الاقتصاد العراقي ضحية السياسة.

عادل عبد الزهرة شبيب
2020 / 8 / 1

يمكن القول ان الخطط والأهداف الاقتصادية تبقى حبرا على ورق وعدم تمكن الحكومة التي تمثل السلطة التنفيذية من تحقيقها في حالة انعدام التوافق السياسي بين الحكومة ومجلس النواب كما يحصل في العراق من 2003 حيث تشارك الأحزاب المتنفذة في كلا الجانبين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وكل منها يريد ان يفرض اجندته . وبما انه لا يوجد استقرار سياسي في العراق بسبب الصراع بين الكتل السياسية على النفوذ والمراكز وتقسيم كعكة العراق لذلك كان الضحية هو الاقتصاد العراقي , حيث يعتبر العراق في طليعة الدول التي تعاني من هشاشة الاستقرار السياسي فهو يعاني من تصعيد وتوتر سياسي وامني والذي انعكس على كافة مجالات الحياة وجعلها ضحية للوضع السياسي ومنها الاقتصاد .
كانت القوى المتنفذة في العراق منذ توليها السلطة في 2003 وحتى اليوم بعيدة عن تبني أي رؤية اقتصادية طموحة وواضحة تعالج ازمات البلاد بحزم وهي عديدة يعاني منها العراق وقسم منها موروث من النظام المقبور السابق مثل : الاقتصاد الريعي , تفشي الفساد الكبير , معدلات الفقر والبطالة المرتفعة , والتدني الكبير في مشاركة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الاجمالي وفي الدخل القومي كالصناعة والزراعة والتعدين والسياحة والنقل وموارد الضرائب العادلة وموارد المنافذ الحدودية التي تذهب في اغلبها الى جيوب الفاسدين , اضافة الى الأزمات الاخرى التي لم تعالج رغم انفاق مليارات الدولارات كالكهرباء والماء النقي والسكن والخدمات العامة والصحة والتعليم وغيرها , وقد تعمقت ازمات البلاد الاقتصادية والمالية بعد تفشي فيروس كورونا وتأثيره على انخفاض اسعار النفط في الأسواق العالمية . وقد كشفت ازمة كورونا هشاشة الوضع الاقتصادي للبلاد الذي يمتلك الثروات الكبيرة ولكنه لم يستغلها بالشكل السليم بسبب سوء الادارة وغياب الرؤى الاقتصادية والفساد , وعجزه في تشريع قانون لموازنة 2020 , والعجز عن تحقيق توافق سياسي يستهدف بناء الدولة ومؤسساتها وتبني رؤية اقتصادية هادفة . كما لم تسع القوى المتنفذة الحاكمة الى اعادة اعمار العراق والمدن المحررة بسبب صراعاتها الداخلية وغياب الرؤى الاستراتيجية وسوء الادارة ولم تتمكن من توسيع قاعدة الانتاج غير النفطي .
لقد ارست الأحزاب المتنفذة الحاكمة منذ 2003 نظاما اقتصاديا قائما على الفساد والمحسوبيات والمحاصصة , وآلت بالعراق الى وضعه في صدر قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم , وبفعل الاحزاب المتنفذة ضاعت مليارات الدولارات التي تعادل موازنة بعض الدول ولم يستفد منها الاقتصاد العراقي والشعب العراقي ولم يتم تشجيع الصناعة المحلية والزراعة وانما تم الاعتماد على استيراد كل شيء ضمن سياسة الباب المفتوح واغراق السوق العراقية بالمنتجات وخصوصا من دول الجوار . اضافة الى هيمنة الأحزاب المتنفذة وميليشياتها المسلحة على المنافذ الحدودية وقطاعات حيوية اخرى وتم الاستيلاء على موارد المنافذ الحدودية وحرمان الدولة منها . فالأحزاب السياسية المتنفذة الحاكمة هي من يتلاعب بالاقتصاد العراقي وبالوزارات وليس الدولة بهدف توجيه المال العام الى خزائنها .
ان غياب الأمن وسلطة الدولة والقوانين جعل العراق بيئة طاردة للاستثمار في قطاعات مختلفة وبيئة غير آمنة .
يرى البعض ان كل الدول المتحضرة تكون فيها السياسة في خدمة الاقتصاد وليس العكس ومثالهم في ذلك قيام الرئيس الأمريكي ( ترامب ) منذ وصوله الى البيت الأبيض بتسخير كل شيء في خدمة الاقتصاد الأمريكي , وكذلك تم الأمر في فرنسا والمانيا وغيرها من الدول . ونجد في دول اخرى مثل لبنان والعراق وغيرها من الدول تصر القوى السياسية فيها على تسخير الاقتصاد والمالية العامة في خدمة سياساتهم حيث يصدرون القرارات السياسية للحصول على الامتيازات المالية وغيرها لصالحهم على حساب الأغلبية ويصدرون القرارات السياسية الخاصة بتشريع القوانين التي تؤبد بقائهم في السلطة كقانون الانتخابات مثلا المفصل على مقاساتهم بهدف تهميش وابعاد القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية. كما يقومون بخصخصة المشاريع الحكومية لأن لهم فيها مصلحة ومنفعة , ويرفضون كل المبادرات الرامية الى اجراء اصلاحات اقتصادية وسياسية جذرية لمعالجة الوضع المتأزم القائم لأنها تضر بمصالحهم وامتيازاتهم . كما ان القرار السياسي بإنشاء وكالة الاستخبارات الأمريكية جاء لحماية المصالح والشركات الأمريكية في الخارج . وان غزو العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية عام 2003 كان في اعماقه لتأمين استمرار تدفق النفط , وسبق وان قال وزير الطاقة الأمريكي في السبعينات ( شليسنجر ) ان هدف امريكا هو احتلال منابع النفط في منطقة الشرق الأوسط .
فالقرارات السياسية يمكن لها ان تغير الوضع الاقتصادي للبلاد فمن خلالها مثلا يمكن تحويل نظام البلد الى نظام اشتراكي او نظام رأسمالي وبناء اقتصاد متقدم او متخلف والاعتماد على الاقتصاد الريعي او تنويع مصادر الدخل القومي , او قيام النظام السياسي بتأميم المصالح الأجنبية او تسليمها للاستثمار الأجنبي. ويمكن للقرارات السياسية ان تعزز من الديمقراطية او تقزيمها او تلغيها واقامة النظام الدكتاتوري وغيرها من الأمور التي يمكن للسياسة ان تقوم بها حتى في مجال العلاقات الخارجية . كما يمكن للدولة ان تقيم العدالة الاجتماعية وتحقيق المساواة او العكس. ان العديد من القضايا الاقتصادية ينظر اليها من زاوية المعتقدات السياسية مثل الضرائب واقتصاد السوق والخصخصة والملكية الخاصة وغيرها والتي تختلف بين المعتقدات الاشتراكية والرأسمالية .
فإلى متى يبقى اقتصادنا الوطني ضحية للصراعات السياسية وعلى حساب النهضة الاقتصادية الاجتماعية للبلاد ولشعبنا العراقي المبتلى بالأزمات نتيجة سوء الادارة والفساد وغياب الرؤى الاستراتيجية واعتماد نهج المحاصصة والطائفية الذي هو أس البلاء ؟