعة به ، والأنكى أن المسلم حينما ينادي بالحرية فأنه في المقابل لا يريدها لغيره أو يستكثرها على أحد سواه ولا يطيق أن يجدها عند غيره ، فحتى على المستوى الشخصي لا يحبذ العربي المسلم أن يمنح الحرية للمرأة مطلقاً وقد تكون زوجته لأنها في ثقافته تابعة له فقط ويجب أن تبقى مرهونة لديه إلى أن يواريها الثرى ..

وأكثر الأقوال سذاجةً في هذا الشأن ما تتناقله باستمرار التيارات القومية والإسلامية عن أن الإصلاح ليس الهدف منه سوى تذويب هوية الأمة والتطاول على مقدساتها الدينية والتراثية ، وتناسوا حقيقة واضحة وهي أن محاولات الإصلاح في عالمنا المنكوب بالتخلف والعاهات كانت قد بدأت من الداخل وليس من الخارج مع رواد النهضة والتغيير في الربع الثاني من القرن التاسع عشر على يد محمد عبده والأفغاني والطهطاوي وغيرهم حينما استشعروا فداحة الفجوة التي تفصلنا عن العالم الحديث والمتطور ، ولستُ بصدد الحديث عن مدى جدوائية دعواتهم الإصلاحية التي دعى إليها أولئك الإصلاحيون لأنها كانت تعاني من خلل واضح في بعض جوانبها من حيث إنها روجت لمفهوم عقيم يجد أن الغرب تطور وتقدم لأنه قلّد المسلمين وسار على نهجهم وهو كلام ينطلق من آفة مزمنة لا نزال نعاني منها ومتجذرة في ثقافتنا تعتمد على تقديس الذات الإسلامية وتنزيهها عن الخطأ والتقليل من قدرات الآخرين وانتاجاتهم المعرفية والحضارية ، وبالإضافة إلى ذلك كانت محاولات الإصلاحيين الأوائل تنطلق من آفاق ضيقة ومحصورة في الأغلب في القوالب الدينية والقومية ذات الهويات العربية والإسلامية الخاصة ومنطلقة فقط من هذين المسارين تحديداً ، بدلاً من الانطلاق من رحاب الأفكار والمعرفيات الإنسانية الكونية الخلاقة والفاعلة ومن تموجات المدارس الفلسفية الحداثية ..

ولذلك فإن أية عملية للإصلاح والتجديد في مجالات الفكر والسياسة والاجتماع والدين بحاجة أولاً إلى الإحساس العميق بوجود أوضاع مأزومة خانقة ومشكلات حقيقية تعاني منها الواقعيات المجتمعية في بلادنا ، ومن غير الإدراك بوجود المشكلة فإننا نبقى نجتر المقولات ذاتها من إننا أمة فاضلة ونتستر على كل تلك العاهات والهنات والأوبئة بأردية النرجسية الذاتية والثقافية ونتمترس خلف التراثيات والقداسات الثقافية في العقلية المتقوقعة القابلة بالفكر الدوغمائي وبمرجعيات ( الثابت ) في الوعي التاريخي الإسلامي ، ونعيد انتاج المفاهيم البالية والتهويمات الطوباوية ذاتها المتسمة بالسطحية لكي نقنع أنفسنا إننا لسنا بحاجة إلى تصحيح المسارات وتنقية المنقولات النصيّة ومعالجة الأوضاع المتردية البائسة ، وحينما يتم كل ذلك فمن الطبيعي أن تتداول مجتمعاتنا مقولة أن الإصلاحات مفروضة من الخارج والهدف منها تخريب وتغريب وإفساد أمتنا ( العتيدة ) ، بينما في واقع الأمر يجب أن يتنامى الشعور بضرورة الإصلاح والتجديد على المستوى الذاتي أولاً وقبل كل شيء ، وحينها نعرف أنه من الخطأ الاعتقاد أن عمليات الإصلاح مفروضة من الخـارج ..

المسألة في نظري المتواضع بحاجة في الأساس إلى ثقافة حية تصاحب بناءات التغيير والإصلاح ، ثقافة ناهضة تستفز الذات وتدعوها إلى التطلع الدائم نحو الأحسن والأفضل والأميز وتتشكل في هوية خلاقة تتخذ من عملية الإصلاح عنواناً رئيسياً لها ، وتتقصد هذه الثقافة المتينة تنمية الوعي كأحد أهم المقومات الفاعلة في قضية الإصلاح ، لأن من أهم ما تحتاجه الحداثة بالإضافة إلى آلياتها ، مسألة إيمانها العميق ببلورة ثقافة ناطقة خلاقة تتجذر في المستويات الإجتماعية وتتحول إلى واقع حقيقي يتلمس عمق المشكلات وله تأثيراته الفعالة ومؤثراته المباشرة ..

وتتمثل الثقافة المصاحبة للإصلاح في أهم مكوناتها المعرفية الإيمان الكامل بمبدأ الحريات في كافة المجالات المتعلقة بحياة الإنسان ، فلا يمكن أن نبدأ بالإصلاح من غير توفر المناخات المشبعة بالحرية كثقافة وكمبدأ أساسي يؤمن بها الأفراد والسلطة السياسية على حد سواء ، واعتماد منهج الفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي في السياسة والإقتصاد والمجالات الأخرى ، لأن هيمنة الديني المتخم بالمثاليات الماضوية والقداسة التاريخية يعيق أي بناء إصلاحي تهدف إليه التجارب الإنسانية القائمة في الأصل على مباديء العقلانية والفكر الحر والبعيدة عن التعصب الطائفي والهويات الضيقة والمفاهيم الاستلابية لروح الحرية الفردانية ..

في الحقيقة لا أدري ربما الحديث عن الإصلاح إلى الآن في مجتمعاتنا أخذ جانباً نظرياً فقط ولم يتبلور في واقعيات ملموسة ذات مسارات ثقافية رصينة ومعرفيات واعية لأسباب كثيرة منها ما تطرقت إليها في مقالي المقتضب هذا ، ولكن ما نخشاه في النهاية أن تنطبق علينا مقولة أولئك الذين يجدون أن أمتنا لن تدخل عهود الإصلاح إلا بفعل التدخلات الخارجية وحينها ربما علينا أن نتساءل كثيراً لماذا نحن أمة لا تتغير بفعل الداخل ..