ويعيش جمال حتى ف موته

محمد السعدنى
2020 / 8 / 1

وكما هى العادة بدأ موسم الهجوم على ثورة يوليو وجمال عبد الناصر، ولعله لم يتوقف منذ صعد إلى بارئه سبتمر 1970. غاية الأمر هو تكثيف الحملة رغم بهتانها الذى يتكشف مع كل ماتلاقيه منطقتنا العربية من استهداف ومحاولات تطويع وتركيع وتآمر. خمسون عاماً لم يتوقف الهجوم لكأنهم يتحسبون لحظة أن يخرج عليهم من قبره يقاوم مخططاتهم ويكشف زيف دعاواهم كما اعتاد أن يفعل فى حياته. هى إذن معركة لاتزال قائمة وشواهدها متجددة نيرانها مشتعلة، ليس بشأن ماض انتهى، بل حول حاضر قائم يريدون تحصينه من أفكار ناصر وثوابت ثورته، ومستقبل قادم يريدون التأكد ألا يعاد فيه إنتاج فكر التحرر والمقاومة والإستقلال والثورة التى تمثلت فى 23 يوليو وجمال عبد الناصر.. والهجوم على ناصر ليس لشخصه وإنما لرمزيته باعتباره أيقونة النضال والتحرر وجذوة الثورة التى حملها شرقاً وغرباً وجنوباً، وكبدت الاستعمار التقليدى خسارة مرتكزاته فى إفريقيا وأمريكا اللاتينية، وناصرت قوى التحرر الوطنى فى العالم الثالث كله، وبفضلها نالت شعوب مقهورة محتلة حريتها واستعادت كرامتها ومقدراتها ممن استعمروها ونهبوا خيراتها، ثم عادوا لاستلابها مرة أخرى، بأشكال مغايرة تتخفى وراء شعارات زائفة وعناويناً مضللة باسم التعاون الدولى والعولمة ونشر الحداثة والتنمية والديمقراطية، وهم لايعنيهم من ذلك شئ إلا الاستغلال وتحقيق مصالحهم، وابتلاع الشعوب والدول ثم تقيئوهم سلعاً ومنتجات فى حركة عولمة ظالمة مخاتلة. من هنا نستطيع أن نفهم عداء الغرب وقوى الاستعمار القديم الجديد والحركة الصهيونية والماسونية لجمال عبد الناصر وترصده حتى فى قبره، والمحاولات المستميتة للنيل من قيم التحرر الوطنى والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطنى التى مثلتها ثورة يوليو وحملت مشاعلها. وفى هذا الإطار يمكننا أن نفهم أيضاً الثأر البائت مع الرجعية العربية وعملاء الاستعمار ، وكذا ضحايا الثورة من اليمين المتطرف كالوفد والإخوان، والرأسمالية المتوحشة التى تمتد جذورها نحو الصهيونية والماسونية وقوى الشر الأمريكية والأوروبية، أما مالا نستطيع فهمه هو انضمام البعض ممن استفادوا من هذه الثورة إلى أعدائها، ولعلهم يتقدمون الصفوف أحياناً فى الهجوم على الثورة وجمال عبد الناصر، ربما بجهل وفقدان وعى، وللأسف أحياناً بدواعى الوجاهة الاجتماعية بحسبانهم من طبقة برجوازية أضرت الثورة بمصالحهم، وهم فى قصارى القول، لولا الثورة لكانوا من المعدمين والغلابة تحت إمرة وفى خدمة ملاك الأراضى ورجال المال والأعمال والكمبرادور ووكلاء الشركات متعدية الجنسيات والكوربوقراط الذين يحكمون العالم ويهددون استقراره.
إن من يقولون بأن ثورة يوليو لم يبقى منها إلا يوم أحازة كاذبون، وهم أنفسهم وبذواتهم شاهد على عكس مايقولون، فأغلبهم من الطبقة الوسطى التى بفضل ثورة يوليو نالوا قسطاً من التعليم والصعود الاجتماعى، يكتبون ويتطاولون بكل غباء وجهل ويطلقون سخائمهم من دغل منصات التواصل الاجتماعى وأحراشه، وبدون وعى يتماهون مع أعداء الطبقة الوسطى فى الداخل والخارج ويحققون لهم مآربهم. وهم كما الإخوان فى غبائهم التقليدى يقيسون المسافات بالكيلو جرام، ويحملون يوليو مسئوليات وجرائم من انقلبوا على يوليو ونظامها ومبادئها، وفككوا القطاع العام وباعوا مصانعه فى حركة فساد وجريمة منظمة، وغيروا العقد الاجتماعى وتنكروا لكل شروطه، وتنصلوا من كل مكاسب الثورة فى المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، وحق التشغيل والإسكان والتعليم والصحة والرقابة على الأسواق والتنمية المستدامة. المدهش أن بعضهم لا يستحى أن ينقل إلى "الفيسبوك" عن قنوات البذائة والمغالطة وقلة الأدب فى اسطمبول، كل الترهات والدعاوى الإخوانية المخاتلة والكاذبة، لينالوا من الثورة وجمال عبد الناصر بغير حق، إلا الكذب والبهتان. الغريب أن من يقومون بذلك لم يسأل أحدهم نفسه، إذا كان ناصر بهذا التهافت فلماذا يحاربونه وهو فى قبره ويقطعون الطريق بكل بذاءة وانحطاط على من يدافع عنه؟ إلا أنهم يعرفون خطورة ثورته فى إيقاظ الشعوب ومقاومة مخططات قوى الهيمنة العالمية وأذنابها فى الداخل الخارج. واختم معكم بكلمات عبد الرحمن الأبنودى التى جسدت ضمير الوطن، إذ يقول عن جمال عبد الناصر:
يحميك يا ولدى وكنت اسكت وتتكلم
وإن شفت جرح الوطن جوّه الفؤاد علم
ياما حرسْت النهار.. آدى النهار.. ضلِّم
من يمدحُه يطلع خاسر
ويشبَّروله.. أيامه
يعيش جمال عبدالناصر
يعيش بصوته وأحلامه
مش ناصرى ولا كنت ف يوم
بالذات فى زمنه وف حينه
لكن العفن وفساد القوم
نسّانى حتى زنازينه..
إزاى ينسّينا الحاضر..
طعم الأصالة اللى فى صوته؟
يعيش جمال عبدالناصر
يعيش جمال حتى ف موتُه