حروبٌ مدمرةٌ ، بدافع الحب اندلعت .

يوسف حمك
2020 / 7 / 12

كانت عقارب الساعة تقترب من الواحدة و النصف في منتصف نهارٍ ربيعيٍّ ساحرٍ . وجه السماء كان هادئاً مبتسماً ، و أشعة الشمس استقرت على كل شيءٍ حولنا حانيةً ، تداعب الزهور المتفتحة بلطفٍ .
نسمات الهواء في هبوبها كانت رحيمةً . تلامس الوجوه بنعومةٍ ، و على أوراق الورود كانت لينةً .

الأزهار متباينة الألوان و الأشكال ، متنوعة الأحجام . من بينها صنفٌ صغير الحجم ، أبيض اللون . ينثر عبيراً طيباً ، شذاه فريدٌ في عطره ، ينشط الأنفاس الخاملة بين أحضان طبيعةٍ استعادت خضرتها البديعة التي بسحرها يستريح النظر ، و يسعد القلب ، و من جمالها تبتهج جنبات الروح ، فتقبل على الحياة طواعيةً بلا تدبيرٍ . و الأسماع كانت تداعبها ترانيم الطيور ، فتطرب لألحانها المريحة الهادئة .
كل شيءٍ كان قد استعاد نشاطه و شبابه بعد تكاسلٍ و تقاعسٍ من عناد الشتاء و مكابرته الخشنة .

كنت أنا و صاحبي نحاذي القطار في خط سيره ، فيطل علينا بين الفينة ذهاباً و الأخرى إياباً ، لتكتمل به لوحة الربيع - ملك الفصول ، و سيد الطبيعة -
مرت بجانبنا فتاةٌ نادرة الجمال ، مليحة الوجه ، وفيرة النعومة ، رشيقة القوام ، زرقاء العينين ، حريريُّ الشعر بلون الذهب الخالص ، لا تشبع الروح من مذاق أنوثتها الغضة .
ملامحها الوديعة الوسيمة غزت عقل صاحبي ، و أيقظت مشاعره الناعسة ، فقال منفعلاً : " هل تعلم أن هذه الأنوثة تستحق أن يقترف المرء أكبر مذبحةٍ في التاريخ من أجلها ، ولا أعتقد أنه يندم بعد ارتكاب مجزرته من فرط هذا الجمال الراقي ، أو يرف له جفنٌ .

أجبته على الفور : أما سمعت بالحروب الطاحنة باسم الحب ، و بالمجازر التي ارتكبت من أجل الافتتان بفداحة الجمال ، و بالنكبات التي أهلكت العباد و البلاد لوقوع القلوب في شباك الأنوثة المدهشة ؟!
الكثير من الفرسان يهزمون من القلب ، و ليس في معمعان القتال أو ساحات الوغى .

فللعشاق قصصٌ ، و للمحبين حكاياتٌ ...
العظيم نابليون انكسر عاطفياً أمام سطوة أنوثة ( ماريا واليوسكا ) حينما خطفت قلبه . فكان أن منحها استقلال بلادها بولندا ثمناً لجاذبيتها المثيرة و جمالها المغري .
االآلاف من الرجال و الفرسان سقطوا صرعى ، و طروادة دمرت بالكامل ، بسبب عشق أمير طروادة ( باريس ) لأجمل نساء الأرض ( هيلين ) زوجة ملك اسبارطة ( مينيلوس ) . حربٌ دامت عقداً كاملاً طبقاً للأساطير اليونانية .
الأخوان كليب و الزير سالم - المهلهل - عاشقا الفتاة الجميلة ( جليلة ) قتلا الملك اليمنيَّ ( تُبَّع ) رغم قوة مملكته و طغيانه ، في مغامرةٍ شديدة الخطورة ، إنقاذاً لفتاةٍ طافحة الجمال .
من أجل حب ( برنجاريا ) قام ملك انكلترا ( ريتشارد قلب الأسد ) بغزو جزيرة قبرص ، و احتلها بالكامل ، ثم باعها لفرسان الهيكل .

نعم للجمال هوةٌ سحيقةٌ إذا سقط في قعرها القلب ، تسمَّم بحمى الهوى ، و غدا أسير العشق فاقد الوعي .
لا ينجو إلا بأعجوبةٍ ، ولا يفك أسره إلا بمعجزةٍ ، أو قد يظل سكيراً لا يستعيد وعيه للأبد .