الكورد والاسلام والدولة

سامي عبدالقادر ريكاني
2020 / 8 / 1

ربما لن تجد شعبا دخل في الاسلام كان له هذا الدور الخصوصي البارز في الاخلاص في خدمته الدين طوال عمر الرسالة، بان تكون بهذه الدرجة من التجرد والاخلاص والتفاني الشبه خالي من المصلحة والنزعة الطائفية والقومية بقدر ماقام به الكورد كقومية مسلمة ، ومن ثم بعدها تعرض لهذه الدرجة من الظلم والاضطهاد وهضم للحقوق علي ايدي اخوته المسلمين من الشعوب والقوميات الاخرى، ومازال الظلم مستمرا.

بل ان انطلاقة النهضة الاسلامية التي غذت كل الحركا ت الاسلامية المعاصرة انما تعود بجذور قيادتها الى حد بعيد الى ماقدمه هذه الصفة المتميزة لدى الشخصية الكوردية المسلمة والتي تمثل في حينها (بابراهيم الكوراني )الشخصية الكوردية الذي يعتبر استاذ اساتذة النهضة الاسلامية المعاصرة .

فمن جهة كان اول شخصية وصل الى الحرم المكي بعقيدة وسلوك ومنهج سني يجمع بين السلفية والصوفية متجاوزا الصراع العثماني السلفي العربي الذي ارادوا من هذا التقسيم توظيف الدين لقضايا سياسية قومية.

وكان من جهة اخرى اول من جمع بين المذاهب ودعى الى نبذ الطائفية بين السنة والشيعة واجمع بين حب اهل البيت وبقية اصحاب الرسول من الصحابة.

ويعود الى ابراهيم الكوراني بعد سلسلة من التلامذة استاذية كل من:

1- الدهلوي والذي اصبح بعده استاذا للافغاني، ولخالد النقشبندي.

2- والافغاني كان استاذا لمحمد عبدة وهذا كان استاذا لمحمد رشد رضا وهذا بدوره كان استاذ حسن البنا مؤسس حركة الاخوان المسلمين.

3- وخالد النقشبندي يرجع اليه استاذية الحركات الصوفية الذي يعود اليه جذور كل الحركات الصوفية التركية والتي منها انبثقت حزب العدالة والتنمية التركية الحاكمة الان في تركيا بقيادة اردوغان .

4- ومحمد بن عبدالوهاب صاحب (الحركة السلفية الوهابية)

5- ومجموعة ممن كانوا يمثلون الحركة السلفية المعتدلة التي تعتبر اصحابها من الجماعة التي بقيت على منهج الكوراني ولم تنحرف عنها الا انها غابت عن الساحة الاسلامية لكونها لم تستطع ان تصمد امام الحركات الاخرى التي كانت تقف ورائها اجندات سياسية وتتغذى على الصراعات القومية ومنها الحزبية .
والكوراني يعتبر ثاني شخصية كوردية وظف منهجه من قبل تابعيه بعد وفاته بمدة طويلة وقاموا بتحويرات وتعديلات على رؤيته لتتناسب وخدمة اجندات قومسلاموية .

وذلك بعد حركة صفي الدين الاردبيلي الكورد ي الذي كان يتبع نهجا صوفيا ، ومن ثم تحول منهجه ايضا بعد وفاته بمدة طويلة الى حركة قومية شيعية بنى على اثرها الفرس دولتهم الصفوية(اشارة الى اسم في الدين) بعد تحويرها للمنهج وتوظيفها لاهداف قومية عبر المذهب الاثني عشري الشيعي .

ومن هذه الحركات والافكار والتوجهات والاحزاب تكونت جميع الحركات الاسلامية المعاصرة بمتشدديها ومعتدليها ومسلحيها، والتي تحولت اخيرا لتستفيد منها دول قومية قائمة كل واحدة منها على احدى هذه المناهج والحركات، وقادت بعدها حرب قومسلاموية ضد بعضها البعض في المنطقة، واظهر صورة لها هي( ايران الشيعية، وتركيا الصوف اخوانية، والسعودية العربية اوالخليجية الوهابية .

وفي النهاية كل هذه الدول تحارب اي دولة تقام لصالح اساتذتهم الكورد اصحاب الفضل عليهم، وتساعدهم على ذلك ما بنوه من ايديولوجية اسلامية سياسية ذات بعد قومي او شعبوي لاتصلح اليوم الا لخدمة اهداف المثلث (التركي العربي الايراني) السياسية القومية.

وبالمقابل ان السياسي الاسلامي الكوردي المعاصروحتى العادي منه اصبح بدون اي فلسفة اسلامية خاصة به تساعده في بناء دولته على غرار بقية القوميات الاخرى بحيث تتوافق مع فلسفته الاسلامية ومصلحته القومية .
بل تحولوا الى تلامذة بعد ان كانوا اساتذة، وبدا عملهم وجهدهم بوعي او بدون وعي على الصعيد السياسي لايخدم الا اجندة هذا المثلث السالف ذكره، المناهض لاي وجود قومي سياسي له الا في اطار خدمة رؤيتهم (المثلث) القومسلاموية .

واخيرا اقول الم يحن الوقت للفرد الاسلامي الكوردي السياسي والعادي ايضا بان يراجع نفسه ويعيد بناء فلسفته السياسية الاسلامية الخاصة به بعيدا عن القيام بدور التلميذ والعامل كاجير والمنتظر لمن سيرسم نطاق دولته التي سيسجن فيه باسم الاسلام .

الم يحن الوقت للتيارات الاسلامية الكوردية للقيام بمراجعة هويته واستحضارها من عمق التاريخ الاسلامي الحافل بالمحطات الكوردية الزاهرة فياخذ منها روحيته النضالية الجامعة بين الواجب الديني والوجودي الهوياتي الخالي من التبعية والانتظار.

ومن ثم وعلى اساس هذا المنطق يقوم بصياغة مفوهمه حول معنى السياسة وكيفية ادارتها، ومعنى الحرب والسلم ومعنى الدولة واللادولة .

ومن ثم محاولة ان يجعل منها ارضية صلبة ذات خصوصية هوياتية كوردستانية لها فلسفتها الاسلامية السياسية الخاصة بها ويقوم من خلالها بالتعاطي والتفاعل الداخلي بين مكونات المجتمع الكوردستاني وفعالياتها السياسية خدمة لدولته، ومع بقية الدول الاخرى الاسلامية لاخوته من القوميات الاخرى في المنطقة على المستوى الخارجي خدمة للوحدة الاسلامية، وعلى الصعيد العالمي خدمة للانسانية .

وذلك لان فلسفتنا الاسلامية الكوردية تسير في طريق الهاوية والضياع، فلا اخذ التيارات الاسلامية الكوردية باستقلالية منهج جدهم الكوراني ولا اخذوا بمنهج جدهم الاعلى صفي الدين، ولا اتبعوا منهج السلفية المعتدلة من بقايا تراث الكوراني المعاصر، ولا بنوا لهم فلسفة قومسلاموية، مستمدة منها مددهم الروحي الديني والسياسي، المعبر عن هويتهم، كالية ومنهج وارضية يقيم عليه البنية الاصلاحية التي تخدم مصالحه السياسة المشروعة في ان يكون لهم دولتهم كبقية القوميات الاخرى. فهل حان الوقت للعمل؟