الإخوان المسلمون والإسلام السياسي : توأم الروح والجسد والخندق الأخير لتسلط وإرهاب الجيوش العربية

أمين المهدي سليم
2020 / 7 / 6

لاشك أنه من الممتع رصد المجهود العقلي الإنساني الحر وهو يستكشف الواقع ويبحث في ديناميكيته وقوانينه ويضع معاييره، ومن ثم يحوله إلى خبرة إنسانية، وبالتأكيد أنه من الممتع أكثر إلى درجة الشغف أن يتحول هذا المجهود إلى نبوءات تضيء المستقبل وتقدم امكانية لتوجيهه وترتيبه في اتجاه تحرير الإنسان.

في عدد ابريل 2016 من مجلة ذى أتلانتيك الجادة الرصينة، وعلى مساحة 70 صفحة تقريبا، قدم الرئيس السابق للولايات المتحدة باراك أوباما تصورا سياسيا متماسكا للعالم، جعل المجلة تسمي تصريحاته وأفكاره ب "مبدأ أوباما". فيما يخص العالم العربي قال مامعناه :"أن كل مجهود من أجل تطوير ودفع هذه المنطقة في اتجاه الديموقراطية سيفشل، لأن الحكام الطغاة أطاحوا بكل الوسائط بين المجتمع والسلطة وأحلوا مكانها هياكل طائفية ورجعية متخلفة، وعندما يتم ازاحة هؤلاء الطغاة تقع تلك البلاد ضحية للحرب الأهلية"، وأود هنا أن أضيف أن الطغاة العرب وخاصة في البلاد التى تحت حكم الجيوش ينصرف كل مجهودهم إلى اضعاف المجتمع المدني وإنهاكه وتفكيكه، ولا يكتفون بذلك بل يقيمون بنية تحتية كاملة وموازية للحرب الأهلية، لم يكن الإرهابي الفاسد حسني مبارك يخجل من أن يقول بوقاحة :"أنا أو الفوضى"..

في 26 سبتمبر من نفس العام أي بعد حوالي 5 أشهر فقط صرح توأم بشار الأسد الأكثر منه خيانة وجهلا ولصوصية، ولا يقل عنه وحشية وبشاعة وهو السفاح العسكري عبد الفتاح السيسي في منطقة غيط العنب في الإسكندرية وهو محاط بجنرالات القاذورات المسلحة القتلة والجواسيس والسماسرة لصوص لبن الأطفال وأدوية المرضى وخبز الجياع وأباطرة الأسواق السوداء وخطوط السمك والمكرونة والدواجن وكعك العيد والبيوتي سنترز والنوادي الليلية :"لو اتحركتوا ضدنا مش هنسيبها ولا هتنفع لينا ولا لغيرنا"، وهكذا حصلنا على تجسيد مباشر حاد وموجع لعبارات أوباما، أشبه بتطابق مختبري بين الهدف من استخدام عنصر كيماوي، وبين أثره على فأر تجارب.

عندما شرعت في البحث السياسي والاجتماعي في تاريخ مصر الحديث، كانت هناك حقيقة متكررة صادمة تقوض كل ماكنت اطالعه من بحوث حول العلاقة بين العسكر في مصر وبين الإسلام السياسي، وهى أن كل البحوث تناولت الظاهرتين أو القوتين منذ "هوجة عرابي" وحتى الآن بالقطعة وبالتجزئة، ولا توجد دراسة واحدة في الداخل أو في الخارج تتناول الجدل وديناميكيات التأثير والتأثر بين القوتين بالرغم من الثقافة والذهنية المشتركة بينهما كقوى رجعية محافظة معادية للحرية والحداثة، بل أنهما معا يشكلان رد الفعل ضد التحديث "الغربي" في مشروع اسرة محمد علي، وهالني اكتشاف أن الحاضن الأول للإسلام السياسي والتجسيد الحركي الفائق له هو الجيش المصري، منذ تأسيسه في سبعينات القرن 19، بالطبع هناك أوعية اجتماعية وهياكل وظيفية غذت هذه الديناميكيات وهى حصرا الريف المصري والأزهر واستخدام السلطة أحيانا للخطاب الديني كوسيلة سيطرة، وفي الجانب التاريخي الثقافي هناك مايصنع تقاربا موضوعيا مباشرا وهو أن نسخة الإسلام السني الشائعة هى ليست فقط ابنة التأسيس الثاني للإسلام بدءا من نهاية القرن الثاني الهجري فقط، بل هى نتيجة نزعة سلطوية إمبراطورية في البلاط العباسي. ومع تمدد البحث اكتشفت أن جماعة الإخوان المسلمين هى الابن الشرعي لهذه الحاضنة التى عبر عنها الحزب الوطني أولا، في جذوره العرابية ثم تبلوره على يد محمد عبده ومصطفى كامل، ثم عزيز المصري وحسن البنا منذ 1933، والدعوة إلى تشكيل الجيش الأهلي، ثم الجيش المرابط في 1938 وحتى الآن مرورا طبعا بمجموعة عزيز المصري وعبد الرحمن عزام وعبد المنعم عبد الرؤوف ومحمود لبيب وحكومة علي ماهر في 1939، وهى بالمناسبة حكومة القصر، وأيضا كان علي ماهر هو أول رئيس وزارة إخوانية عسكرية غداة إنقلاب 23 يوليو (مما يؤكد أن التزاوج بين الفئتين برعاية الجمهورية العسكرية هو نفسه سواءا بسواء تحت رعاية الملك فاروق الذى تمكنت منه النزعة الفاشية عندما تولى عزيز المصري رعايته طفلا، ومرورا بمرحلة التزاوج في مرحلة الإرهاب الدموي البشع الذى ارتكبته جماعة الإخوان في النصف الثاني من أربعينات القرن العشرين، وكان المحفز والذى وفر السلاح والتدريب هم ضباط الجيش، وهكذا يصبح الإنقلاب المشترك في 23 يوليو 1952، بل ويصبح الإسلام السياسي وفي القلب منه جماعة الإخوان هو الاستثمار الاستراتيجي السياسي لجمهورية يوليو العسكرية طوال عمرها، وأن ذلك فقط من باب تحصيل الحاصل، بل أن هذا قدم قوة تفسيرية عن حتمية وميكانيكية استخدام جمهورية عصابات يوليو العسكرية لحركة الإخوان ثم تحجيمها مرات ومرات، بالرغم أنه في ثلاثة مرات على الأقل كان التحجيم بعد الاستخدام دمويا ووحشيا، وهذا ناتج بالطبع عن المضمون الفاشي والسطحية الفكرية والغوغائية لدى الطرفين. ومن يقرأ بتمعن بيان محمد علي الذى تبناه الإخوان بالكامل يشعر أنهم أشبه بطفل يتيم يبحث عن مأوى بطرق أبواب النظام العسكري بشرط شكلي بائس وغير جاد أن يتم هذا بدون السيسي.

الأخطر أن الإرهاب في نوعيه القومي والإسلامي كجماعات وممارسات وأهداف دبرت واديرت بواسطة الجمهوريات العسكرية "يوليو وبناتها السبعة"، وكان الاكتشاف المذهل وبالمعلومات الدقيقة وبقوة تفسيرية لاتحيد أن الجماعة الإسلامية في مصر التى مارست أخطر أعمال الإرهاب كانت ابنة الأجهزة بالكامل سواء أمن الدولة أو المخابرات الحربية، وأن هذا بدأ منذ دخول حسني مبارك إلى الفضاء السياسي العام حتى أنها استخدمت في أعمال إرهاب متنوعة إلى درجة تثير الاستغراب، ومبارك هو نفسه الذى قدم الغطاء للإرهاب القومي العروبي في جريمة السفينة أكيلي لاورو في منتصف الثمانينات، وهو نفسه الذى شكل تنظيم ثورة مصر لاغتيال الدبلوماسيين الإسرائيليين والأمريكيين في شوارع القاهرة في 1988، وهو الذى استضاف أبو نضال (صبري البنا) لمدة عامين في القاهرة لأهداف تدريبية في نهاية التسعينات. واستمرت رعاية جماعات الإرهاب والتطرف ولم ـتغير بأي درجة في ظل حكم طنطاوي ومرسي والسيسي (عرضت بعض ذلك مفصلا في الحلقة الأولي وسأتابع العرض في الحلقة الثانية من دراستي "الجذور التاريخية للتحالف بين الفاشيتين العسكرية والدينية في مصر")، وبالمناسبة وافق الأمن الحربي والمخابرات الحربية في احتفال ذكرى اكتوبر في 2012 على حضور قيادات الجماعة الإسلامية المتهمة "شكليا" باغتيال السادات ناهيك عن استخدام السيسي لأعمال الإرهاب المفزعة طوال 6 سنوات دون ورقة تحقيق واحدة نظيفة ودون توفر أي جهة تحقيق ذات مصداقية من الأصل.

عندما قدم المرشد العام الراحل مهدي عاكف استقالته الغريبة المفاجئة من قيادة جماعة الإخوان ومعه نائب المرشد د.محمد حبيب في اكتوبر 2009، صرح في مقابلة صحفية مع جريدة المصري اليوم أن مكتب الارشاد "فيه أشياء غريبة بتحدث" ملمحا إلى اختراق أمني لمكتب الارشاد، وقدم محمد حبيب تفسيرا أكثر اثارة وغرابة إذ قال :"كانت أكواد الاتصال بالأقاليم تبلغ للأمن قبل أن ابلغ أنا بها"، وهكذا يتأكد أن توأمة الروح بين العسكر والجماعة امتدت إلى توأمة الجسد.

وصلت الغفلة والعجز الإخواني إلى درجة العمى والشلل أمام سلطة العسكر إلى تسليم منصة اعتصام رابعة والنهضة إلى قيادات الجماعة الإسلامية المباحثية بالاضافة طبعا للمخبرين القياديين في الجماعة، وهؤلاء تولوا تقديم مبرر المجزرة الوحشية لفض الاعتصام، وذلك بالتصعيد المستغرب الاجرامي لخطاب التهديد الفارغ بالعنف والإرهاب، على غير حقيقة الاعتصام الذى كان سلميا تماما، وليس مدهشا بعد ذلك خروج كل هؤلاء بعد المجزرة في سلام ووداع احتفائي من مطار القاهرة وعلى رأسهم المرشد العام البديل محمود عزت وكل قيادات الإخوان والجماعة الإسلامية "المتعاونين"، مع أفواج المخبرين من الفصائل السياسي الأخرى، كي يلعبوا دورهم الملوت في "معارضة" النظام خارجيا، ليصبحون بعد ذلك مجرد أفخاخ للمعارضين الحقيقيين في الخارج.

ودعم هذا الاكتشاف من الباب الواسع في تطبيق إقليمي مدهش مراسل مجلة دير شبيجل الألمانية كريستوف رويتر في كتابه "السلطة السوداء - من كتائب البعث العراقية إلى تنظيم الدولة الإسلامية"، حيث أسس ليس فقط بالكتابة والبحث النظري ولكن بأقدامه وبالبحث المرتحل المباشر والعملي، إذ أثبت أن كل العناصر المؤسسة والتى تقود داعش هم من ضباط صدام حسين والأسد الأب والابن، حيث يقول رويتر :"لايعود تأسيس تنظيم الدولة الإسلامية إلى فقهاء وعلماء مسلمين بل يعود بالذات إلى الجنرالات وضباط الاستخبارات العلمانيين في حزب البعث العراقي".

لم يقف الأمر هنا بل تواصل ليصبح نبوءة تتحقق بعد نشر كتابه بخمسة سنوات كاملة إذ تعلن الولايات المتحدة في 24 يونيو الفائت أي منذ 910 أيام فقط عن مكافأة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن "حجي عبد الله" زعيم داعش الجديد بعد مصرع البغدادي، ويتضح أن حجي بدوره هو من ضباط صدام أيضا. #أرشيف_مواقع_ أمين_المهدي