العلمانية والموروث الإسلامي

صالح بوزان
2006 / 7 / 1

من الصعب مناقشة الذين يقفون ضد العلمانية وفصل الدين عن الدولة من التيارات الإسلامية المتشددة. فهؤلاء يرفضون العلمانية لسببين رئيسيين:
السبب الأول هو ديني دوغمائي يستند إلى الموروث الإسلامي الكلاسيكي، هذا الموروث الذي يمتد إلى أربعة عشر قرناً، وظل محافظاً على نصيته وتقليده. بل حمل معه خلال التاريخ الكثير من الخرافات الفكرية والتجربة الدموية.
تبدأ هذه الدوغمائية الدينية من فكرة أساسية تعود إلى بدايات الحكم الإسلامي، وهي أن كل شيء خارج الإسلام هو جاهلية، ويجب القضاء عليه وإزالته في سبيل انتشار الإسلام وتوسعه. فالعالم كله مباح أمام الدين الجديد، لأن الله يريد ذلك(وما خلقنا الإنس والجن إلا ليعبدوا). وكانت كلمة الفصل تعود إلى القوة والسيف. و سميت كل الغزوات الإسلامية، ونهب الشعوب واستعبادهم(جعلهم موالي) وسبي النساء جهاداً في سبيل الله.
إن هذه الطائفة من المسلمين يجدون في السلف قدوتهم، بل يؤمنون بالله من خلالهم. ولهذا يرفضون كل المفاهيم القادمة من خارج ما قاله هذا السلف، بل يعتبرونه كفراً وزندقة، يجب رفضه دون التفكير فيه، أو الحوار عليه. بل محاربة حامليه محاربة جهادية للوصول إلى رضا الله.
أما السبب الثاني فهو استخدام الإسلام كوسيلة لتحقيق واقع اقتصادي واجتماعي وثقافي يصبح فيه هؤلاء أولياء الأمر على الناس بما يتعلق بدنياهم وآخرتهم. وهنا تكمن جوهر المصالح الدنيوية حسب اعتقادهم. وهذا ما كان عليه خلفاء المسلمين وسلاطينهم منذ تشكيل الدولة الإسلامية.
إن النقاش مع هؤلاء حول العلمانية وفصل الدين عن الدولة سيكون من باب السفسطة. فهم يعيشون في الفكرة التي تراكمت في دماغهم، وفي التاريخ الذي يجب إحياءه بكل الوسائل، دون أية التفاتة إلى تطور البشرية خلال أربعة عشر قرناً، وما فرض هذا التطور من مستلزمات موضوعية تتعلق بحياة الناس. صحيح أن خلفاء المسلمين شذو عن الإسلام الرسولي في حياتهم الخاصة وفي أسلوب إدارتهم للإمبراطورية الإسلامية. ولم يكن هذا الانزياح دلالة على النقص في إيمانهم، بقدر ما كان نتيجة تطور الحياة التي فرضت ما لم يكن يخطر على بال الرسول، ولم يرد ذكره في القرآن نفسه، رغم كل براغماتية المفسرين. ومن ناحية أخرى فقد دل هذا الانزياح أن الإسلام من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية ليس لكل زمان ومكان كما يدعون.
الملفت للانتباه أن هذا الخروج عن الإسلام الرسولي لم ترافقه مقدمات فكرية كما حدث لكل النظريات العامة في المراحل المختلفة من تطور البشرية. بل ظلت عباءة الإسلام الأوصولي الوسيلة الناجعة لتحقيق الغايات الدنيوية، وتعزيز سلطة الدولة، وبالتالي سيادة التشدد الدموي أسلوباً لتحقيق مختلف المآرب الدنيوية والأخروية.
من هنا تبرز جاهزية التطرف المفرط لغالبية التيارات الدينية الإسلامية. وخاصة التطرف السياسي والفكري، حيث لا نجد عند هذه التيارات أية قيمة للإنسان وللإنسانية خارج مفاهيمها الدينية والسياسية. ولعل هذا ما يفسر متعة ممارسة الإرهاب عند نماذج مثل ابن لادن والظواهري والزرقاوي، وكل من على نماذجهم.
أعتقد أن تماهيهم مع الفكرة المتسلطة على دماغهم، جعلهم يفقدون الحس الإنساني الطبيعي، والشعور بآلام الناس الدنيوية. فنجد لديهم الاستعداد للدوس على رقاب البشرية كلها في سبيل تأمين الجنة الموعودة والحوريات الحسان. ولا يمكن أن يفهم التضحية بالنفس(نماذج الانتحاريين) في هذه الحالة، والتي يسمونها استشهاداً، خارج الأنانية المفرطة. لأن هذه التضحية لا تأتي من أجل الإنسان، أو من أجل المعذبين على الأرض، بل هي من أجل شراء الجنة من الله الذي يبيعها بالعبادة والجهاد في سبيله.
نعم..لا قيمة عند هؤلاء للعالم الواقعي المحيط بهم بكل مكوناته، بل كل القيمة للعالم الذي يجب أن يكون حسب تصورهم. أقصد أنهم يعتبرون ما هو موجود في دماغهم أسمى من البشرية والإنسانية كلها.
لا أرى أي مستقبل للعلمانية مع هذه التيارات في العالمين الإسلامي والعربي، ومن المستحيل إقامة حوار موضوعي معهم كما سبق القول، فهم لا يتحاورون، بل يأمرون وسكاكينهم فوق الرقاب. وللأسف مازالت لديهم قاعدة شعبية واسعة، نتيجة التخلف والموروث وانتقائية التعامل مع العلم والحضارة واستبدادية الأنظمة الحاكمة. وأهم من ذلك كله انتشار البطالة الواسعة والفقر بين صفوف الشبيبة، إلى جانب استحكام الحكام الطغاة الأبواب في وجه نسمات الديمقراطية وحرية التعبير.
لقد كانت هذه التيارات عبر التاريخ كارثة للشعوب، وهي التي منعت أو أخرت خروج الشعوب إلى النور والحرية والتقدم. ولم يتم الانتصار عليها في أوروبا إلا بعد ثورات كبرى وأنهار من الدماء. وللحقيقة أن الخوف من هذه التيارات هو الذي يتحكم في فكر المثقفين والمفكرين في العالم الإسلامي. هذا الخوف الذي يجعل أفكارهم تظهر وتختفي على ضوء شدة ومرونة تلك التيارات الإسلامية. وهنا يظهر الفرق بين مثقفينا ومفكرينا مقارنة مع زملائهم الأوروبيين. وبالتالي نقف وجهاً لوجه أمام الجانب الثاني من المشكلة الكبيرة التي تعاني منها شعوب العالم الإسلامي؛ أقصد مشكلة التيارات العلمانية والمثقفين العلمانيين والتقدميين واليساريين...الخ
لا أعتقد أن هناك خلافاً معرفياً كبيراً حول مفهوم العلمانية لدى ساسة ومثقفي العالم الإسلامي الذين يدعون التقدمية واليسارية والعلمانية. بل يكمن الخلاف في قضيتين. الأولى أن العلمانية جاءت في الغرب نتيجة تطور اقتصادي واجتماعي وفكري، وبعد كفاح مرير قاده المثقفون والساسة الأوروبيون، وبعد التضحيات الجسام للشعوب الأوروبية تحت راية الحرية والعدل والمساواة. أما العلمانية التي نتكلم عنها في العالم الإسلامي، فهي توق الفئات الواعية الديمقراطية والليبرالية ومنظمات المجتمع المدني، بهدف الخروج من التخلف والفقر والاستبداد الموروث والجديد. ولهذا كانت وراء العلمانية الغربية قوة اقتصادية واجتماعية وفكرية تراكمت من خلال الصراع مع النظام الإقطاعي والاستبداد الديني. وكان حامل راية العلمانية قوة ثورية حقيقية، غير مترددة، وقدمت أنهاراً من الدماء. أما القوى التي وراء الدعوة للعلمانية والديمقراطية في العالم الإسلامي، فهي بعض النخب الثقافية والسياسية، وبعض القوى الاجتماعية الضيقة. بينما الواقع الاقتصادي والاجتماعي العام والموروث الثقافي فهو ضد العلمانية، وضد الديمقراطية وحرية الكلمة. وهذا ما يفسر تلازم الأنظمة هنا مع الاستبداد، وبروز الحاكم الفرد، واستمرارية بقائه في الحكم، والتوريث أحياناً دون أي اعتبار للمفاهيم الإنسانية وقيم الحضارة المعاصرة.
إن تبني بعض هذه الدول لفكرة العلمانية مسألة شكلية وتكتيكية، ولا علاقة له بجوهر العلمانية ومتطلباتها الموضوعية. فلو أخذنا الجانب الاقتصادي لهذه الدول التي ادعت العلمانية بهذا الشكل أو ذاك، مثل سوريا والعراق(في عهد صدام) ومصر(في عهد عبد الناصر). نجد أن القطاع الاقتصادي العام الذي كان من المفروض أن يكون أرضية لانتعاش العلمانية، كقطاع اقتصادي خارج الموروث، تحول إلى قاعدة اقتصادية واجتماعية لاستبداد الحاكم ونظامه الشمولي. بل صار مع الزمن مصدراً أساسياً استمد منه الحاكم قوته واستمرارية بقائه الأبدي في الحكم. أما من الناحية الاجتماعية فقد تحولت الطبقة العاملة في هذا القطاع إلى قطيع للحاكم، وأصبحت نقاباتها القوة الضاربة بيده، إلى جانب الجيش وسلك البوليس بأنواعه، ليستخدمها ليس ضد معارضيه السياسيين فقط، بل كذلك ضد عامة الشعب، وضد أية فكرة للإصلاح و التغيير.
أريد القول أن تجربة القرن العشرين كشفت أن تبني العلمانية لوحدها لا تحل مشكلة الاستبداد، ولا سيما في المجتمعات المتخلفة اقتصادياً واجتماعياً. فقد كان الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية حكومات علمانية، وفي الوقت نفسه كانت هذه الأنظمة شمولية وتستخدم القمع في التعامل مع الشعب والمعارضة، وابتعدت عن الديمقراطية على الصعيد الفكري والسياسي والإعلامي. وكانت الدول التي سميت بالتقدمية أو التوجه الاشتراكي في "العالم الثالث" أيضاً دولاً تدعي العلمانية، مثل سوريا والعراق ومصر وكمبوديا وإثيوبيا هايل مريام وصومال البري، لكنها كانت دولاً تمارس أنظمتها القمع المنظم وحتى جرائم ضد الإنسانية يندى لها الجبين.
لقد هاجم الكثيرون بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الايدولوجيا، وكان في هذا الهجوم شيء من الحقيقة والكثير من الأباطيل. إلا أن التجربة السوفييتية كشفت أن الأنظمة الايدولوجية, مهما كانت خلفيتها الفكرية عادلة وإنسانية، فهي سرعان ما تنزلق بعيداً عن الشعب، وتتحول إلى ممارسة الاستبداد اليومي. فالدولة الايدولوجية تستخدم الوعي المنظم لإجبار الناس للسير في مسار مرسوم مسبقاً. وبما أنه لا يمكن إدخال الوعي إلى عقول الناس بالقوة، فقد مارست هذه الأنظمة الاشتراكية وأخواتها في "العالم الثالث" قوة الجيش والبوليس والميليشيات (تحت تسميات ثورية) لتعميم مفاهيمها ووعيها المختار على الناس قهراً, وتحقيق برامجها لا على أساس التأييد الشعبي لها، بل بالقوة. وأدى كل ذلك إلى كوارث اجتماعية واقتصادية وفكرية، وبالتالي تحول الشعب ضد هذه الأنظمة، وأخذ ينظر إلى العامل الخارجي بشيء من الرضا للتخلص من جمهوريات الرعب اليومي.
لقد رافقت هذه الحالة في العالم الإسلامي الخصائص الشرقية في الاستبداد الهمجي وسحق إنسانية الإنسان وتحويله إلى حيوان يركض وراء لقمة عيشه من أجل البقاء.
كشفت التجربة في العالم الإسلامي أن فكرة العلمانية، لم تكن سوى شعار لا يسعى أصحابها للتطبيق. بل كانت هذه الأنظمة "الثورية" تنطلق من مركزية أخرى، وهي إدراكها بأنها حصلت على السلطة عن طريق الاغتصاب. وبما أن السلطة هي للشعب كما يدعي الجميع بما في ذلك هذه الأنظمة، فقد تكونت لديها القناعة بأن البقاء في السلطة يحتاج إلى استخدام القوة ضده، وتحويل البلد والشعب إلى مستعمرة للنهب اليومي، بحيث أخذ الشعب يترحم على العهد الاستعماري.
لقد كان حزب البعث في العراق وسوريا يستخدمان العلمانية في صراعهما الدموي ضد المعارضة الإسلامية، كما كانا يستخدمان الإسلام في محاربتهما للتيار الماركسي.
أعتقد من الإسفاف بالحقيقة اعتبار هذه الأنظمة علمانية، بل هي لم تتبن سوى مصلحة الحكم. واستخدمت في سبيل ذلك كل ما كان يحلو لها تكتيكياً؛ من العلمانية والإسلامية والقومية وحتى الأممية أحياناً. لقد كانت هذه شعارات طارئة، تتعلق بالظروف المحيطة بنظام الحكم ومستلزمات بقائه، وكيفية مواجهة الشعب والمعارضة. وللحقيقة فإن اعتبار حزب البعث السوري حزباً علمانياً لم يمنع خروج عدد من قادة الأخوان المسلمين العسكريين من بين صفوف هذا الحزب وشبيبته "الثورية" في الثمانينات، والذين قادوا قتالاً شرساً ضد النظام.
غير أن المسألة لا تنحصر في هذه الأنظمة فقط. فالتيارات العلمانية الأخرى، بما في ذلك تلك التي في المعارضة، لم تكن أحسن من هذه الأنظمة، زد على ذلك غالبية المثقفين. أزعم أن من تبنى العلمانية في سوريا(على سبيل المثال) إما كان لأسباب تكتيكية, أو كان يمارس ترفاً فكرياً( نوايا في أحسن الأحوال) لا علاقة لهذا التبني بتجسيد العلمانية في الحياة. ولهذا تميزت التيارات العلمانية، وكذلك المثقفون العلمانيون بالذبذبة والانتهازية(حسب مصطلحاتنا القديمة). لقد كان التيار الماركسي أكثر خوفاً في توضيح موقفه من العلمانية وفصل الدين عن الدولة، مع العلم أنه التيار الوحيد الذي ينتمي إلى منهج فكري وسياسي يدعو إلى ذلك جهراً. وأكثر من ذلك، فالماركسية تعتبر الديانات مسألة تاريخية، لها أسبابها الموضوعية للظهور، كما أنها ستزول في ظروف موضوعية أخرى. عندما أقول أن هذا التيار كان أكثر خوفاً، لا أقصد التكتيك السياسي اليومي، بل أقصد الموقف الفكري. فهذا التيار لم يترك وراءه أي تراث علماني، بل خلف اليوم فصائل رجعية في الكثير من الواقف السياسية والاجتماعية والفكرية، وخرج من بين صفوفها من هو أكثر رجعية حتى من بعض عناصر التيارات الإسلامية السياسية. لقد أصبح الفكر مع الزمن هامشياً لدى هذا التيار، خصوصاً بعد التحالف مع حزب البعث. فكان الحزب الشيوعي الأم ومازالت الفصائل المتشظية عنه تلهث وراء هوامش الأحداث اليومية، دون أية خلفية فكرية ملموسة. بل أعتقد أن أحد أسباب هروب هذه الفصائل من فكرها الماركسي هو معرفتها بأنها تتناقض أساساً في سياساتها الراهنة مع جذورها الفكرية.
أما المثقفون والمفكرون السوريون فهم أيضاً لا يختلفون كثيراً في هذه المسألة. فحتى تاريخ اليوم لا يوجد عندنا في سوريا مثقفاً واحداً اعتقل من أجل آرائه الفكرية، بل أن معظم المثقفين الذين يتعرضون للاعتقال والتضييق يحدث نتيجة مواقفهم السياسية. لقد قتل عندنا في سوريا عبد الرحمن شهبندر نتيجة آرائه المتنورة( ومع ذلك كان السبب المباشر سياسياً)، وجرت ضجة كبيرة في الستينيات حول قصيدة جريئة لنزار قباني تتعلق بالمرآة، وكذلك حول كتاب الدكتور صادق جلال العظم( نقد الفكر الديني) بعد نكسة خمسة حزيران عام 1967. وربما كان أحد أسباب مقتل الشيخ معشوق الخزنوي هو رؤيته الدينية المتنورة التي كانت تؤسس لتجريد الحاكم من الاستقواء بالإسلام وجعله مطية لتبرير لا شرعيته. كان يريد تحرير رجالات الدين من أن يكونوا المستشارين الفاسقين لكل ما يمارسه الحاكم الشرقي من الفظائع ضد شعبه ووطنه.
ما أريد قوله، أنه لا يوجد لدينا تيار علماني حقيقي في سوريا، بل مجرد نخب تتذبذب بين العلمانية وما تدعي بـ"الأصالة". وغالبية المثقفين لديهم الاستعداد للتخلي عن علمانيتهم عند أي منعطف أو مغريات ما. بل نجد أن مقتل شخصية فكرية مثل حسين مروة ومهدي العامل، القائدين الشيوعيين، لم يحدث أية ضجة لدى العلمانيين العرب، ولدى النظام السوري "العلماني " الذي حدث هذا القتل في ظل وجوده في لبنان. لقد كانت المعطيات الأولية توجه أصابع الاتهام إلى حزب الله، ومع ذلك لم يتظاهر الشيوعيون في العالم العربي احتجاجاً، بل يكيل اليوم العيد منهم ومن العلمانيين في سوريا المديح لهذا الحزب ولفكره الجهادي، بحجة وقوفه ضد إسرائيل.
من الطبيعي أن يؤيد الإنسان جهود أية قوة وطنية مهما كانت أيدلوجيتها في سبيل إخراج المستعمر، ولكن ليس على حساب الفكر وحرية التعبير والرأي. لأننا في هذه الحالة قد نبدل الاستعمار بنظام أكثر همجية، مثل نظام بول بوت الاشتراكي العلماني الذي ساد فترة من الزمن في كمبوديا، أو نموذج النظام الخميني الطائفي العنصري.
لا أقول هذا الكلام اعتباطاً. فالتيار الشيعي العراقي كان يبدي الكثير من الديمقراطية وقبول الآخر عندما كان في المعارضة ضد صدام حسين. لكنه عندما أصبح في الحكم، سعى بكل قوة لإقرار دستور إسلامي رجعي، وتثبيت ولاية الفقيه. ولولا وجود الولايات المتحدة في العراق وموقف الحزبين الكرديين ومجموعة علاوي، لأقر في العراق دستوراً على شاكلة دستور الخميني.
في كل ما قلته وما سأقوله لا أقصد إلغاء أحد، ولا غض الطرف عن الحقائق التي هي على الأرض. إنما أسعى لتشخيص هذه الحقائق التي نتهرب منها خوفاً من المسؤولية ومتطلباتها. فالتيار الماركسي موجود في سوريا رغم انهيار الاتحاد السوفييتي وشيخوخة فصائله. والتيار الإسلامي موجود وله شعبيته. وكذلك التيار القومي بشقيه العربي والكردي، أضف إلى ذلك التيار الليبرالي الذي مازال يحث خطواته الأولى، إلى جانب منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان. غير أن هذه التيارات كلها لن تستطيع الحوار الديمقراطي مع بعضها بعضاً، ولن تستطيع إقرار السلم الأهلي والخروج من الواقع الاستبدادي والفكر الاستبدادي المتجذر في جميع خلايا المجتمع، دون إقرار العلمانية وفصل الدين عن الدولة. فالتحالفات التكتيكية لن تحل المشكلة، بل ستدخلنا إلى مرحلة جديدة من الإرهاب والصراع الاجتماعي ألاستنزافي.
ليس من حق أي تيار أن يلغي الآخر، لأن في ذلك يعني إعلاناً للحرب، وقد قامت هذه التيارات بما فيها الكفاية من حروب داخلية لم تجلب سوى الكوارث للشعب والوطن. فالعلمانية وفصل الدين عن الدولة لن يضر أحداً، بل سيجعل الجميع ينظرون باحترام إلى حكمة الشعب، وصوته من خلال صناديق الاقتراع. وستدخل كل التيارات الفكرية والسياسية في سباق عادل للاستحواذ على قناعة الشعب وتأييده له. وحتى التيارات الإسلامية التي تتحسس من كلمة العلمانية وفصل الدين عن الدولة، سيكون المجال رحباً لها لممارسة السياسة وحرية الفكر الديني. كما أن قبول هذه التيارات الإسلامية للدستور العلماني سيطمئن التيارات الأخرى بأنها لن تشكل دولة دينية استبدادية. وتستطيع هذه التيارات الإسلامية، في ظل العلمانية، أن تطبق برنامجها العملي إذا أوصلتها الجماهير إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع. أقول برنامجها العملي وليس كما تدعي بعض هذه التيارات بأن القرآن هو برنامجها، فهذه خدعة من أجل إخفاء النوايا اللاحقة للتصرف الكيفي بالسلطة عندما تصير في الحكم.
في الختام أريد القول أننا محكومون بالتغيير، فإما أن نقوم نحن بهذه المهمة التاريخية. وفي هذه الحالة ستكون العلمانية وفصل الدين عن الدولة ضرورة موضوعية للجميع، والإطار الوحيد للسلم الأهلي. وإما أن يأتي التغيير من الخارج.