في المسألة الناصرية 2 من 3 ---- سلفية العقل الجمعي الناصري

حجاج نايل
2020 / 8 / 1

توقف وتجمد العقل الجمعي الناصري، بالفعل وبالقوة عند 28 سيبتمبر 1970 ، ذلك التاريخ ، الذي شهد وفاة الزعيم ، وموت وانهيار التاريخ الذي صنعه العراب قبل وفاته ، غير مكترثين بجدل العلاقة بين التاريخ وحركة الجماهير والظروف الموضوعية من ناحية ، و صناعة الزعماء من ناحية اخري ، الاكثر فداحة من ذلك توقفت لديهم عقارب الساعة ، عند كل النظريات السياسية والاقتصادية، والايدلوجيات وحركة التاريخ والمستقبل، والصراعات والحروب، والكوارث الطبيعية والنظريات والعلوم الاجتماعية والتطبيقية ، اللاحقة علي وفاة الاب الروحي بل استطيع ان اجزم بتوقف كامل لدائرة المعارف الانسانية اجمالا لدي العقل الجمعي الناصري منذ ذلك التاريخ وفي هذا الاطار لي ثلاث ملاحظات رئيسية.

الاولي نضال الشعوب من أجل الحرية ، هذا ما يصنع التاريخ
كتب تروتسكي – في معرض تحليله لدور لينين في ثورة أكتوبر 1917– يقول: “لينين لم يكن خالق التطور الثوري، ولكنه انتظم في سلسلة القوى الإيجابية فكان حلقة كبرى في هذه السلسلة، ، لم يكن سيصبح للينين دور أو وجود دون حركة جماهيرية ثورية ، كان هو قادرًا على دعمها وقيادتها، ولكنه لم يكن خالقها.

ومن ناحية اخري حتي لو سلمنا جدلا بنظريات انطونيو جرامشي ، في هذا السياق ، والتي تذهب الي أن الانسان صانع مصيره بوعية السياسي وقيادته وحركته بين الجماهير ، الا ان جرامشي نفسه لم ينكر اهمية وجود حراك جماهيري ومد ثوري ، لاستيعاب هذه القيادة والسير معا ، ومن ثم القول بان جمال عبد الناصر هو صانع للتاريخ والانجازات ، قول تعترية الخرافة والهزل السياسي ، وهو تأكيد لما ذكره احد أعلام ثوار الجزائر ، وهو ليس شيوعي او ماركسي بل كان شيخا من علماء المسلمين ، في بداية القرن العشرين، وهو الشيخ البشير الإبراهيمي (1889-1965) لقضية الأصنام البشرية كأداة لإدخال الشعوب المستعمَرة في التيه السياسي ، قصد إطالة عمر المشروع الاستعماري بطريقة جديدة. واستطرد قائلا الزعيم من أشد الأصنام فتكاً في مجال الاجتماع السياسي، فهو ما يحول جماهير الغافلين إلى مغفلين يشتغلون بعبادته كما اشتغل بنو اسرائيل بعبادة العجل الذي صنعه السامري في غياب موسى ، وكتب محمد بن نصر في مقاله اصنام الحداثة الصراع الطبقي ونضال الشعوب من أجل الحرية ، هذا ما يصنع التاريخ . والعظماء هم نتاج هذا الظرف الثوري ، واجمالا يمكن استخلاص حقائق اصبح جدال الناصريين حولها ضرب من ضروب العبث السياسي ، وهي ان التاريخ لا يصنعه افراد هم أنفسهم كانوا نتاج حركة هذا التاريخ واحداثه ، والتاريخ تصنعه ظروف موضوعية علي الارض ، بما تشملة من صراعات وتوازنات وتحالفات ومصالح متقابلة او مصالح متقاطعة ، وايضا الايدلوجيات لاسيما في العهد الناصري ، ومن هنا تشكلت مواقف ناصر وتوجهاته وفقا لهذ الظرف الموضوعي الذي كان يجتاح العالم في ذلك الوقت ،

الثانية
ليس هناك سبيل للتعاطي وبناء المواقف مع الاحداث والاجندات الراهنة ، بمواصفات الظرف الموضوعي لستينات القرن الماضي ، وهذا بالضبط ما يفعلة العقل الجمعي الناصري ، فهو يقفزعلي مراحل تاريخية ويحرقها متجاوزا دينامكية الاحداث والتفاعلات السياسية والاقتصادية ، التي انتقل بها العالم من زمن تبدل الامبروطوريات والامبرليات ، ونهاية حرب عالمية ، وحركات التحرر الوطني في افريفيا والعالم العربي ، وثنائية القطبين والصراعات والحروب التقليدية ، والمخبر الذي كان يراقب المعارضين من خلال صحيفة مثقوبة من المنتصف ، الي اختلال التوازن العالمي وفرض نظام عالمي جديد ، وظهور قوي عالمية جديدة وانهيار الايدلوجيات وصراع الحضارات والثقافات ، وعالم ما بعد الامبرالية والتكنولوجيا الحديثة والانترنت وثورة الاتصالات الكبيرة ، وشيوع الحروب الاقتصادية والاحتكارات العابرة للقارات وتمييع الصراع الطبقي ، وبمهارة العاجزين والذومبي يقومون بتثبيت اللحظة التاريخية عند بعض المأثورات الناصرية ومواقفها في بعض القضايا ، دون اي تطوير نظري او او عملي لهذه المواقف والمأثورات ، ودون حتي اي جهد في وضع نظريات فرضية او افتراضية حول الربط بين التجربة الناصرية ، وكل هذا التطور الهائل والسريع جدا والمتلاحق عالميا واقليميا ومحليا ، وبذات الاداء الكوميدي تجدهم عشرات ومئات بل والاف البوستات علي صفحات التواصل الاجتماعي بمختلف اشكالها ، يربطون بشكل تعسفي ومجافي للمنطق والحد الادني من الوعي السياسي ، بين مواقف سياسية او اقتصادية او عسكرية او حتي ثقافية وفنية راهنة ، بالحقبة الناصرية سواء بإجراء المقارنات الهزلية بين الان وبين العهد الناصري ، او تخيلات وهمية وسريالية لهذه المواقف ورد فعل الزعيم عليها و استنباط ومحاكاة مواقفه الحنجورية في هذا الشأن او ذاك ، فمثلا تجد الكثير منهم يؤكدون علي استحالة بناء سد النهضة لو كان الزعيم موجودا الان ، واخرين يؤكدون علي نفس المنحي لاسيما في الاعتداءات الاسرائيلية علي الفلسطنيين ، وكذلك الازمة الليبية المصرية التركية ، وجزء لا بأس به منهم يعلق تعاظم الصراعات والحروب البينية بين الدول العربية وسقوط الانظمة العربية جميعها في احضان الصهاينة و اذلال والحط من كرامة الامة العربية والجوع والبطالة والفقر المنتشر والارهاب الي غياب الأب عن واقعنا الحزين ، ويتماهون في هذا الشطط بدرجات وبصور خيالية واسطورية حول شخص الزعيم ، وتعظيم قدراته الخارقة ومن هنا نعتقد ان احد اهم خيبات وكوارث العقل الجمعي الناصري هو في حقيقة الامر يذكرني دوما بالسباق بين عربة تجرها الكلاب او البغال او الخيول وبين ذلك الصاروخ الذي يصعد الي الفضاء والخيبة الاكبر للعقل الجمعي الناصري هو ذلك القياس الممزوج بشجن عاطفي صارخ لذلك الاب الروحي وعلي طريقة الانتماء الي عصابات المافيا للاب الروحي او العراب او الكاهن لدي المتدينين فكل موقف اوحدث في هذه الدنيا يستطيع العراب وضع لمساته السحرية والخرافية عليه في حالة هلامية وفوضوية من تجريد كل من العراب والموقف من الظروف الموضوعية المحيطة بكليهما في زمانين يفصل بينها قرابة الثلثي قرن من السنوات.

الثالثة
لم ينتبه العقل الجمعي الناصري ، الي ان تقييم التاريخ والفعل السياسي لا يأبه كثيرا بمنجزات اللحظة ، أو بانجازات لا تستمر يمكن البناء عليها في سياق التطور واستكمال مسيرة الرخاء الانساني ، وعلي النقيض من ذلك يسقط التاريخ حتي ولو بعد حين إنجازات الماضي التي انتهت الي قطيعة مع الحاضر والمستقبل ، بغض الطرف عن حجم هذه الانجازات وبالطريقة التي انتهت بها ، فكونها انتهت بنهاية اصحابها وصانعيها فهي في حقيقة الامر ليست منجز حقيقي وجماعي ومؤسسي ، بل هي منجز فردي لا يمثل شأنا أو تأثيرا يذكر في العلوم السياسية والمجتمعات الانسانية ، اللهم انها ابواب مغلقة في كتب التاريخ والذكريات ، لاسيما اذا كانت هذه القطيعة نتاج حتمي لأحتكار فرد بالسلطة وقتل وتغييب وتعذيب كل من حوله ، وايضا غياب المؤسسات والمشاركة المجتمعية والشعبية التي تمتلك ادوات ووسائل انتاجها ، وتمتلك الوعي السياسي الذي يمكنها من حماية والدفاع عن استمرار هذه الانجازات واستكمال مسيرتها، اي كانت الضغوط السياسية المحيطة بهذه الانجازات ، وفي هذا السياق قام عبد الناصر بعدد من الانجازات التي لا يستطيع احد انكارها ، لكنه صنعها كحاكم فرد وديكتاتورومستبد ولانها كانت تعكس صورته ووجوده فقط كقائد فاشي و ، غير مؤمن بالشعب وبالتاريخ بالمشاركة المجتمعية والمؤسسية وبالطاقات المدنية وبالمدنيين ، ومن اجل هذا تبخرت وانهارت كل هذه الانجازات بمجرد رحيلة وغيابه عن الساحة ، والحقيقة التعيسة ليست فقط انهيار هذه الانجازات ، وانما قيام خلفه بنهج معاكس تماما لما انجزه عبد الناصر من توجهات سياسية واقتصادية قرابة العقدين كان الزعيم واهما الي حد كبير انها ستستمر برفع اسمه الي اعالي السماء الا انها لم تحتاج الي اكثر ثمانية اشهر اقل من عام ميلادي واحد لينقلب كل منجز لجمال عبد الناصر علي رأسة وقدمية الي الاعلي بثورة التصحيح التي نفذها وخطط لها كل من السادات وحليف ناصر الاستراتيجي محمد حسنين هيكل ، وبسبب تهميش قوي المجتمع الحية والطبقات الشعبية والجماهير والمؤسسات المدنية لم ينتمي احد لهذه الانجازات ، وظل الوعي الجمعي يتعاطي معها بوصفها انجازات للحاكم وللسلطة وللعسكر فقط ولمراكز القوي وفقا لتعبير خلفه السادات ، فمثلا ما فعله جوزيف ستالين وصدام حسين ونيكولاي تشاوشيسكو وجمال عبد الناصر ومستبدين اخرين ، وبغض الطرف عن تقييم هذه الانجازات اين هي الان ؟؟ تبخرت الي العدم لانها صنعت بنفس الاداء الناصري ، بينما يظل المعادل الموضوعي لهذا السياق في الديمقراطيات الغربية والهندعلي سبيل المثال ، فلديهما انجازات ومكاسب حضارية وانسانية ، استطاعوا الحفاظ عليها عبر النقابات المهنية والعمالية والمنظمات الغير حكومية والمؤسسات والاحزاب والروابط والصحافة والاعلام وحتي الجماهير الغير منظمة تدرك جيدا كيفية الحفاظ علي هذه المكتسبات واستمرارها ، واتصور ان الاساس في الحفاظ علي هذه القيم السياسية والاقتصادية والحضارية هي الديمقراطية ، وليست التنظيرات والكتابات المتعلقة بتجديد الراسمالية لنفسها وفقا للمنهج الماركسي لكن يبقي هذا شأن وموضوع اخر ، وختاما ماذا تبقي من التجربة او الحقبة الناصرية للبكاء عليه او محاولة استعادته ؟؟؟ للاسف ليس لديكم شيء من هذه التجربة علي الاطلاق غير الاوهام المركبة حول التجربة ذاتها والتي صنعها التاريخ ولم يصنع منها ناصر غير الكوارث والازمات التي لازالت تلقي بظلالها علي الدولة المصرية حتي الان ، أما اذا كان البكاء والعويل علي شخص الاب الروحي ، وضحكته وملابسه وابتسامته وكريزمته ومشيته وخواطره ، فهذا بدون شك حق مطلق لكم لا يجادلكم فيه احد.

كندا 27 يوليو 2020