بؤس النخب السياسية والحزبية في دول الربيع العربي

فؤاد الصلاحي
2020 / 6 / 30

مفهوم النخبة السياسية .. يتضمن في المعنى والدلالات الاشارة الى جماعات صغيرة العدد تتبوأ مواقع هامة في صناعة القرار السياسي والاداري وحتى في الشركات والتنظيمات الجمعوية ايضا ..لكن التركيز ينصب غالبا على النخب السياسية بالإشارة الى من يشغل مواقع كبيرة في السلطة التنفيذية (رئاسة /حكومة) والمستشارين اضافة الى قادة الاحزاب والتنظيمات السياسية .. هؤلاء جميعا يفترض انهم في اعلى المناصب والمواقع القيادية من حيث تأثيرها في المجتمع وتشكيل السياسات والتوجهات العامة للحكومة داخليا وخارجيا بل وتوجهات المجتمع ايضا كما في ادوار الاحزاب والمنظمات الاهلية والمثقفين ..
لكن الواقع يؤكد ان هذه النخبة في بلداننا العربية ليست كما ذهب منظرو علمي " الاجتماع السياسي وعلم السياسة" بانها تشكل طليعة (صفوة /نخبة) حداثية بوعيها وخطابها ومشاريعها نحو المستقبل .. بل غالبيتها تتسم بتفكير ماضوي تعمل على اعادة انتاج نظم ومسارات وخطابات تم تجاوزها تاريخيا. في بلداننا العربية فرضت النخب الحاكم ما يشبه تقسيم العمل بينها وبين ما يسمى مجازا المعارضة.
فالحاكم يستمر بالسلطة بدعم تلك المعارضات الرخوة /الهشة وهو يتولى دعمها باستمرار ماديا ومعنويا .. ولهذا لا نجد معارضة حقيقية في اي دولة عربية ( دول النظام الجمهوري) الذي تحول الى ملكيات ( دول جملكية ) بفعل التنسيق والتناغم بين الرئيس وحزبه الحاكم والمعارضة المتعددة التي تتشكل وفقا لصورة النظام .. وهكذا ظهرت نخب متعددة ومتنوعة في كل المجالات سياسيا وحزبيا وجمعويا وتجاريا لكنها تعتمد التفكير البراجماتي النفعي في مواقفها وادوارها ومن هنا تفتقد لأي مشروع يحمل البديل السياسي او فكرة التغيير والتجديد ..
مثال ذلك ..توجهت النخب الاشتراكية والقومية والليبرالية وحتى الاسلامية نحو تبرير احتلال العراق والعمل مع بريمر ومن ثم تعزيز شرعية السلطة الدينية ، وفي سوريا دعمت النظام اللاديمقراطي وسوغت للطائفية والمذهبية كما في لبنان ايضا ، وفي اليمن نفس المسار نظام يقود الفوضى والعبث منذ حرب94 وهناك من شرعن له من الاحزاب ثم تشكل تحالف من الاحزاب قدمت تبرير للتعاون معه و تقاسمت السلطة بعيدا عن اهداف ومطالب الانتفاضة الشعبية فأغرقت البلاد في الفوضى وصولا الى تدخل خارجي وحرب اهلية ..نخب حزبية مستمرة في قيادة الاحزاب سنوات طويلة تغيب معها فرص دوران النخبة وتجديدها سواء في الحكومة او الاحزاب بل في النقابات والجمعيات الاهلية وفي غيرها ..
وللعجب اذكر ان صحيفة عربية تهتم بأمر الادب والثقافة ظل رئيسها اكثر من عشرين عاما وهو اديب ومفكر وكان يتحدث عن الديمقراطية والتغيير احيانا .. هذه السياقات كلها افرزت انتفاضات شعبية واسعة طالبت بتغيير النخب السياسية التقليدية في الدولة والحكومة وطالبت بالخروج من اسر الطائفية وقياداتها ..لكن هذه المطالب لم تتحقق وعمت الفوضى داخل المجتمعات ..و العلم ان بعض قيادات الاحزاب اصبحت عائلية وقروية في اكثر من دولة عربية ..
مع ان الاصل هنا ان يتم تجديد النخب السياسية وفق انتخابات كل اربع او خمس سنوات دونما بقاء لاي ممن تم انتخابهم مرتين متتابعتين حتى تتسع دائرة التجديد وظهور نخب حديثة شابة من اجل تجدد الافكار والرؤى والبرامج والتوجهات.. وللعلم ايضا في ثقفتنا العربية لا وجود لمصطلح النخبة / الصفوة .. فهي مفاهيم ارتبطت بالإدارات الحديثة التي ارتبطت بالثورة الصناعية والدولة الحديثة التي ترافقت مع الثورة الفرنسية ..وكان العرب تاريخيا يستخدمون مصطلح اهل الحل والعقد - الوجاهات الاجتماعية ثم مفهوم "سراة القوم " وفي تاريخ مجتمعاتنا كثير من المفاهيم التي لا تاريخ لها لأننا مجتمعات زراعية وهذه المفاهيم ارتبطت بالثورة الصناعية وما اعقب الثورة الفرنسية من متغيرات ..
ولكن ذلك لا ينتقص شيئا من مجتمعاتنا ولا يشكل ذلك مبررا لرفض المفاهيم جميعا ..لان هذه المفاهيم في مساراتها التطورية تحمل اضافات كثيرة من كل المجتمعات وتصبح ذات بعد انساني ..فالديمقراطية مفهوم يوناني تبلور مع تطورات الدولة والمجتمع الاوربي لكنه اليوم مفهوم ذو طبيعة انسانية تحتاج اليه كل المجتمعات ولا يأخذ تطبيقه نسخة واحد عدا الاتفاق على اهم مكوناته التي تتضمن التعدد والتنوع والاختلاف واحترام الاخر لأنه بدونها لا تكون الديمقراطية .. وكذلك النخبة لا تكون وفق ماهيتها دون ان تشكل قدوة للمجتمع وذات تفكير مستقبلي تشكل رافعة للتجديد والتغيير ودون ذلك لا يمكن اعتبارها نخبة بل وجاهات اجتماعية تقليدية تعزز تاريخية المجتمع القبلي والزراعي .
في هذا السياق يمكن القول ان النخب السياسية والحزبية وبعضا من نخب الثقافة والعمل الجمعوي انما يساعدون في التأسيس لدول فاشلة وأنظمة غير ديمقراطية .. فنحن نعيش اليوم زمن المتغيرات الحديثة والمتدفقة لامجال للتخلف عنها والا فان الفرد والمجتمع والدولة مثل من يقف في محطة القطار دون الصعود وحجز مقعد لان القطار له مواعيد محددة لا يتجاوزها في المحطات والحركة ومن يتخلف عن الصعود يبقى في مكانه ويتخلف زمنيا وحضاريا .. وفي عالم الدول دخلت عالم الحداثة متأخرة لكنها تحركت سريعا وفق منطق التحديث والتقدم الصناعي فكان لهم حظ كبير من النجاح الانمائي والسياسي ..وفي حالة العرب دخل بعضهم زمن الحداثة مع بداية القرن التاسع عشر وتأخر البعض الاخر كثيرا لكنهم لم يحققوا الا ومضات من انجازات التحديث والتقدم تفتحت مع هذه الومضات عيون الشعب وتزايدت تطلعاته من اجل الالتحاق بذلك الزمن المتغير وإيجابياته لكن الاشكالية في نخب بائسة (ومعنى انها بائسه -فقيرة المعرفة ، فقيرة الإرادة ، فقيرة الخيال السياسي ) اصرت الا ان تغرق المجتمع في الفوضى والعبث السياسي في نفس الوقت اللي تتحرك فيه الدول الاخرى خطوات نحو الامام من خلال مشروع وطني تقوده دولة حديثة ديمقراطية ..
وهنا يكون دور النخب السياسية التي تشكل رافعة هامة من روافع التحديث خاصة تلك النخب التي تلتزم ايمانا بالوطن والشعب والكرامة الوطنية وتعكس ذلك الالتزام من خلال مشاريع عمل سياسية واقتصادية وتعزيز الانفتاح المجتمع وفق متغيرات العصر وثقافته ..
ولهذا خرجت دول من دوامة العنف وفق ارادة نخب لديها الادراك والوعي الكاملين بأهمية الاستقرار والممارسة الديمقراطية من ذلك في جنوب اوروبا -اليونان في ستينات القرن الماضي واسبانيا في منتصف السبعينات من ذات القرن - ومع العشرية الجديدة في هذا القرن تحركت دول افريقية واسيوية ولاتينية نحو التطور والاستقرار كما سبق ان ظهرت دول فاعلة في مجال التنمية والتحديث مثل ماليزيا وسنغافورة ..وخلال العقد الاخير توجهت راوندا بفعل نخبة وطنية قادت بلادها في الخروج من حرب اهلية مدمرة الى دولة حديثة يتراكم نموها الاقتصادي سنويا فعم السلام والاستقرار والحداثة . اليوم ونحن مع العشرية الثانية من الالفية الثانية وعصر العولمة يخرج العرب من دائرة الحداثة خاصة دول النظام الجمهورية ليس بسبب نقص التمويل اللازمة للتنمية بل بتدمير الثروات الطبيعية والبشرية وتعميم الفوضى والفساد وفق نزق سياسي لمراكز القوى وجماعات المصلحة وبؤس معرفي وايدولوجي لعموم النخب السياسية والحزبية .. وهكذا يتساوى الامر في الفساد والتدمير والبؤس وانهيار الدولة اول لنقل تتساوى معايير ومؤشرات الدولة الفاشلة في العراق واليمن وسوريا وليبيا ولبنان والسودان وعيرها مع فارق في درجات الفشل والبؤس السياسي ...!
بشكل عام بؤس النخبة السياسية في دول الربيع العربي بموجاته الاولى والثانية .. انها لا ترتبط بالوطن ولا تؤمن به .. ولهذا السبب الرئيسي خرجت الانتفاضات الشعبية منذ العام2011 الى العام 2019 وعبرت من خلال شعاراتها برحيل تلك النخب وتغييرها بكل رموزها وسياساتها (بالتعبير اللبناني - كلن يعني كلن ) - وهو ما كتبنا عنه غير مرة - وبالتالي فان اي اجتماع لذات النخبة التي تتفنن في تجديد مواقعها .. لا يخرج باي قرارات حاسمة بشأن حل الازمات التي يعاني منها غالبية الشعب بل ويعاني منها الوطن ذاته .. ومهما تعددت الحكومات وتغيرت فالمسار السياسي لا يختلف ..لان هؤلاء لا ينظرون للوطن والشعب .. الا .. من زاوية البيزنس السياسي ..ومن هذا المنظور جاء اهتمام الرأسمالية المعولمة بالمشهد السياسي في دول الربيع الذي صار خريفا ووفق التعامل مع نخب بائسة تنفتح تجاه الخارج الأوربي والامريكي وتنغلق تجاه الداخل ..!