قراءة في نتائج التشريح الاجتماعي للشخصية العراقية ح5

عباس علي العلي
2020 / 8 / 1

الوردي وإشكالية الفهم الديني

لم يكن الوردي عالم أجتماع فقط بل كان باحثا فكريا وناقدا سيسيولوجيا من طراز فريد، أستفاد من مقدماته التكوينية الدينية وفهمه الحقيقي للدين، ومزج بين دعوته الإصلاحية النقدية وبين منهجه العلمي وتأثيرات عالم النظريات الحداثية التي عايشها وتفهم دوافعها وأسسها الفلسفية والفكرية وما تلمسه من حلول ظن أنها قادره على إحداث التصليح والتصحيح بين الواقع والهدف الغائي منها *، وبين أمانيه كونه يمثل جزءا مهما من النخبة التنويرية التي تتحسس وتعي مسؤوليتها في قيادة المجتمع، دون أن يترك مجالا يمكنه الدلف منه إلى نشر تلك الدعوة التنويرية، مما أفرد له مكانه خاصة في عالم الحرية الإنسانية ومراميها في أستعادة الوعي بإنسانية الإنسان كونه غاية الفكر والعلم والفلسفة.
الجانب المشرق الأخر من فكرة ونظرة الدكتور الوردي ومن سياق تحليلاته التي ركز عليها كثيرا مسألة النظرة إلى الدين، أو ظاهرة التدين واصفا بحدية عالية كل أشكال المظهر السلبي منها رادا ذلك إلى نفس العامل الأول، وهو صراع البداوة والحضارة معتبرا أن أس الصراع هو الميل المحافظ البدوي الذي لا يستسيغ الحرية والتطور ومسايرة الزمن في استحقاقاته على القراءة الدينية، وبين الحضارة كقيمة قادرة على ترجمة الدين بإحساس زمنه مما يجعله قادر على التوظيف والتحديث الذاتي دون أن يفقد الدين سماته الأساسية .
فقد تطرق في دراسته التحليلية والشخصية إلى جوانب مهمة من تكوين هذه الشخصية مشيرا إلى دور (النموذج القدوة) بشكل مباشر وأحيانا بالإدانة الى شخصيات التاريخ الديني والأجتماعي، والتي كان لها التأثير الواضح علي حياة العراقي من خلال عاملي الأنحياز أو الضدية، فعند الخيار العام المتاح لهذه الشخصية في أصطفافها أو تخليها عن نموذج ما فإنه يعامل هذه الشخصية بالكلية فهو أما معها بكل إيجابياتها والتساهل في الجانب الأخر، أو رفضها لكل سلبياتها والتشدد في الإدانة مع وجود جانب قد يكون مضيئا فيها، هذا الموقف الحدي الذي تعاملت به الشخصية العراقية أنسحب بشكل أو بأخر كطبع على مقاييس التعبير العام تجاه أي موضوع أو مسألة، فهو أما غارق حتى أذنيه في الولاء المطلق لها، أو نافر للحد الذي لا يرى أي مجال حتى للقبول بالمناقشة الحقيقية التقييمية، هنا يكون أما ناقم متطرف ضد الموضوع أو مستسلم لحد اللا أبالية تجاه العقلانية في فهم وتحليل الموقف وفقا لأسس وقواعد المنطق العقلي.
ثم عالج الوردي مفهوم المدنية كقيمة قياسية أجتماعية وسياسية وثقافية رابطا بينها وبين الحضارة والتطور والتجديد، ويشير إلى مفردات تكوينية محددة لعبت دورا في صنع الوعي المدني والحضاري منها الجهل والتعصب وطبيعة الريف والبادية ثم المدينة المتريفة والهجرة ومشكلة ازدواج الشخصية والمدينة الفاضلة والتقوقع البشري وتأثير (الخوارق والأحلام) علي مظاهر السلوك الإنساني ومعطياته ونتائجه، وسط هذا التزاحم والكم الهائل من الجوانب الاجتماعية والفلسفية المبحوثة والمعرضة للنقد التقويمي بجرأة غير مسبوقة ولا مبالي بمسائل قد تعود بنتائج سلبية علي الباحث، وهما مسألتان مهمتان هما تأثير الأديان ودور رجال الدين بشكل أساسي لطبيعة دور الدين والتدين وقيمتهما في الذات الشخصانية، والأمر الأخر يتعلق بقواعد التعامل المحرم مع (التابو) الشرف الأجتماعي (العيب) والانحراف الجنسي وإبداء أراء صريحة ومنطقية بهذا الصدد.
هذا الحال جر البعض من خصومه ومن أنصاره الإدعاء بأن الوردي يتهم الشخصية العراقية بالميل نحو المراوغة والنفاق، والحقيقة هذا الأتهام غير واقعي وغير حقيقي بالمرة، فلم يسمي الدكتور الوردي صراحة المجتمع العراقي بالمجتمع المنافق الذي يضمر شيء ويفعل شيء الأخر، النفاق الأجتماعي المدان عند الوردي والذي أستق مصدريته من فهمه للكلمة كما وردت في القرآن الكريم غير ظاهرة التلاؤم والمحايلة العقلية والنفسية السلوكية التي نتجت من حالتي الصراع والناشز الذي ذكرناهما سابقا والمتخذ منها ومن مجموعة من المظاهر التي شخصها وصفا أجتماعيا عموميا للشخصية العراقية، لكن لم يصرح بكونهما نفاقا أجتماعيا مرضيا لا في الحقيقة ولا في التلميح {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}الصف3، إنه يدين المعالجات الخاطئة في التصرف ويسميها ميل تدبري لا عقلاني للتغلب على وضع غير خاضع للفهم أو غير قابل للمعالجة بما في الشخصية العراقية من قدرة على التعامل الناجح معها.
فهو يصفها باللاعقلانية السلوكية وهذا الوصف الفكري هو الأقرب لتحليلات الوردي وتشخيصاته، خاصة عندما يقرأها من طور تدينها وتعاملها مع الدين، ومع أنه يحذر من أن العراقي بهذه الصفات ليس منافقاً أو مرائياً كما يحب البعض أن يسميه بذلك وفقا لما جاء في مخاطبة الحجاج لأهل العراق وتسميتهم بـ (أهل اللجاج والنفاق) أو مفهوم التقية المحرف لدى البعض ممن يتدينون بها، لكنه يعود ليكشف عن إيمانه بنفاقية المجتمع العراقي وخاصة المؤسسة الدينية في شقه الدعوي والاجتماعي، ويلمح لأثرها على المجتمع والفرد في تأكيده على أن العراقي كشخصية يعمل بإحدى شخصيتيه ينسى ما فعل آنفا بالشخصية الأخرى أي أنه سهل الأنخداع ببساطته وإيمانه بالغرور والتغرر كما ورد بالمثل العامي (شيمه وأخذ عباته)..
لقد اتخذت الدكتور الوردي من العقل الجمعي العراقي الذي يعيش الطائفية المذهبية وكأنها نهاية القرار الديني لديها في عين الوقت الذي يرى فيه تخلي عن جوهرية الدين الحقيقي الذي يوصم بالشرك والإلحاد على مستوى واحد من التعاطي، وعلى نفس المستوى من الإدراك عيبا أساسيا قاد الشخصية العرقية للنتيجة التي ألت إليها تحليلاته، وهذا ناتج من الثنيوية التاريخية والجغرافية التي أثرت عميقا في اللا وعي المستتر، في الوقت الذي يتمسك جزء من هذه العقلية بقوة نحو المحافظة والتشدد في الاعتناق المذهبي تقابله ردة فعل معاكسة في الأتجاه والتصور، هذا قاد إلى نوع من التوتر الذي لا أمل فيه للوصول لمشتركات على مستوى العقيدة والدين، كلما كانت المظاهر العبادية مدانة من طرف يقابلها إصرار على أختلاق تطرف مقابل عن الطرف الأخر، هذا الموضوع ليس خاصا في التمذهب العراقي، ولكن لقوة الطرفين وحضورهما الفعلي وجها لوجه، أبرز الإشكالية على السطح وجعل مفاعيلها واضحة للعيان، مع العلم أنها تجري أيضا في غالب المجتمعات التي تكون فيها تناقضات مذهبية ويكون فيها توازن بين عناصرها وليس في المجتمعات التي تشكل أغلبية عظمى وأقلية مقهورة كما في دول الخليج العربي أو في مصر مثلا.
فالصراع المذهبي يتبلور لسببين هما وجود توازن أو تعادل متقارب بين مجموعتين متناقضتين على مبدأ واحد، وثانيا علاقة كل منهما بالقوة ومصدر القرار، قبل عام 2003 في العراق كان الميزان السلطوي يميل لمصلحة الطائفة السنية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة أوائل القرن الماضي، وبأمتداد تاريخي سابق في الحقبة العثمانية، جعل القوة والغلبة في الصراع محسومه دوما لها، بعد 2003 ونتيجة التغيير الخارجي للسلطة برزت قوة المنافس الخصم الذي لم يترك وسيلة ولا طريقة تمكنه من محاولة التعويض عن الظلامات القديمة كتطرف أجتماعي مذهبي، لذا فالطرف الأخر كان يتحسس من هذا الواقع الجديد الذي لم يعتاد عليه سابقا، فحاول وقف هذا المد من خلال احتضانه للتطرف والتشدد الذي وإن ظهر بعنوان سياسي لكنه في الحقيقة ردة فعل أكثر من كونها قرار سياسي للطائفة.
هذا التطرف والتطرف المقابل شرخ في الوجدان العراقي وأسس لنوع من الانفصام في الذات العراقية عامة حولها من مفهوم وطني جامع إلى فئوية متضايقة وأحيانا متطرفة برغم أن الجميع يرفع شعار العراق كوطن نهائي، الذي عمق الأزمة ولعب دور المحرض المذهبي الخارجي ليس العامل الديني وحده، ولكن تناقضات المذهبية على المستوى الإقليمي ومحاولة البحث عن الزعامة بين دول محورية ودول دائرة في مدار المحور، هذا التنافس المذهبي بدل أن يتحول لمصدر قوة ومصالحة تاريخية لبناء مجتمع جديد، مستفيدا من عوامل التغيير المتاحة والذهاب إلى التخلص من العوامل الغير قادرة على الأستجابة الطبيعية للتغيير والتحديث، أرهقت الشخصية العراقية التي أنخرطت في عمليات غسيل دماغ جمعي ومجموعي من خلال خلق قواعد شعبية غارقة في قرويتها وريفيتها لتكون عنصر صراع بين المدنية والتحضر من جهة وبين عوامل ومحركات التخلف والتراجع الحضاري والفكري من جهة أخرى.
وبالتالي فإن إعادة صياغة قواعد الشخصية غير ممكنة ما لم يتخلص العقل العراقي من الازدواجية هذه ليس من خلال الرغبة المعلنة فقط، ولكن من خلال فهم حقيقة واحدة أن الصراع المفتعل بعنوان نصرة الله ونصرة الدين والمذهب ليس له نتيجة ولا نهاية، طالما أننا نخضع ما لا يخضع عادة لمضمونية الصراع، الله لا يحتاج من ينصره وهو الذي بيده مفاتيح ل شيء والقادر عليها وهو الذي من يتولى حفظ الدين كما وعدنا وكما نؤمن، والدعوة التي يعتبرها البعض مقدسة للنصرة هي بالحقيقة تنتهي بنتائجها لنصرة شخص أو جهة أو رؤية قد أفلست مع الله، فأستدرجت البسطاء لهذا الصراع وإيهامهم أن الله والدين في خطر، حتى يجعل الأستجابة الفطرية من الناس وبخداعهم تتجه صوبه هو ليعوض إفلاسه مع الله ببديل جاهز وسريع الإنفعال.
هذا الحل وهذا التقرير مرتبط ايضا بتحرر المؤسسة الدينية من غربتها وأغترابها أولا، ومن بدويتها المفرطة التي تعني فصل الدين عن عوامل النصرة والحمية والأستثارة اللا مبررة والتي تجعل من الدين قيمة أقرب لمفهوم القبيلة والمشيخة والصراع من اجل البقاء، لتعود لفكرة الرسالة الأولى أي العيش في عقلية حرة ومتحررة من إرثها القبلي الذ طالما تغنت به من خلال أعتمادها مفاهيم قبلية تربط كل شيء بقريش وبطونها وصراع أجزائها ومكونتها من بطون وأفخاذ، هذا ينتصر لبني علي وذلك ينتصر لبني العباس وأخرون ينتصرون لبني أمية وكأن دين الله جوهره قريش وهدفه مجد قريش وقريش هم شعب الله المختار، ليعود مرة أخرى ليلقي اللوم على العقل البدوي البدائي وكأن البداوة هو الطبع الأصل في لشخصية العراقية غير قادر على الانفكاك منها والتخلي عنها.
لم يطرح الوردي حلا للمشكل الديني المذهبي الطائفي لا إجماليا ولا تفصليا وإن كانت النظرات النقدية والتحليلية له من الممكن العمل على بلورة صورة أو رؤية للحل، بل أن المنهجية المعتمدة في الدراسة الموضوعية والتي تعرض لها بالنقد والتحليل قد أفقدته القدرة على طرح مشروعه الفكري والقدرة على عرض المعالجة، ليس لأنه غير قادر على وضع الرؤية أو غير راغب، ولكن في مجتمع كالمجتمع العراقي المركب والمعقد سيكون ذلك نوعا من الأنتحار الفكري ربما قد يصل به للهلاك أو الحكم عليه بالهرطقة أو الخروج عن الملة والارتداد بتوقيت واقع وزمن عصره.
كما والظن عندي كباحث محايد أقرا ما بعد السطور أن الدكتور الوردي في لحظات صفاء فكري كان يؤمن لحد ما أن بعض تحليلاته كان يسودها التطرف أحيانا أو التجني إن لم نزيد، لآنه وإن يسوق الظاهرة للنقد لكنه غير قادر على إيجاد لبديل للواقع المنتقد، وأعتقد أيضا أنه كمفكر أكاديمي وباحث علمي ليس مطلوبا منه بالتأكيد بالصفة هذه أن يجترح الحلول، أو يؤسس لرؤية أجتماعية عامة في مجتمع منقسم على نفسه كما هو منقسم على ذاته، ولكنه بالتأكيد كان على استعداد للمساهمة في إيجاد منهج يقود للبديل أو يؤسس له لو توافر الظروف والنوايا الصادقة، وهذا شكل أيضا إخفاقه للفكر النخبوي في مسعاه نحو إعادة صياغة هوية جديدة.
في آخر أيام حياته آثر الوردي الصمت وهذا بتقديري يعود إلى أن كثيراً مما سيقوله "لم يحن وقته"، وهذا ربما يفسر أن كتبه السبعة التي أعلن عنها في ثنايا كتبه المطبوعة لم تر النور في حياته، لكن إرثه ما يزال يتكلم حاملاً في طياته رؤيته لحل لكثير من المعضلات التي استشرفها وفكك مسبباتها، فتنبأ أنه بدون الديمقراطية التي نهضت بالأمم الأخرى لا مناص من إعادة انفجار الأوضاع العربية بين فترة وأخرى، وقد تكون هذه ليس نبوءة غيب بقدر ما هي أستنتاج وخلاصة دراسة علمية بقوانينها المجردة، وقد أثبتت تلك الرؤية حقيقتها بالرغم من غيابه الطويل نرى الفوضى وعدم الأستقرار والتخبط السياسي والاجتماعي حتى مع وجود شكلا زائفا من الديمقراطية التوافقية التي تعني ديكتاتورية النخب السياسية فحسب.
هذه الفوضى والخراب الأجتماعي ناتج طبيعي بسبب قوة جذور العصبيات التي تتحكم بشخصية الفرد العربي والعراقي تحديداً، وهو يعيش واقعاً مجتمعياً أسيراً للتاريخ وثاراته وقيم وأعراف اجتماعية وعصبيات طائفية وعشائرية معقدة، ماتزال بقاياها كامنة في النفوس وتفرض واقعها العصي على التزحزح والأنانية عن مكانها التي أحتلته نتيجة قرينة المدينة وأريفة المجتمع، فضلاً عن الاستبداد السلطوي وأبواقه الذي طالما حذر منه، وهو يعيد إحياء رفات الرواسب الاجتماعية والثقافية التقليدية القديمة ويرسخها لمصلحته من جديد، كما نشهده اليوم، داعياً إلى أن "نحدث انقلاباً في أسلوب تفكيرنا الذي يسير على نمط ما كان يفكر به أسلافنا في القرون المظلمة".
يظن البعض أنه ليس من المهم أن تكتشف الخطأ بقدر ما أن تجد أسباب الوقوع في الخطأ والعلل الدافعة له، لأن في الحالة الأولى قد تفشل في التجاوز لأنك أصلا لم تهتدي للأسباب، أما لو أكتشفت الأسباب فمن البديهي العقلي أنك ستكون في حذر إن لم نقل في مأمن من الوقوع في نفس تلك المؤديات وتكرر نفس الفشل السابق، هنا نؤاخذ على فكر الدكتور الوردي أنه أكتشف الخطأ الذي عراه وجاهر به علنا، ولكنه لم يكن بوسعه البحث عن واقعية الأسباب وعلات وقوعيتها بنفس الجرأة التي كشف بها الأخطاء وخاصة في موضوع الدين والتدين بالرغم من أنه حاول وأشر للبعض منها، قد تكون أيضا الأسباب المتعلقة بأنتهاك التابو الديني والخشية من المواجهة الحدية مع قوى المجتمع المتنفذة كان لها الدور الأساس في ذلك، ومع أنه بدأ المشوار وخط الخطوات الأولى التي أسست للمنهج النقدي التاريخي بهذا قد سبق غيره وفتح الطريق لمن جاء بعده.
لقد أسس الدكتور الوردي فكرته العامة في دراسة المجتمع العراقي على نقد العقل العراقي المتردد في مواجهة المكنون النفسي الذاتي والمسحوق تماما بالعوامل التاريخية الإرثية الدينية والسياسية والأقتصادية، هذا المكنون العليل الذي لم يوفق في الكثير من مضامين نتاجه المعرفي على أدراك أساسيات التوافق بين العقل المجرد والنتائج السلوكية عامة، بأعتبارها الممثل الحقيقي لما يمكن أن تكون علية من انعكاس صادق وحقيقي له أي للعقل الإنساني الموصوف بملكة القوة عادة، وبذلك حمل العقل الجمعي والذاتي مسئولية هذا الفشل رابطا بينه وبين الفيما حولية التي أعزى لها علة التعطيل وأحال عليها المردود والموروث النسقي في أشكالية الازدواج السلوكي في شخصية الفرد العراقي.
إن المزج بين نظرية فرويد ومنهجه في التحليل النفسي والتي كانت واضحة في تأثيراتها في كتاباته وأفكاره بشكل عام، وفي التناقض الحاد بين العقل الظاهر والعقل الباطن، وبين الأنا العليا والأنا السفلى مع إيمان الوردي بصراع البداوة والحضارة، قدم لفهم مركب عنده أقام عليه مسألة الصراع وتصوريها كأنها تمثل البداوة في الأنا السفلى والحضارة في الأنا العليا، هو ذات الصراع بين العقل الباطن البداوة وبين العقل الظاهر الحضارة، وتبني الوردي لفكرة تنشز الأجتماعي التي مفادها أن الفرد في المجتمعات البشرية سريع التحرك والاستجابة والتفاعل في ما يتعلق بالجوانب المادية والحسية المرتبطة بشهواته ونزواته ومما يحرص عليه كحاجة وجودية طبيعية، وبين تكاسله وتثاقله في المجلات الأخرى التي تتعلف بالجانب الفكري والعقيدي، كلها صبها الدكتور الوردي في نظرية واحدة ليبني نظريته عن تدين المجتمع العراقي واصفا إياه أيضا بأقتران التطرف والتمييع معا كما أقترن فيها التخلف المحافظ على طائفيته وإلحاديته في آن واحد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*. مساهمات الوردي التاريخية لا تقل أهمية عن إنجازاته في علم الاجتماع، فأعاد قراءة العديد من أحداث وشخصيات التاريخ الإسلامي وفق منهج واقعي بعيد عن المثالية يأخذ بالاعتبار الميول البشرية التي لا يمكن تجاهلها، وذلك بإلقائه الضوء على كثير من القضايا الشائكة التي تجنب معظم الدارسين الخوض فيها لحساسيتها. وقد اتسمت معالجته بالموضوعية الشديدة التي ألزم نفسه بها؛ من خلال تحليله العلمي غير المتحيز لأهم الأحداث التي مر بها التاريخ الإسلامي، وبالذات الفتنة الكبرى وعلاقة علي ومعاوية، وجذور الصراع الشيعي السني، وما تبعه من تداعيات ما تزال تعاني منها الأمة حتى الوقت الراهن، وفيها أعاد معظم ما جرى إلى أنه محصلة صراع بين دافعي الواقعية والمثالية، تطور إلى خلافات مذهبية دينية في ظاهرها، لكن منشأها سياسي في المقام الأول. منى شكري ، مصدر سابق