قراءة في نتائج التشريح الاجتماعي للشخصية العراقية ح6

عباس علي العلي
2020 / 8 / 1

الوردي ونظرية المعرفة
يقول الباحث العراقي هشام العيسى في أحد تغريداته المهمة أن علاقة الإنسان الصحيحة وفهمه للوجود تبدأ من فهمه الصحيح لمجموعة العلاقات الارتباطية التي تحركه وتدفعه للمضي بالوجود على أسس سليمة (لا يمكن ان تصلح رؤيتنا للحياة .. مالم تصلح رؤيتنا للدين والعقائد)، فهذا الشرط الذي وضعه العيسى يقودنا إلى أهمية البحث عن الصحيح دون أن نخشى ردة الفعل من أي جهة تحاول جرنا إلى حقائق تشبه الأوهام وتحت أي مسمى أو عنوان، فالقاعدة التي رسمها العيسى قد تكون مفتاحا لفهم نظرية الدكتور الوردي ولا سيما أن العيسى هو من طلاب ومتابعي الدكتور الوردي، ومن الذين يمكن أن نعتمد نظرتهم ونظريتهم التحليلية لفهم الجزء المعرفي من نظرية علم الأجتماع عموما.
فالدين والعقائد والتي لها مساحة واسعة جدا في حياة الشعوب والمجتمعات عموما والتي ما زالت تجتر إرثها الفكري بشكل خاص وعلى مر التاريخ، بالتقدير العلمي لها لعبت وستلعب دورا محوريا في عملية التطور والتجديد المعرفي، فقد تكون الأديان والمذاهب وبسبب التناقض الأجتماعي في مجتمعات النشأة والولادة قد بررت أو أسست أو جسدت الرغبة في تطوير المعرفة وساهمت في نشر الجديد الفكري الذي بنيت عليه، لكن وفي التجربة التأريخية كلها وبدون أستثناء نرى أن عامل الزمن والأعتياد ومحاولة توسيع دائرة التأثير والإثبات الديني لاحقا لمرحلة الولادة شكلت ما يسمى المعضلة الثنائية في تمددها، فهي وإن ولدت أنتصرت في مجتمعها فهي أيضا وتحت سطوة الأنا الذاتية تريد مجالا أوسع لتمددها نحو ما تراه محيطها الحيوي.
هذه الأنتقالة من دائرة المحلي الطبيعي إلى دائرة البحث عن متسع لا بد أن تواجه تحديات جمة منها ما هو ذاتي في داخل الدين والعقيدة، والتي يمكن تلخيصه بتوفير القدرة والمبرر على إقناع الأخر وإخضاعه لها من وسائل ومناهج وأليات ورؤى، هنا على العقل الديني أن ينبش ويبحث ويستقري ويستنبط موارده الفكرية من أدبيات ونصوص الدين والمذهب ليتمكن من تلبية المهمة، في هذا الحال لا بد إذا من البحث عن رؤية عقلية ومنهج إقناعي قد لا يكون له علاقة مباشرة في نصوص وأحكام الدين، فيمارس المبشر بشريته الطبيعية في هذا المجال بشكل رئيسي، فيتحول بالدين والمذهب من دائرة الموضوعي إلى دائرة الذاتي، فيحضر دور العقل والمعرفة وما يتعلق بهما للإنجاز وبسط مشروع التوسع والتبشير.
هذا في الجانب الذاتي، أما من الجانب الموضوعي فإن عملية التحول من التلقي والتدريب الأولى إلى مرحلة البسط والتبشير سيواجه ثقافات وأفكار وقواعد منها ما هو ديني أيضا وما هو أجتماعي ومعرفي وحضاري، فلا بد إذا من خوض الصراع معها مستعينا بما أنتجه في التحدي الأول، هذا الصراع لا يتحدد طبعا في حدود الدين والمذهب فقط ولا يمكن حصره في دائرتهما تحديدا، إنه صراع ممتد ومتطور ومستمر بين النقيض والضد والذي لا ينتهي ابدا وإن بدا ذلك على المستوى العام، فالحضارات والأديان والأفكار عندما تولد لا تموت بالصراع ولا تنتهي بنصر وهزيمة طالما أن ذاكرة الإنسان لا تنسى هذا الصراع العقلي، فبالرغم مثلا من هزيمة ما سميت تأريخيا بثقافة الجاهلية العربية والإعرابية بأنتصار الدين الإسلامي عليها في واقعة فتح مكة، لكن الدارس والباحث والمنقب الفكري لا يرى ذلك حقيقية، فكثيرا من قيم الجاهلية ومعارفها تسللت للدين الإسلامي من خلال العقل الأجتماعي للعنصر البشري المهزوم في المواجهة، وظهرت بعد حين كشكل من أشكال الثقافة والمعرفة الإسلامية بالرغم من الأنتصار الساحق في الميدان.
أيضا هذا ما حدث مع اليهود في الجزيرة عندما قضي الإسلام على الوجود اليهودي وترحيلهم من المنطقة، لكن تأثيرات الفكر اليهودي بعد ذلك موجودة وبقوة وحتى منها ما يتناقض مع مبادئ الإسلام عبر ما يسمى الإسرائيليات التي دخلن في المكن العقلي والثقافي والفكري لليهود الذين أعتنقوا الإسلام لاحقا، وبنفس المستوى نجد التأثير الفارسي والروماني المسيحي والقبطي المصري وحتى على مستوى الجماعات الفكرية الأدنى حضورا في مفاصل الصراع بين الدين الجديد وبينها، فلا أحد ينكر مثلا ولو أخذنا العراق كنموذج في الطرح أن الثقافة العراقية التأريخية الممتدة من أول الحضارة قد تخلفت في أن تؤثر على الإسلام القادم لها من عمق الصحراء حاملا قيما وأفكارا ومفاهيم تطوعت بمرور الزمن لتنصر في وحدة شبه مميزة أعطت نكهة مغايرة تماما لغيرها من التأثيرات الحضارية في مناطق أخرى كمصر مثلا.
التأثير الحضاري المصري على الإسلام كفكر يفرق كثيرا عن التأثير العراقي وخاصة في الجانبين السياسي والأجتماعي، فالشخصية المصرية التي تؤمن دوما بالوحدة وأعتزازها بالبقاء طويلا تحت تأثيرها أو الأنتماء لها، لا نجد هذا الحس ولا هذه الطبيعة في التأثير العراقي الذي يتميز بالإنقلابية المزاجية وعدم الأستقرار والتوحد حول رمز واحد أو الأنتماء له إلا تحت ضغط القوة والقهر الذي يولد بالنتيجة العنف المقابل، التاريخ السياسي الإسلامي يشير للعراق بأنه بلد الثورات والإنقلابات وتبدل الولاءات بشكل ملحوظ وواقعي، هذا ما أدركه بعض القادة المسلمين الذين وصموا العراقيين بتهمة (أهل الشقاق والنفاق)، وهي بالحقيقة ليست تهمة ولا مسبة بقدر ما هي تركيبة الشخصية العراقية المتأثرة بالتاريخ والجغرافية والصراع الكوني الدائر على أرضها.
الإنسان السوي عندي والذي نريد أن نراه تحت المجهر البحثي الأجتماعي ما هو إلا حالة متحركة ومتطورة ومتأثرة، فهو مجموعة عوالم مجتمعة في كيان واحد تحركه الغرائز الطبيعية من جهة ويحكمه العقل بضبطها من جهة أخرى، من يتصور أن الإنسان السوي مجرد ملاك فهو يهمل عوامل الطبع والطبيعة وينسى أن الإنسان ابن الوجود ، ومن يرى فيه مجرد شيطان ينسى أن لهذا الكائن عقل فاعل هو الذي يرسم له طريق البقاء والديمومة، هنا على الإنسان أن لا يستحي من غرائزه لأنها أمر طبيعي تكوني وتكيفي ولا يهمل قوة العقل الناظمة لأنه نتاج مركب بين متعارضات طبيعية تنتج لنا حياة طبيعية إن حاول أن يستخدم هذه الملكة الأولية لديه.
ملخص الإنسان في النهاية نقول أنه كائن معرفي تجريبي وعقلاني وأحيانا وبسبب التنشئة والبيئة وقوة المحرك الأجتماعي تضطرب حركته فيهتز وجوده نحو أحد الجانبين، فالعلة الأساسية عنده هي نوعية ودور المعرفة المكتسبة والأساسية التي تحكمه بالرغم من أنه هو من أنتجها وطورها ومكنها من نفسه، فالمشكلة الإنسانية هي مشكلة معرفية بالذات وتحديدا، ومن هذا المنطق نرجع إلى جوهرية الصراع الذاتي عند الإنسان بين العقل وقوى النفس أساسها وجذرها معرفي، فقبل أن تتبلور مفاهيمه المعرفية بشكل جاد وحاد لا يعيش الإنسان هذا الصراع إلا بشكل رمزي أو جزئي نتيجة وجوده في مجتمع يخوض الصراع المعرفي ويؤثر به على الفرد باللا وعي أو بتشكيل قوى العقل والنفس لاحقا، وهذا ما يسميه البعض بتشكيل الهوية الفردية التي لا يمكن أن تتشكل خارج دائرة الصراع المعرفي المجتمعي.
فالهوية نتاج المعرفة وليست نتاج الوعي المنتخب كما يصور البعض، الأنتخاب الحر للهوية جزء من الوهم المسيطر على التيار العقلاني الذي يرى في العقلانيّة Rationalism أنها تعطي الأولويّة للعقلِ على التّجربةِ في عمليّة الحصول على المعرفة، وترى أنّ في العقل حقائقَ ومبادئَ تقابل ما في الواقع من أشياء وبحسب ديكارت، فإنّ تلك المبادئ فطرية وهي تنمو مع نموّ الإنسان وتطوّرِ تفكيرِه، والإنسانُ عندما يكتشفُ حقائقَ الأشياء لا يتعلّم شيئًا جديدًا وإنّما تلك الحقائق موجودةٌ في عقله مسبقًا، هذا الوهم الديكارتي ليس وهما كاملا ولا هو حقيقة كاملة، المعرفة جزء من نظام متحرك يصنع جزء منه في العقل المطبوع أو العقل الفعلي وهو عقل لا يملك الحقائق ولا يملك المعرفة إلا في طريقة الأستجابة لها، أما الجزء الأهم هو دور الخارج المعرفي الموضوعي الذي يتعامل معه تطور جزء أساسي من العقل المطبوع في تحولاته لما يسمى بالقل الناشئ أو العقل المصنوع، في هذا العقل الأخير تحديدا تظهر الهوية الفردية الخاصة لأنه سيتمكن من تحديد وضبط المعرفة المنتخبة وليس أكتشافها، المعرفة تحصيل وليس زرع قديم ولا هي بدوية فطرية في كل أشكالها، والدليل أن الفروقات في نوع الهوية الفردية تعتمد على قدرة وتهيئة وتنشئة العقل المنتج المصنوع بالوسائل والأساليب التعليمية والتربوية.
من هنا نعود إلى رؤية ونظرة الدكتور علي الوردي لقيمة العقل التي تتراوح بين التمجيد للعقل المجرد كقيمة ذاتية تنبع من كونيته الحاكم المطلق على التصديقات والتقريرات السلوكية، وأيضا من خلال كونه المعيار الخالي من الإنحياز والتحيز، فبالرغم مما يؤشر على أن الدكتور الوردي من خصوم النظرية العقلانية في تبنيه لأسس المنهج العقلي في البحث الأجتماعي معتمدا على تأييده المطلق والعام لمنهجية ابن خلدون الذي يوصف أنه أول أجتماعي ثار وتمرد على المنهج الصوري الأرسطي العقلاني، والسبب دوما يعزى لهذا النقد بأن أرسطو يبدا كمنطق استنباطي من عمومية الكل وينتهي بخصيصة الجزء، ويقوم أساسا على إيمانه بوجود قواعد فطرية ثابتة في التفكير ترتبط بطريقة التفكير التقليدية القديمة في النظر والبرهان وتعتمد على الحقيقة المطلقة، أي ان الحقيقة ثابتة وقائمة بذاتها وإنها منفصلة عن الظروف الموضوعية والعلاقات الاجتماعية .
هذا المنطق الخلدوني المتبني للمفهوم التجريبي أو الحسي في تحصيل المعرفة وتطورها وصناعتها هو من وجهة نظر أخرى أيضا يقترب من العقلانية الواقعية التي تنسب كل معرفة إلى العقل كونه الصاع والمكتشف والباني لها، فالعقلانية الواقعية لا تنكر دور التجربة في ترقية العقل ولكن تنكر أن العقل مجردا قادرا على أكتشاف وبناء وتطوير وتنقل المعرفة لفهمها أن المعرفة والأفكار والتصورات والتصديقات هي أيضا تجربة لانهائية، دور العقل هنا هو دور الدليل الذي يحتاج إلى علامات وأمارات ونقاط وخطوط في الواقع وسابقة لمرحلة الكشف، بمعنى أن العقلانية الواقعية تميل إلى الموضوعية العقلية أكثر من الأعتماد على العقلية الذاتية، ابن خلدون ومن بعده الدكتور الوردي وثلة كبيرة من علماء السيسيولوجيا ودارسي الفكر ومنهم فلاسفة ومفكرين يؤمنون، أن النظرية العامة في اجتماعية المعرفة التي تبحث في التأثير المتبادل بين الفكر والواقع الاجتماعي من منظار الحقيقة، معتبرين ان الحقيقة نسبية وأنها موجودة خارج العقل البشري ولكن من يقررها ويستدل عليها هي الصورة الذهنية داخل العقل، أي معرفة العقل بالمعرفة هي المكتشف ولكنها ليست المنشئة لها ، فمنهايم عالم الأجتماع الألماني يشبهها بالهرم ذو الأوجه المتعددة وأن كل منا لا يرى من الهرم سوى الوجه المقابل له دون الوجوه الأخرى، مع أنها أي الحقيقة مركبة وليست ذات وجه واحد وهذا ما يشتت وصولنا لها كاملة.
لم يترك الدكتور الوردي خطوط فاصلة بين النظام العقلي المنتج للمعرفة وبين العقل كقيمة مجرده صانعة أو مكتشفة لها، فهو ينسب الوصف التقصيري لكليهما على أنهم واحد من خلال الربط بين السبب والعلة والنتيجة، فقد انتقد الوردي المنهج العقلي وبين عيوبه باعتباره منهجا لا يتلاءم مع المنهج العلمي الحديث حيث أخطأ أصحاب المنهج العقلي عندما تصوروا ان الطبيعة البشرية كأنها نتاج العقل، وأن العقل كأنه موهبة عليا وظيفتها الوصول الى الحقيقة بكل أبعادها، وظنوا ان في وسعهم اصلاح البشر عن طريق الموعظة والخطابة واسداء النصح بما يسمى المثالية العقلانية (الدين والأخلاق والقيم وحتى الفكر في جزؤه الحالم بالرومانسية التأملية)، فيصف المثاليون العقلانيون دوما بانهم يعيشون بتفكيرهم في أبراج عاجية وينظرون الى المجتمع نظرة مثالية دون أن يتحققوا من أفتراضهم على الواقع المادي.
إنه هنا يدين العقل ولا يدين العقلانية المثالية بالحقيقة، فإن عجزت المثالية العقلانية عن معالجة وفهم وتصويب حركة الواقع والإنسان لتعاليها وترفعها عن الواقع، وبالحقيقة هو كسلها الترفي المتأتي من قواعد مقدماتها التي تجذرها الأنا بما يتراءى لها من منزلة أو موقع أجتماعي، فالعيب ليس في العقل بالتأكيد ولكن في قوة النفس وشخصنة الأنا فيها، وهذه الشخصنة ولدت تأريخيا ولعوامل كثيرة تتعلق بالمعرفة المجتمعية التي تطورت مع تطور حركة المجتمع وهي نتاجها ونتاج تجربتها في موضوعية وذاتية المجتمع نفسه، إذن المدان هنا المعرفة لا العقل وإن كان يتحمل جزء من هذه المسئولية لو أمنا كما يقول العقلانيون أن الحقيقة موضوعية خارجة عن العقل، أنا هنا أبرئ العقل من المثالية التي أدانها الوردي وأفترق معه في نسبتها له لأنها أصلا تتعلق بالنظام العقلي الذي نشأ من التجربة وعاد إليها بالنتائج.
وحتى أدافع عن رأي هذا نعود لتحليلاته هو حين يدين العقل الجمعي في قضية الإيمان والتدين، فهو مثلا يقول "فإذا وجدنا أفرادا يمارسون عادات وتقاليد باطلة فلا يكفي لإصلاحهم ان ندعوهم الى التفكير السليم، لأنهم يعتقدون بان ما اعتادوا عليه هو الصحيح وما يعتقده الآخرون هو خطأ، وغالبا ما لا يستسيغ البعض أن يروا واحداً يخالفهم في الرأي لأنهم يظنون بأنهم على صواب وغيرهم على خطأ"، هذه النتيجة التي أمن بها وخلص عندها تحتوي على عنصرين مهمين، أولا عنصر المعرفة وكيفية تولدها ورسوخها في المجتمع، فهي بالتأكيد ليست عقلية تامة أي ليست منطقية أكتشفها العقل ولكنها ولدت نتيجة تغييب العقل من خلال تغييب العاقل الفاعل، فهي تجربة مجتمع نشأ على ومع الفكرة ولا يستطيع أن يفارقها لأنها مبرهن عليها كما يظن، وبالتالي العقل لا يستطيع مواجهة تجربة يظن صاحبها أنها يقينية تماما حتى تثبت له بتجربة مضادة عكس ما يظن.