في المسألة الناصرية - سلسلة مقالات حول المسألة الناصرية 1 من 3

حجاج نايل
2020 / 8 / 1

آثرت مرارا وتكرارا الابتعاد عن هذا الموضوع ، وعدم الكتابة فيه لسببين ، الاول ان لي اصدقاء ناصرين اعزاء كثر، اعتز بصداقتهم علي المستوي الانساني، والسبب الثاني هو ان غالبية ومعظم الناصرين، لا يملكون منهجا للمناقشة والحوار، وبمجرد ان تذكر الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، تنهال عليك الشتائم والسباب، وفي احسن الاحوال تتهم بأنك صهيوني وخائن وعميل، وهلم جرا من هذه التوصيفات ،ولكنني اخيرا قررت ان اخوض غمار التجربة ، واكتب مطولا عن ملاحظاتي حول التجربة الناصرية ، وانا هنا لن اكتب بوصفي ماركسيا ، ولن استخدم ادوات التحليل الماركسي، التي تنطلق في رؤيتها للتجربة الناصرية بتحليل ادوات ووسائل وعلاقات الانتاج ، وصعود نجم البراجوزية البيرواقراطية، والعسكرتارية ورأسمالية الدولة وانماط الانتاج وخلافة ، وعوضا عن ذلك سأكتب خطابا عاما وتلقائيا، قد يفهمه اكثر واعمق الاصدقاء الناصريين، الذين وبالتأكيد يرغبون في كتابة رد فكري وتحليلي علي هذا المقال بدون سباب واتهامات.

الاشكالية الرئيسية في المسألة الناصرية

في البداية ولكي يستريح الاصدقاء الناصريين ، اؤكد علي انني لا انتمي لاسرة من الباشوات، بل علي العكس تماما ،انتمي الي اسرة فقيرة ، ولا انتمي سياسيا الي الملكية او الحكم الملكي ، وجملة وتفصيلا يتشكل موقفي الوطني من الحياة السياسية قبل انقلاب يوليو، بالاساس انني ضد الملكية والاقطاع والفساد وافقار وتجويع الشعب المصري، وضد الاحتلال الانجليزي ،وضد بعض المواقف السياسية لاحزاب ماقبل الانقلاب وعلي رأسهم حزب الكتلة الشعبية الرئيسي الوفد ، وفي هذا السياق أذهب للتأكيد علي ان انقلاب يوليو لم يكن الخلاص وطوق النجاه لأوضاع المصريين في ظل الحكم الملكي والاحتلال الانجليزي ، بل وبسبب هذا الانقلاب والحقبة الناصرية في مجملها تفاقمت وتعاظمت لاحقا كل هذه الاوضاع سوءا وتدهورا، بصورة دفعت العديد من المفكرين والمحللين السياسين ، وعلي رأسهم الصديق العظيم الراحل الدكتور احمد عبدالله رزة ، والذي أكد وبرهن في مناسبات وكتابات عدة علي ان عودة الاستعمار والملكية ، افضل حالا مما وصلت اليه مآلات حركة يوليو 52 ، وايضا كما وصفتها دراسة بحثية صادرة عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان ، والتي اكدت علي الكفاح من اجل الحصول علي الاستقلال الثاني ، الذي تتوق اليه الشعوب ، من الجيوش والعسكر الذين خلفهم الاستعمار، وبغض الطرف عن ما سبق ، اود طرح الاشكالية من منظور اخر غير استعمار الجيوش الوطنية لشعوبها ، وهو ان انقلاب يوليو حدث في توقيت مصيري وفارق في تاريخ الدولة المصرية ، وان هذا الانقلاب بالفعل قطع الطريق علي ثورة شعبية مدنية حقيقية ، يشارك فيها جميع المصريين بكل قواهم الحية ، التي تمثلت في عشرات الاحزاب والنقابات والجمعيات المدنية والسياسية وقيادات العمل السياسي ، وكانت هذه الثورة القريبة علي الابواب ، في طريقها لتشكيل حكومات مدنية ديمقراطية ، تؤمن بالانتخابات وتدوال السلطة والمشاركة المجتمعية علي نطاق واسع ، واتصور ان الدولة المصرية كانت سوف تسير علي خطي الديمقراطيات الاوربية ، محققة اعلي سقف من طموحات الجماهير الشعبية ، من تقدم وتطور ورخاء وديمقراطية ومواطنة ومشاركة ومؤسسات يتمتع الجميع فيها بكل الحقوق والحريات ، المكفولة وفقا للدستور والقانون والاتفاقيات الدولية ، وتؤكد كافة الشواهد والمعطيات التاريخية علي حتمية هذه الثورة الشعبية في زمن مقارب لانقلاب يوليو ، وأن الدولة المصرية حققت الكثير من المنجزات الديمقراطية والاقتصادية في العهد الملكي وكانت في طريقها ستواصل تقدمها علي الاصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من خلال حكومة مدنية ديمقراطية تتمخض عن الثورة الشعبية التي كانت ستنجح بفعل عوامل كثيرة ابرزها صراع الامبروطريات والقوي الاستعمارية التي تحدث عنها فتحي رضوان وهو احد رموز انقلاب يوليو مشيرا الي نجاح الانقلاب بدعم من الاستعمار الجديد وهو الولايات المتحدة الامريكية ، وتدفعني مخيلتي السياسية، الي ما اكدة الدكتور فؤاد زكريا في كتاباته، من ان انقلاب يوليو كان بدعم ومساعدة من المخابرات المركزية الامريكية في مواجهة الامبروطورية العجوز، وعلي ما يبدو بالفعل كانت مؤامرة ، لتجنب والقفز علي هذه الثورة الشعبية المدنية ، وتجاوزها وتخطيها وتجنب التبعات العظيمة لهذه الثورة في مواجهة التبعية للامبريالية وحليفتها في المنطقة اسرائيل ، فجاء انقلاب يوليو ليقطع الطريق علي هذا السيناريو والذي كانت حتمية حدوثة لا شك فيها وفقا لابسط قواعد التحليل السياسي ، ربما كانت بالفعل علي الابواب وعوضا عن ذلك قام قيادات يوليو بفرض الاحكام العرفية واعتيال الحياة السياسية بكل قواها الحية من احزاب ونقابات وروابط واتحادات وجمعيات ، وقمع المعارضين وموت المفكرين والكتاب في سجون الواحات ووادي النطرون ، واغلاق كل المنافذ بما في ذلك الصحافة والاعلام ، والتي اصبحت بوقا واحدا يمجد في الاب الروحي ، ولكي يتأكد العقل الجمعي الناصري من هذه الدلالات احيله الي كل الدراسات والكتب والابحاث التي تعرضت لواقع الحياة السياسية في مصر قبل 52 فلقد شهدت الدولة المصرية حياة سياسية وحراك جماهيري وشعبي منقطع النظير لم تشهده اعتي واقدم الديمقراطيات ، فمنذ 1907 ومع بداية الحياة الحزبية حيث شهد هذا التاريخ ميلاد 5 أحزاب هى
الحزب الجمهورى المصرى و حزب الأمة و حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية و الحزب الوطنى الحر.
الحزب الوطنى: وهو الحزب الذى قاد الحركة الوطنية حتى ثورة 1919، وقد تزعمه مصطفى كامل.

ومع اقرار دستور 23 والذي يعد من ارقي واعظم الدساتير المصرية علي الاطلاق فقد تضمن هذا الدستور الحقوق والحريات المدنية والسياسية، وفى مقدمتها حرية التعبير، وتكوين الأحزاب والجمعيات امتدت واتسعت منافذ الحياة السياسية والحزبية والنيابية لتشهد زخما غير مسبوق وغير لاحق في تاريخ الدولة المصرية فتأسست الأحزاب الليبرالية: وهى تشمل حزب الوفد الذى استمد تسميته من الوفد المصرى الذى تشكل عام 1918 عن طريق الوكالة الشعبية للمطالبة باستقلال مصر، إلى جانب الأحزاب المنشقة عليه ، وهى الأحرار الدستوريين (1922)، والحزب السعدى(1937)، وحزب الكتلة الوفدية( 1942 الأحزاب الاشتراكية: ومنها حزب مصر الفتاة (1933)، والذى أصبح يسمى فيما بعد بالحزب الاشتراكى، وعدد من التنظيمات اليسارية مثل حزب العمال الاشتراكى الشيوعى، والحزب الشيوعى المصرى( 1922)، وحزب الفلاح المصرى، والحركة الديمقراطية(1947).
أحزاب السراى "الأحزاب الموالية للملك": وهى حزب الشعب، وحزب الاتحاد الأول، والثانى .
الأحزاب النسائية: وهى حزب بنت النيل السياسى ، والحزب النسائى الوطنى ، والحزب النسائى السياسى.
الأحزاب والجماعات الدينية: وهى الإخوان المسلمون ، وحزب الله ، وحزب الإخاء، وحزب الإصلاح الإسلامى

ناهيك عن الجمعيات الوطنية والسياسية ومؤسسات المجتمع المدني ، التي قامت بأنشاء وتأسيس جامعة القاهرة ورؤس الاموال الوطنية ، والتي قامت بتأسيس البنوك والشركات والمصانع الوطنية دعما للاقتصاد الوطني ، بالاضافة الي ما اثير في عدة ابحاث وكتابات عن هذه الفترة والتي كانت اوربا وعلي رأسها الاستعمار الانجليزي ، تستدين الاموال من الدولة المصرية وقوة القيمة الورقية والشرائية للعملة المصرية ، وسيادة وشيوع مفاهيم الحق في مجانية التعليم ووالقضاء علي الفقر وظاهرة الحفاء كلها شعارات وطنية كانت متضمنة في البرامج السياسية والوطنية للاحزاب اليسارية والقوي الوطنية بكل تنوعاتها في هذه الفترة وكانت تملاء الافق والاذان بالفعل قبل انقلاب يوليو ولقد سرقها او استعان بها قادة الانقلاب في 52 والتي كانت في طريقها الي للتحقق وبمستويات اكثر جودة مع الحكومة الديمقراطية القادمة ، من خلال ثورة شعبية مدنية ، والتي لا مجال لهيمنة العسكر وسطوهم علي حكم البلاد لعقود طويلة بصورة تجاوزت في تشبثها بالسلطة المستعمر الاجنبي
ايستطيع العقل الجمعي الناصري ، تصور او تخيل هذا الزخم الملهم ، لواقع الحياة السياسية في مصر قبل 52 ، وكيف كانت الحتمية التاريخية ، ستؤؤل بذلك الزخم الي التطور الطبيعي ، باتجاه ثورة شعبية يشارك فيها الملايين من المصريين ، والذين كانوا سيصنعون لاحقا مستقبل لكل المصريين في مناخ ديمقراطي حر ، من خلال مشاركة الجميع في بناء الوطن ، عوضا عن العزلة التي ضربها ضباط يوليو، علي جموع المصريين واتخذوا من الدولة المصرية إرثا خاصا لعائلاتهم الاسرية والعسكرية ، وفي تناقض صارخ يطالب ويتوق الناصريون الان للتعددية والزخم الحزبي والسياسي ، والذي طالما وجهوا كل لعناتهم وسبابهم للمرحلة الليبرالية في تاريخ مصر الحديث، بل ويتحدثون عنها دوما بوصفها مرحلة الضياع والانهيار والعار ،وبصورة مناقضة مع التجربة الناصرية ينتقدون وببجاحة مشروع الحزب الواحد ( التنظيم الطليعي والاتحاد الاشتركي ) الذي كان معلم من معالم الرئيسية لهذه التجربة المقيتة.

كندا - 24 يوليو 2020