مسلسل ماركو بولو - إطلالة مثيرة على عالم المغول في القرون الوسطى

كلكامش نبيل
2020 / 8 / 1

انتهيت من مشاهدة مسلسل "ماركو بولو" الذي يقع في موسمين- بعشر حلقات لكل موسم - من انتاج شبكة نتفليكس الأميركية عام 2014. في العادة أحب المسلسلات التاريخية وقد يوفر هذا المسلسل للمشاهدين ما يبحثون عنه من إثارة وتشويق وتاريخ ويدخلهم في عالم البلاطات الملكية المثير والمخيف.

يتناول الموسم الأول من مسلسل ماركو بولو سيرة حياة الرحالة الإيطالي الشهير ماركو بولو في بلاط الخان بعد أن رافق والده – الذي لم يعرفه من قبل بسبب رحلات الأخير حول العالم وعلى درب الحرير بالذات. يتطرق المسلسل إلى حياة بولو وسط المغول وما يتعرض له من مؤامرات وما قام به لمساعدتهم واثبات ولاءه ونجاته من الموت عدّة مرات. يظهر المسلسل قسوة المغول ضد من يحاربهم وتسامحهم الديني في الوقت ذاته فهم يرحبون بالبوذيين والطاويين والمسيحيين والمسلمين – وقد ذكر اسم السراسنة في إحدى المرات - وغيرهم. بالإضافة إلى ماركو بولو الإيطالي ووالدة قبلاي خان – التي اعتنقت المسيحية – هناك وزراء مثل أحمد من شمال آسيا والخزري يوسف – الذي يلعب دوره الفنان المصري عمرو واكد. يذكرني هذا بممارسات العثمانيين أيضا في توزير أشخاص يتم أسرهم من شعوب أخرى مع اختلاف واحدٍ يتمثل في تغيير ديانتهم في حالة العثمانيين. يجسد الممثل الإيطالي لورينزو ريتشيلمي دور ماركو بولو.

يمثل المسلسل نافذة على عالم المغول وطباعهم وقوانينهم وحروبهم فضلاً عن المؤامرات في البلاطات المغولية والصينية وفي النهاية الحرب ضد الصين الجنوبية لتوحيد الصين في دولة واحدة. من المثير للاهتمام تصميم ماركو بولو للمنجنيق في الهجوم الأخير وقيام مهندس دمشقي في صنعه، ولكن المضحك بروز كلمات عربية كثيرة في الحلقة الأخيرة في أوساط الجنود – بعضها باللهجة المصرية – وحديث موظفين مع شقيقة المستشار الصيني التي أرسلوها للتجسس على بلاط المغول بالعربية (تفضلي! العشاء) في مشهدين منفصلين. في الحلقة التي ذكرت الحشاشين، كانت هناك رسالة تظهر علامات مسمارية نهرينية بشكل غير دقيق. مع ذلك، المسلسل ساحر رغم ما فيه من مشاهد عنف ويُعد فرصة رائعة للاطلاع على حياة الرحالة الشهير، وقد شوقني للبدء بقراءة كتب رحلاته. تم تصوير المسلسل في ماليزيا وكازاخستان وإيطاليا وسلوفاكيا وهنغاريا والاخراج مذهل بنظري وينقل صورة ساحرة عن تلك الحقبة.


أما الموسم الثاني والأخير من المسلسل، فإنه يركز على أربعة موضوعات رئيسية تتمثل في طعن المغول بخانية قبلاي خان – بتحريض من ابن عمه كايدو –؛ وبحث الإمبراطورة تشابي – زوجة قبلاي – عن وريث لإبنها جينغيم؛ وثورة جنوب الصين ومقاومتهم للمغول؛ وخيانة نائب الملك أحمد وانقلابه على الخان.

تناقش الحلقات العشر موضوعات مثل رفض المغول لسياسة قبلاي في الانفتاح على الشعوب التي قام بغزوها وخشيتهم من تغير نمط حياتهم البدوية ووجود معابد لجميع الأديان في عاصمة قبلاي واحاطته لنفسه بالغرباء وتسرب أسرارهم للعالم ورفضهم التوسع واقامة مدينتيه على أراضِ غير مغولية، لكننا سنلاحظ في الوقت ذاته أن كايدو يتآمر مع والد ماركو بولو وجيش صليبي مدعوم من البابا – بهدف وقف توسع المغول غربا – ودعم الأمير نايان – وهو أمير مغولي اعتنق المسيحية – للغرب بعد أن اختار إيمانه على شعبه، فضلاً عن تآمر كايدو مع أحمد – نائب الملك والذي ينحدر في أصوله من بخارى – وبالتالي فإن كايدو المُعارض للتوسع ووجود الغرباء استعان بكل الغرباء لتحقيق هدفه في ضمان حصوله على لقب الخان الأكبر.

الحلقات مثيرة للاهتمام جدا وتوضح العلاقات في البلاطات وكيف قامت الملكة تشابي بخطة جهنمية لضمان ولي عهد لإبنها باستخدام سائس ليقيم علاقة مع زوجة ابنها ومن ثم التخلص منه، كما سنلاحظ القصة المؤلمة لأحمد الذي خُطف من مدينته وقام الخان بتربيته ولكنه بمرور الوقت يقيم علاقة مع والدته بدون علمه في احدى رحلات جباية الأموال وحقده على الخان بسبب ذلك. كل تفاصيل المسلسل توضح أن "الغاية تبرر الوسيلة" وهو واقع وصفه ميكيافيللي في كتابه "الأمير" وما تمارسه كل الشعوب حتى لو لم يتم وصف هذه الفكرة. نلاحظ أيضا مشاهد رعب دموية كثيرة ومعارك ومشهدين مؤلمين لاستخدام جنكيزخان الجد لسنونوات قام باحراقها وتركها تحلق على مدينة ينوي غزوها، ومن ثم قيام ابنه بإحراق أعداد كبيرة من الخيول وتركها تجري باتجاه المجلس التآمري عليه وقضاءه عليهم بتلك الطريقة.

بعد هذه الخيانات، يؤمن قبلاي أن صلة الدم أكثر جدارة بالثقة، وهو ما كان ماركو بولو يقوله له في البداية عندما شكّ في خيانة أحمد الذي يعتبره قبلاي ابنه، ولكن ماركو نفسه ينقذ الخان في مناسبتين ويثبت ولاءه له على الرغم من كونه غريبا.

بالتأكيد هناك بعض التفاصيل الخيالية وبعض التغييرات في الأحداث التاريخية، لكن المسلسل محبوك بشكل رائع وجميع الحلقات مشوقة وتشد المشاهد. لقد حزنتُ لأن "نتفليكس" أوقف انتاج الجزء الثالث من المسلسل. أنصح كثيرا بمشاهدة المسلسل.