تجاهل الحكومة لاستغاثات ناحية بهرز .

صادق محمد عبدالكريم الدبش
2020 / 8 / 1

بهرز تستصرخ الضمير وتستغيث بتوفير مياه الشرب وانقطاع نهر خيسان منذ سنوات !..
سبق لي أن كتبت مرارا عن بهرز وما تعيشه من مشكلات !..
وما قاسته من نوائب وما تعرضت له من أحداث جسيمة ومؤلمة ، بسيطرة داعش وقبلها القاعدة والمجاميع الإرهابية لفترات غير قليلة ، وما ارتكب بحق أهلها من جرائم ، وما قامت به الميليشيات ، من استباحة المدينة وسبي أهلها قتلا وحرقا وتشريد ، بحرق للبيوت والمساجد، وسيارات المواطنين ، وذهب في يوم واحد بعد دخول هذه العصابات الخارجة عن القانون ، أكثر من ثلاثين ضحية وتم قتلهم بدم بارد وبدوافع طائفية ، وسجلت هذه الجرائم جميعها ضد مجهول ، ولم يتم الكشف عن منفذيها ومرتكبيها ، ولم يتم التعويض عن تلك الجرائم ، وعن الخسائر التي ذهبت أدراج الرياح .
ناهيك عن الذين تمت تصفيتهم ، وجميع تلك الجرائم سجلت ضد مجهول ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : اغتيال ماجد نعمان إسحاق الصافي ونجله محمد ، وسامي الذي اغتيل في بهرز وهو من مدينة الهويدر ، والقاضي أسعد عبد الجبار حاج أبراهيم الذي تم خطفه من بعقوبة وعثر على جثمانه في مقبرة الشريف ، محمد رعد قدوري حاج إبراهيم تم اغتياله بعبوة لاصقة في السيارة التي كان يركبها ، منير جبار ياسين أبو الياس الذي تم اغتياله قرب بيته بإطلاق النار عليه ، نجاخ حمدوش تم اغتياله بإطلاق النار عليه قرب بيته في بعقوبة وفارق الحياة بعد خمسة أيام ، ياسين عزيز عبد الكريم الدبش الذي تم قتله في مجزرة بهرز ، فاخر جميل مصطفى عبد الكريم الدبش تم اختطافه أثناء خروجه من دائرته في بعقوبة وقتله ورميه في نهر ديالى ، مدير مفوضية الانتخابات في محافظة ديالى المحامي عامر لطيف أل يحيى وحارسه الشخصي المختطفين من بساتين بهرز، ولليوم لم يتم العثور عليهم ، والقائمة تطول ولا مجال لذكر الجميع ، وكل العذر والاحترام لذوي الضحايا الذين لم أتمكن من أدراج أسمائهم ، وأنحني أجلالا لذكراهم ، ولذويهم كل المحبة والتقدير والمواساة .
هذا غيض من فيض من المعاناة التي تحملها أهالي بهرز ، الذين هم أهلي وأحبتي وأصدقاء وأخوة أعزاء .
هناك ، معاناة كبيرة لا تقل أهمية عن الذي بيناه أنفا !..
ناحية بهرز .. أو ( ناحية مملكة شنونا ) ، هذه المدينة تعوم على بحر من الأثار التاريخية مهمة ومنها تل الأسمر ، تقع جنوب بعقوبة تبعد أقل من ثلاثة كيلومترات عن بعقوبة ، يشقها نهر خريسان الى نصفين .. قادما من بغقوبة ، وهو موردها الوحيد من الماء، لسقي البساتين التي كانت لا تشابهها بساتين لجودتها وخصوبة أرضها ولجمالها الخلاب .
كانت جنة من جنان الأرض ، وفيها من كل أنواع الفواكه ، وتمتاز بالجودة والوفرة ، وقل نظيرها ، وكانت السلة الغذائية لمناطق عديدة من العراق ، أضافة لبغداد ، والشورجة وتل محمد ، ولا تخلو بهرز من أي نوع من هذه الفواكه وكذلك التمور بأنواعها .
كانت مئات العوائل تعتاش من خير هذه البساتين ، إضافة الى عشرات من الأيدي العاملة التي تعمل بأجر يومي عند أصحاب تلك البساتين .
وفاتني أن أذكر أن بهرز يحدها نهر ديالى الخالد من جهة الغرب !..
مع شديد الأسف تموت هذه البساتين عطشا وبشكل متعمد ، رغم أنها محاطة بنهرين عظيمين وكما قال الشاعر ( كالعيس في البيداء يقتلها الظما ...والماء فوق ظهورها محمول ) .
أنا هنا لست في معرض التعليل وما هي الأسباب ومن هو المتسبب في ضياع هذه الثروة التي رعاها أبائنا والأجداد ، على امتداد قرن مضى بل يزيد على ذلك بكثير ، وبُذل الغالي والنفيس لتكون جنة من جنان الأرض ، يتغنى بها الشعراء والكتاب والمثقفون ، ونستمع في هذه البساتين ، لأصوات هواة المقام العراقي ومطربيه ، وهم يطربونا عند أفيائها وأشجارها الوارفة الظلال وغزيرة الثمار .
ومنذ سنوات والناس تطالب بنجدة بهرز وإيصال المياه لبساتينها ، التي تحولت إلى أثر بعد عين اليوم ، نتيجة للإهمال المتعمد ، بالرغم من كل المناشدات والاستغاثة لكن لا أحد يجيب .
كانت ثروة لا تقدر بثمن ، واليوم تحتاج إلى سنوات وربما لأكثر من عقد أو عقدين لإعادة إعمارها ، وتحتاج إلى مبالغ طائلة ، أذا ما تم توفير المياه لهذه البساتين الهالكة ، فقد تم تجريف الكثير منها وتحويلها إلى بيوت سكنية ، لأن الملاكين الذين يملكون تلك البساتين ، تحولوا إلى فقراء ولا يملكون شيئا بعد أن كانوا يًعتبرون من الطبقة الوسطى ومن أغنياء المزارعين ، فتحولوا بسبب موت بساتينهم إلى العمل بمهن ليست مهنهم والكثير منهم عاطلين عن العمل لليوم ، والظروف حكمت عليهم واقعا جديدا ، واقعا مؤلما وقاسيا ، وينتابهم الحزن والأسى على ما فقدوه من ثروة ومال ، الذي كان مصدر رزقهم الوحيد ، بل كانوا يعتبرون هذه البساتين أشبه بأولادهم ويرعوها كما يرعون عوائلهم !..
من المسؤول عن كل هذا الخراب الذي لحق بالمدينة وببساتينها وبأهلها الصابرين ؟ ..
ولماذا لم يتم تعويضهم عن كل الذي خسروه وتمكينهم لإعادة الحياة إلى تلك البساتين ، متى يتم تعويضهم ؟ ..
ولماذا هذا التعمد والإهمال ؟..
لماذا تتجاهل الحكومات المتعاقبة لتلك المناشدات بالرغم من مرور أكثر من عقد من السنوات ، وعدم الأصغاء إلى ما يعانيه الناس ؟..
ماذا كان دور الحكومة المحلية والحكومات الفيدرالية المتعاقبة كل تلك السنوات ، هل كانوا خيال الماتة ؟..
من سيحاسب المقصرين والمتسببين بهذه الكارثة البيئية ، بتدمير الثروة النباتية التي تشكل المصدر الرئيس لسلة العراق الغذائية ، ونحن أحوج أليها من أي وقت مضى ؟..
هل تدمير البشر والحجر والضرع والشجر ضمن الصراع الطائفي وعلى أساس المنطقة والطائفة والحزب والقومية ؟..
وهل يجوز شرعا وقانونا معاقبة الأرض ومن عليها ؟؟.. لاعتبارات لا إنسانية ومخجلة ، عنصرية وطائفية ومخالفة للدستور والعدل والمساواة ؟.. فأمركم عجيب وأي فكر هذا وما هي تلك المرجعية والفلسفة ، إن كان عندكم فلسفة وعندكم مرجعية أخلاقية ومنهج وثقافة لها علاقة بإنسانية الإنسان .
!
أنا ومعي أهالي ناحية بهرز ، ينتظرون جوابا وافيا وكافيا عن انقطاع الماء في نهر خريسان ومياه الشرب ( الوطنية من الماء والكهرباء ! ) وليس فقط انقطاع الماء عن نهر خريسان ؟؟..
نناشد حكومة الكاظمي وممثلة الأمين العام للأمم المتحدة بالتدخل لإغاثة هذه المدينة وأهلها والتحقيق بتلك الجرائم ومصير المخطوفين ومن تسبب في تلك الجرائم ، والإسراع بإعادة الحياة لبهرز ولنهر خريسان ، لتعود الحياة إلى المدينة وبساتينها، وللبدء بإعادة إعمار هذه البساتين ، ومنح القروض المجزية لأصحاب تلك البساتين .
لنغني أغاني الفرح والبشر والسلام والتعايش بين أبنائها في هذه المدينة العريقة بتأريخها وأهلها الطيبين ، كما تغنى من قبل ، الدكتور حسن الأمين بالنهرين الخالدين ، وهذه بعض من أبياته :
ديالى نهركٍ العذبً... عليه رفرف الحًبً
وطاب الزهر والعشب .. على شطي خريسانا
رئينا الحب ألوانا .