الحسد في المجتمع العراقي المعاصر

محمد لفته محل
2020 / 6 / 30

الحسد موضوع حيوي في العلوم الاجتماعية، علماً أن الحسد لا يُبحث فيزيائيا، فهذا خارج تخصص علم الاجتماع، إنما المعتقدات الاجتماعية التي تدور حوله باللفظ أو السلوك في الحياة اليومية، هي التي تكون موضوع البحث، فوجود أو عدم وجود الحسد فيزيائيا غير مهم اجتماعيا، إنما وجوده الاجتماعي من خلال الاعتقاد الجماعي به هو المهم، فوجود تعاويذ وحجب ومعتقدات جماعية موروثة للوقاية منه مادية او رمزية هي علامة على وجوده اجتماعيا. ومفهوم الحقيقة في علم الاجتماع يختلف عن الحقيقة في العلوم الطبيعية، حيث يعرفها دوركهايم "نوع من السلوك سواء كان نمطيا أو لا ولديه القدرة على ممارسة الضغط على الفرد من الخارج"(حداد،2011: 197) وأية معلومات تتعلق بالعلائق والعمليات والقيم الاجتماعية، يحصل عليها بالمشاهدة، أو تنتج عن التحليل العلمي للمعلومات تعتبر حقيقة اجتماعية.(سليم، 1981: 898) فالاعتقادات والتصورات الجمعية التي تستحوذ على الفرد ويخضع لها نفسياً تحت تأثير الجماعة كالأخلاق والمفاهيم واللغة والقانون والعُرف هي حقائق في علم الاجتماع، لأنها تؤثر بالفرد تماما كما تؤثر الظواهر الطبيعية فينا. يقول دوركهايم أنّ إحدى أهمّ المصادرات التي يقوم عليها علم الاجتماع أنّه لا يمكن لمؤسّسة بشريّة أن تقوم على خطإٍ وعلى باطل، وإلاّ لما تمكّنت من الدّيمومة. وهي إن لم تتأسّس حسب مقتضيات طبيعة الأشياء، لقاومتها تلك الأشياء عينها بما لا يمكنها التغلّب عليه. ولا مشاحة أنّ التقيّد بالظّاهر من شأنه أن يجعل تلك المعتقدات والممارسات الدّينيّة تبدو مربكة أحياناً، وهو ما قد يغري بنسبتها إلى نوع من الزّيغ والضّلال. ولكن يجب علينا أن نبحث في ما وراء الرّمز لبلوغ الواقع الذي يمثّله والذي يكسبه معناه الحقيقيّ. فالطّقوس الأكثر همجيّة أو الأكثر شذوذاً، والأساطير الأكثر غرابة، إنما تترجم حاجة إنسانيّة، وجانباً من جوانب الحياة، سواء كانت شخصيّة أو اجتماعيّة. وقد تكون الحجج التي ينتحلها المؤمن لتبريرها مغلوطة، وهي كذلك في أكثر الأحيان، إلاّ أنّ الأسباب الحقيقيّة لا تزال موجودة، وعلى العلم أن يسعى إلى كشفها.(مجموعة باحثين، 2015: 118). ويضيف مارسيل موس اذا صح ان يموت المرء في مجتمع معين بسحر ساحر او من شدة الخوف فان افتراض الباحث أنه حيال واقعة مجتمعية يكون افتراضا على نصيب مرتفع من الصحة. هذا الافتراض يصح اعتباره فرضية عمل تستمد جدواها من مدى صلاحها للمساعدة على فهم افضل لهذا السيل من الاخبار المماثلة التي يحفل بها التراث. والحق أنه ليس أسهل ولا اعقم من اهمال هذه الاخبار باعتبارها لاعقلانية واوهام. فذلك يؤدي الى بقاء جزء من ذاتنا الثقافية في مجال الاحاجي والالغاز. فالاجتماعيات تنصب في جانب كبير منها على ظاهرات تتنافى والعقل التعليلي. وذلك لرصد الوظيفة المجتمعية لما يبدوا في ظاهره نافلا او عبثيا او ضربا من الهبل.(قبسي، 1997: 16،17) ثم ان ظاهرة شبه عالمية مثل الحسد لا يمكن أن تكون وهمية إلا إذا حكمنا على هذه الشعوب بالغباء او الجهل بما في ذلك الشعوب المتحضرة التي لايزال بها الحسد موجودا. وسيكون الحسد في المجتمع العراقي المعاصر موضوع البحث عن طريق الملاحظة كأداة منهجية في الحياة اليومية، في علم الاجتماع لتفسير ظاهرة الحسد في المجتمع العراقي المعاصر. وحيث سيكون للفاعل الاجتماعي (العراقي) بما يعتقده ويرمز له جماعيا في الحياة اليومية الدور الرئيس في البحث وربطه بالبنية الاجتماعية.
ويجب التنويه بندرة الكتابات الاجتماعية العربية والعراقية عن الحسد؛ فما كتب في موضوع الحسد، في المكتبة العربية، غارق جُله في النزعة الأخلاقية من ناحية أو مشدود إلى مهاوي الخرافة من ناحية اخرى.(والكوت، 1998: 8) ووجد هيلموت شيوك غياب الدراسات الاجتماعية للحسد، رغم انه جزء من التفاعل بين القوى الاجتماعية. لأننا ندرس الحسد ليس من أجل الحسد في حد ذاته وإنما لكي نفهم كيف قام المجتمع بوظائفه.(والكوت، 1998: 10) وهذا يتفق مع دراسة الدكتور خالد حيث لم يجد على حد اطلاعه دراسة أكاديمية تتحدث عن هذا المجال، اما الدراسات التي ناقشت هاتين الظاهرتين فإنها قد بحثتها على انها جزء من عنوان غير مستقل بل ضمن عنوان عائم لدراسة أخرى.(الكربولي، 2015: 4) ناهيك عن الكتابات ذات التوجه الديني او التي تحاول تفسيره فيزيائيا او باراسيكولوجيا (علم الخوارق).
الحسد لغة:
الحسد مصدر قولهم: حسدَ يحسِدُ ويحسُدَ – بكسر السين وضمها- وأصلهُ القشر، وهو مأخوذ من الحسدل وهو القراد، فالحسدُ يقشر القلب، كما تقشر القراد الجلد فتمتصُ دمهُ.(الكربولي، 2015: 14) وفي لسان العرب الحسد: تمنى زوال نعمة المحسود أو سلبها هو. وحسدهُ يحسده حسداً، إذا تمنى أن تتحول إليه نعمتهُ وفضيلتهُ أو يسلبهما.(ابن منظور، 2000: 148(
الحسد اصطلاحا:
قال الجاحظ: "الحسد، هو التألم بما يراه الإنسان لغيرهِ وما يجدهُ فيه من الفضائل، والاجتهاد في اعلام ذلك الغير ما هو لهُ، وهو خُلق مكروه وقبيح بكل أحد"(الكربولي، 2015: 15)
يعرفه ويليام ديفيدسون: "الحسد شعور أناني أساساً وسيء القصد. وهو موجه ضد الأشخاص، ويتضمن شعورا بالكراهية تجاه الشخص الذي يملك ما يشتهيه الشخص الحاسد نفسه أو مايريده. ولذلك فإنه يرغب في إيذائه".(والكوت، 1998: 16)
يعرفه د. شاكر مصطفى سليم في قاموس الانثروبولوجيا: "اعتقاد سائد بين بعض الشعوب البدائية والمتحضرة التي تؤمن بالعين الشريرة، أن صاحبها يصيب الأشخاص، أو الأشياء، بالأذى، أو الضرر، إما بمحض إرادته، أو بمجرد أن تقع عينه على شخص، أو شيء، حتى لو لم يقصد ذلك."(سليم، 1981: 706).
ويعرفه الدكتور علي الوردي: "الحسد صفة بشرية عامة يكاد لايخلوا منها أي انسان مهما كان. فما دام هناك تنازع وتنافس في الحياة الاجتماعية فلا بد أن يكون فيها تحاسد على وجه من الوجوه. وهذا التحاسد قد يكون ضعيفا أو قويا، في الافراد والجماعات، تبعا لاختلاف العوامل النفسية والاجتماعية في كل منهم. انما هو موجود فيهم جميعا. وهي بوجه عام ميل نحو بغض من ينافسه في شيء أو يتفوق عليه فيه."(الوردي، 2005: 87)
ويعرفه الدكتور معن خليل عمر: "ان الحسد آلية ضبطية عرفية تشترك بها المجتمعات القديمة والحديثة، اذ يعتقد بعض الناس في هذه المجتمعات التقليدية بان كلام الناس حول ميزة ايجابية فردية يمتلكها تجذب او تستقطب انظار الآخرين المحيطين له، أو المحرومين منها او الفاقدين لها، فتثير حواسهم البصرية والسمعية فيتكلمون عنها، اما غيرة او حسداً، فاذا حدث وان اصيب صاحب الميزة الايجابية مادية او معنوية بضرر مادي او ايذاء معنوي، فانه غالباً ما يوعز ذلك الضرر الى حسد الآخرين الفاقدين لها او حتى المالكين مثلها لكنهم يحسدون الآخرين بطبعهم او بعاداتهم، لذلك يقوم بحجب عنهم تلك الميزة او يقلل من اظهارها امامهم خوفا على نفسه او يستعمل "حرز" او "حبات" مصنوعة من الفيسفساء او الحجر النادر لطرد العين. ويقوى الحسد بمتغير صغر السن والنساء والفقر."(عمر، 1999: 136)
وفي موسوعة علم الانسان: العين الشريرة (الحسد): "مفهوم شعبي واسع الانتشار، بوجود تأثير ضار ينبثق لاإراديا من أشخاص معينين."(سميث، 2009: 405)
وفي نظريات السلوك الاجتماعي يقول العالم هلموت شيوك Helmut Schoeck: "أن الحسد هو المحرك الذي يكون في صميم حياة الرجل كمكون اجتماعي والذي يحدث طالما يصبح شخصين منفردين قادرين على تبادل المقارنة".(الكربولي، 2015: 16).

معتقدات الحسد عند الشعوب الاخرى:
"يُعدّ الحسد أو العين الشريرة "evil eye" من بين المعتقدات التي يؤمن بها الإنسان منذ القدم، على اختلاف ثقافته ودينه ودرجة تقدمه. واقترن هذا المعتقد ببعض الممارسات والتعبيرات التي ظهرت مع الحضارات القديمة، حتى أن كثيرًا منها لا يزال يستخدم حتى اليوم.
تاريخياً، يعود الإيمان بالحسد للعصر الحجري القديم العلوي، حين تم العثور على رسوم عمرها 10 آلاف سنة على جدران الكهوف باسبانيا، ترمز لدحر العين الشريرة. ورغم اختلاف العادات المرتبطة بالعين الشريرة، فإن ثقافات الشعوب أجمعت على وجودها، مع تباين الجغرافيا، فلا فرق بين أوروبا والشرق الأوسط في الإيمان بالمعتقد إلا بالتعبير فقط، وكما انتشر الحسد في منطقة البحر المتوسط خاصة، ظهرت آثار له عند شعوب آسيا وأميركا وغرب إفريقيا."(العالم، 2018)
أمم الأرض جميعا جعلت الحسد مرادفا للشر الاجتماعي؛ وفي تراث الأمم جميعا ترتبط ممارسات بالحسد ممارسات ثقافية إجتماعية، كما يؤثر الحسد في السلوك الاجتماعي الكلي والفردي. وقبل الاسلام كان الحسد يحتل مكانته في الموروث الثقافي والاجتماعي لهذه الشعوب. واذا امتزج الموروث الثقافي بالمعطيات الدينية وجدنا الحسد يترك بصماته على كثير من الممارسات الاجتماعية والعادات والتقاليد، ويحكم تصرفات الأفراد في كثير من الأحيان. وظهرت أشكال الأحجبة والرقايا وأشكال العين.(والكوت، 1998: 5) وتجلى في سلوك المجتمع نمط من انماط ما يمكن تسميته ثقافة الحسد. كما أن ادبيات المجتمع وحكاياته وفكاهاته لم تخل من الاشارة الى الحسد.(والكوت، 1998: 6) فالحسد محل اهتمام الجماعات الانسانية قديماً وحديثاً.(والكوت، 1998: 8)
"وينتشر الاعتقاد بقوة تأثير الحسد عبر مختلف الثقافات، وينتقل من جيل إلي جيل، ولم يتمكن أي مؤلف حتى يومنا هذا من أن يجمع من الأساطير التي نسجت حول الحسد ما جمعه فريدريك توماس إيلورثي في كتابه "العين الحاسدة: سرد كلاسيكي لخرافة قديمة". وعرض إيلورثي تجسيد الناس للحسد في مختلف الثقافات، بداية من نساء قبيحات يوصفن في الأساطير الإغريقية بالبشاعة، ويعرفن بـ "الجرجونات"، ويحلن كل من ينظرن إليه إلى حجر، وصولا إلى الحكايات الشعبية التي يتناقلها الأيرلنديون عن رجال يسحرون الخيل بنظرة واحدة. ولا تخلو ثقافة من أساطير حول العين الحاسدة الشريرة. وترسخ الحسد ورموزه في ثقافة الشعوب، إلى درجة أنه ورد ذكره في النصوص الدينية، بما في ذلك الإنجيل والقرآن. إذ أشار إيلورثي في كتابه إلى حكاية شعبية بولندية قديمة تدور حول رجل بلغت قدرته على إيذاء الآخرين بنظرته حدا جعله يؤثر أن يقتلع عينيه عن إلحاق الضرر بمن يحبهم. وفي ظل شيوع الاعتقاد بقوة تأثير العين وما تجلبه من مصائب وكوارث لمن يصاب بها، ليس من المستغرب أن يبحث الناس من الحضارات القديمة عن وسائل لدفع أذاها، ما أدى إلى ظهور التمائم بأشكالها المتنوعة كما نعرفها اليوم.
وتقول دكتورة نيس ييلديران، أستاذة التاريخ الفني بجامعة بهتشه شهير باسطنبول: "يعود أول شكل من أشكال تمائم العين إلى عام3300 قبل الميلاد. واكتُشفت هذه التمائم في تل براك، وهي واحدة من أقدم المدن في منطقة ما بين النهرين، التي كانت تضم سوريا. وكانت هذه التمائم في صورة تماثيل من حجر الألباستر ذات عيون كبيرة منحوتة".
لكن تماثيل تل براك التي يقال إنها واحدة من أقدم التمائم المكتشفة لدرء العين، تبدو مختلفة تماما عن الخزرة الزرقاء المنتشرة في الوقت الحالي والتي لم تظهر في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط إلا نحو عام 1500 قبل الميلاد، فكيف تطورت هذه النماذج الأولى للتمائم لتصبح على هذا الشكل الحديث؟
وتقول ييلديران: "ارتبط ظهور الخرزة الزرقاء المصنوعة من الزجاج في جزر بحر إيجة وآسيا الصغرى بتطور صناعة الزجاج. أما اللون الأزرق فمصدره الطين المصري المصقول الذي يحتوي على نسبة مرتفعة من الأكاسيد، إذ يُنتج النحاس والكوبلت اللون الأزق عند درجة حرارة الحرق".
وتقول ييلديران إن قلائد عين حورس التي اكتشفت في مصر هي الأكثر تأثيرا على شكل التمائم الزرقاء الحديثة. إذ افتتنت القبائل التركية الأولى بهذه الدرجة من اللون الأزرق، لارتباطها بإله السماء تنغري، ولعلهم استلهموا من المصريين استخدامهم للكوبلت والنحاس. ولاقت بعدها الخرزة الزرقاء التي يتوسطها رسم العين انتشارا واسعا في المنطقة، واستخدمها الفينيقيون والسريانيون واليونانيون والرومان، واشتهر بها العثمانيون، وكانت أكثر رواجا في دول حوض المتوسط وبلاد الشام. وفي أعقاب ازدهار النشاط التجاري وتوسع الإمبراطوريات، انتقلت الخرزة الزقاء إلى سائر أرجاء المعمورة."( BBC News Arabic ، 2018)
ففي أمريكا اللاتينية، على سبيل المثال، يعتقد الناس أن من يحسد، هو في الأساس نتيجة لشعور مكتوم بالحسد أو الغيرة، ويؤثر بصفة خاصة على الأطفال الصغار، ويسبب لهم المرض. وفي ظروف معينة يفسر الإعجاب بالوليد اذا كان الناظر بلا اطفال، على انه فعل عدواني أو مؤذ، نظراً لأنه يحمل في طياته الغيرة، ومن ثم احتمال حدوث الحسد.(سميث، 2009: 405) هناك اسلوبان غير محبذين لإبعاد العين الشريرة إن أصابت طفلاً: حمل الرضيع رأساً على عقب من ملابسه للحظات كل صباح، أو استعارة عملة نقدية فضية من الجيران، ووضعها في طست ملئ بالماء، وبعد ذلك غسل الطفل بالماء المسحور. من المثير أيضاً معرفة انه في الشرق، يعتقد كثير من الآباء إن بالإمكان حماية أطفالهم من العين الشريرة بإبقائهم رثي الثياب لأنه يُعتقد بأن العين لاتصيب سوى الجذابين وحسني الهندام.(وارنغ، 2016: 95) في ايرلنده يقولون عندما ينظرون الى الطفل "ليباركه الله" وعندما يمر احدهم من امام حضيرة ابقار، في الوقت الذي تتجمع به للحلب يقول "بارك الله لك فيها، وبارك لك في جهدك" وفي اسكتلنده كان الاعتقاد سائدا في القرن الثامن عشر وما يزال اذا ما نظر احد الغرباء بدهشة وتعجب لبقرة احد الفلاحين، يعتقد هذا الفلاح ان بقرته ستضيع، لذلك اعتاد الفلاحون ان يقدموا لمثل هذا الزائر بعض حليبها، لاعتقادهم انه يبطل فعل العين الشريرة. وفي تركيا والبلاد العربية يعتقدون ان خيولهم وجمالهم عرضه للإصابة بالعين الشريرة، وفي تركيا تكتب آيات من القرآن خارج البيت لتحفظ البيت واهله والحجب تعلق في اعناق الناس والجمال عند العرب. وماتزال العين الشريرة الخطر المحدق بالخيول في الهند والصين. اما في بريطانيا فان الخنزير من اكثر الحيوانات عرضة للاصابة بالعين الشريرة. (الظاهر، 1985: 201_202) ويروى أن قبيلة اللوغبارا في الكونغوا يدرءون شر الحاسد بتقديم البيرة والتبغ إليه.(حسني،2001: 76)
ويحتوي التراث الشعبي للشعوب التي تؤمن بالعين الشريرة ذكراً لوسائل تجنب العين، منها حمل التعاويذ والحذر، أو حمل حذاء طفل صغير، أو رأس ثوم.(سليم، 1981: 317) وينتشر بين الشعوب البدائية استعمال تمثال أو اي رمز يُتخذ مانعاً للشر، وواقياً من العين الشريرة، بشكل شيطان، أو عينين محملقتين. وتقوم فكرة مانع الشر على اساس أن كل رمز يحمل قوة الشيء الذي يمثله. وعلاج الشر (كالمرض والعين الشريرة) بين المجتمعات القديمة وماتزال الشعوب البدائية المعاصرة تعالجه بطرائق عدة، أهمها: البصاق والدم.(سليم،1981: 60_61) وكان العرب الوثنيين يربطون الأشياء النجسة وعظام الموتى وخرق الطمث حول خصور الأطفال لتجنب الجن والحسد.(سميث، 1997: 494) واستخدمت بعض الشعوب البدائية تميمة البيت؛ وهي شعار يكتب على واجهة البيت، أو اي مبنى آخر، فوق أو قرب مدخله. وكثيراً ما يتضمن الشعار كتابات دينية. وتلجأ بعض الشعوب البدائية إلى هذا الإجراء طلباً للبركة، أو طردا للشر، أو وقاية من العين الشريرة.(سليم، 1981: 464) وكان الانسان القديم يعتقد ان الابواب تؤوى ارواحاً حارسة، لذا كان يضع عليها التمائم والتعاويذ. وتوجد الافكار عينها بين اغلب الشعوب البدائية المعاصرة.(سليم،1981: 273) او يضع علاقة الباب؛ وهي شيء يُعلق على باب البيت، وكانت هذه العادة وماتزال، منتشرة بين بعض الشعوب البدائية. والغرض من هذه الممارسة جلب الحظ الحسن لسكان البيت، والحفاظ عليهم من أذى العين الشريرة، والأرواح المؤذية. ولذا فان العلامة تكون في الأغلب، شيئا قبيحاً غير جذاب، كفردة حذاء قديم، أو حدوة حصان. وتستعمل بعض الشعوب كيساً صغيراً من الرمل يغطي وجهه بنوع من الدرع.(سليم، 1981: 274) وهناك الكثير من الاشارات عن هذه القوة اثناء الحديث عن ادوات الزينة والحلي التي كانت تعلق باعناق الجمال.(الظاهر، 1985: 200)
طبقا لتصور الإغريق، فإن الإنسان حسود بطبعه، وجزء من شخصيته الأساسية وفطرته.(والكوت، 1998: 17) ولم يكن مجرد نتيجة للظروف البيئية أو للتجربة.(والكوت:28). وكان الرومان حين يثنون على شيء يضيفون "من عين الحسد" وما تزال هذه العادة باقية في ايطاليا حتى الوقت الحاضر حيث يقولون "عسى الا تصيبك عين الشر".(الظاهر، 1985: 200_201) ويعتقدون ان الاطفال والحيوانات الصغيرة من اكثر المخلوقات عرضة للاصابة بالحسد. ولهذا كانوا يستاؤون من الانسان الذي يثني على شيء او يبالغ في ذكر الاشياء عن ممتلكاتهم.(الظاهر،1985: 200)
واعتبر ارسطو الحسد هو الم مزعج نوجهه ضد الشخص الذي يكون ندا لنا ويشبهنا بسبب حظه الجيد. أن الناس يشعرون بالحسد تجاه من يشبهونهم.(والكوت، 1998: 42). ورأى سقراط أن الحسد شعور بالضيق سببه ليس سوء حظ الأصدقاء أو حظ الأعداء الطيب، ولكنه شعور يشعر به فقط أولئك الذين يتضايقون من نجاح الأصدقاء. والقضاء على الحسد يتم عندما يشترك الاصدقاء فيما يملكون جميعا لازالة الحسد من النفوس.(والكوت، 1998: 98) والاشخاص الذين يكونون حسودين بطبيعتهم لايفعلون ما يريدون ولكنهم يفعلون ما تمليه عليهم طبيعتهم.(والكوت 1998: 115)
الحسد ينمو عندما يتفوق شخص ما ويبز الأغلبية. ان التمسك العام للأغلبية قد منع ظهور الحسد، وأن الديمقراطية ساعدت للغاية على التحكم بالحسد بواسطة الشعور بالمساواة والتشابه في اثينا.(والكوت، 1998: 83) رغم ان الحسد يظهر بين المتساوين، لكن المساواة تساهم في تقليله.(والكوت:87) وكان النفي للحاسد نوعا من تسكين الحسد وتقليله.(والكوت، 1998: 79_81) وكان الاوروبيون في العصور الوسطى يحاكمون ذوي النظرات المبهمة أو الجذابة وإدانته بالموت على الخازوق، جراء إصابته بالسَّد (اعتام عدسة العين)(باناتي،2003: 28)
وقد فحص العالم كامبل بونر التعاويذ السحرية في الأغريق وكانت اغريقية مصرية في اغلبها، وعندما فحص تعاويذ الحسد، كان اكثرها انتشارا تعاويذ التي ترسم عينا واسعة مفتوحة وهي تُهاجم وتتعذب كثيرا، نتيجة اعتقاد سحري انه يمكن ابطال عين الحسود برسمها تعاني.(والكوت، 1998: 117) وكان البصق في الصدر ثلاث مرات عادة اغريقية شائعة.(والكوت، 1998: 111_112)
"لم يختلف اليونانيون والرومان عن السومريين والفراعنة في توظيف الآلهة للحماية من الحسد، فيقول المؤرخ الروماني الأشهر بلينيوس الأكبر في كتابه" التاريخ الطبيعي" إن الإله "فاشينوس"، كان يحمي من العين الشريرة، إضافةً لممارسات أخرى ظهرت وقتها، مثل وضع رمز للقضيب في حدائق البيوت واستخدام شكل من الجراد للوقاية من العين الشريرة.
العراق بدوره كان في طليعة الحضارات المؤمنة بوجود "الحسد"، إذ اكتشفت كتابات للسومريين في ألواح من الطين عن العين الشريرة، تعود لنحو 3000 عام قبل الميلاد، إضافة لصلوات تدحض لعنتها، ما زال بعضها يستخدم حتى اليوم في منطقة البحر المتوسط. وفي العام 2012، اكتشف علماء آثار كرواتيون خاتمًا عمره نحو 1800 عام، عليه "عين" منقوشة للحماية من الحسد ومن الحظ السيئ. يبرز في الثقافة السومرية استخدام مصطلح "عين الموت" لإيضاح مدى تأثير الحسد في ضحيته، وأسوة بقصة حورس، ظهرت "عين الموت" مرتين في قصة الإلهة إنانا، إلهة الحب عند السومريين، خلال رحلتها للعالم السفلي، أولاهما عندما سقطت ضحية العين الشريرة لآلهة "أنونا"، والمرة الثانية عندما قضت على زوجها "دوموزي" بعينها القاتلة. ويشير المؤرخ زاكارياس كوتزيه في دراسته "العين الشريرة عند آلهة السومريين"، المنشورة في 2017، إلى أن "السومريين ألفوا قصصًا أسطورية عن آلهة يموتون بسبب "العين الشريرة"، كما فسروا الظواهر الطبيعية كالزلازل والعواصف والفيضانات كنتيجة للتعرض لهذه العين"، مضيفًا: "العين الشريرة كانت في الحقيقة معتقدًا أساسيًا في الثقافة السومرية، وهو ما ظهر في آدابهم"."(العالم، 2018)

الحسد في المجتمع العراقي المعاصر:
وأنت تمر بأحد الشوارع العراقية تشاهد تعاويذ وتمائم(1) معلقة او منقوشة على بعض جبهات البيوت الفخمة او مداخل ابوابها تسمى شعبيا "ام سبع عيون"(2) أو آيات قرآنية(3) أو فردة نعال معلقة على جبهة بيوت طور البناء أو تشاهد حذاء سيراميك ازرق صغيرة أو خرز كروية زرقاء مرسوم بها دوائر بيضاء ووسطها دوائر سوداء اصغر مثل البؤبؤ تسمى شعبيا عيون، أو كف زرقاء في وضع الشهادة وفي وسط راحتها عين مفتوحة، معلقة داخل (بمفتاح تشغيل السيارة او بالمرآة التي يرى فيها السائق المناظر الخلفية) أو خارج السيارة (تعلق بدعامة السيارة الامامية او الخلفية) وإذا سالت أي عراقي مافائدة هذا؟ قال: "من العين" أي من الحسد. وإذا نظرت بإعجاب ودهشة لشيء مملوك لشخص آخر، فإنه سرعان ما يرد عليك "صل عالنبي"، أو "لاتفك عينك علي". ذلك أن العراقيون يعتقدون بالحسد لأنه جزء من الموروث الشعبي والديني، ويطال الحسد المال، الجاه، المنصب، الممتلكات، الصحة، الذرية، النجاح، الحظ الخ. وقد يطال الحسد صاحبه نفسه كقولنا: "حسدت روحي" أو "حسدت نفسي". وتتخذ ضد الحاسد اجراءات (تعويذات) حمائية للوقاية من خطر الإصابة ("يصيبك بعين" بالعامية) بالحسد على الفرد أو ممتلكاته أو عائلته. وكما يقول المثل الشعبي "ثلثين اﻠﻣﮕابر [المقابر] لأهل العيون" أي أن معظم الموتى قد ماتوا من اصابة الحَسد. فتعلق تعاويذ وتمائم على الممتلكات كالدار، والسيارة، (أم سبع عيون، نعال سيراميك أو مطاطي، آية قرآنية، حجاب/طلسم)(4) أو تمارس طقوس مثل: حرق حرمل مع الملح، أو قراءة المعوذتين من القرآن (سورة الفلق، سورة الناس)(5)، أو القول: "ياربي سترك"، "اللهم صلي على محمد" كتعويذة ضد الحسد، أو النفخ في وجه الحاسد إذا كان ينظر بتعجب للأشياء خاصتنا، أو دق الخشب، او شد اسفل الاذن او اصدار صوت قبلة بالفم مع القول "اسم الله" او "اسم النبي"، أو القول للحاسد "حيّة وراك" أو تحريك يدنا بطريقة كأنها ترش بكفها شيئا على وجه الحاسد، وقد يقال معها "ملح بعينك". تقول جوان بختيار هناك مثل شعبي سائد يؤكد وجود الحسد فالناس يقولون "العين زرفت يد النبي" بمعنى انه حتى الأنبياء والأولياء لا ينجون منه. ومن الأمور التي يتبعها الناس والشائعة في مجتمعنا استخدام: العوذة و الحجاب و الحرز(6) و الخضرمة.
ومن الموروثات بهذا الخصوص ولا سيما من زمن البابليين المعروفة في مجتمعنا نبات لسان الكلب الذي يتم سحقه مع مرهم واستخدامه خارجيا أو استخدام بذور المستكاء التي تلف بالصوف الأحمر وتوضع في مكان ما تحت فراش الزوجين.(حكمت، 2003: 86)
وقد تعلق العروس على جبهتها قطعة ذهبية مثلثة الشكل قد يكون لها دلالة اعتقاديه في منع الحسد عنها وعن زوجها ويستخدم البعض منهم الكف الأزرق أو ارتداء الثياب بالمقلوب أو بتعليق حذاء بدل السبع عيون في واجهة منازلهم أو رأس الغزال(7).
فضلا عن استخدام الحرمل والبخور في أوقات (غروب الشمس) وقراءة المعوذتين وقراءة أسماء الله الحسنى(8) هذا فضلاً عن الأعتقاد الشائع في مجتمعنا بأنه أصحاب العيون الملونة لا سيما الزرقاء منها لديهم القدرة على الحسد بالفطرة وكذلك أصحاب الأسنان المتباعدة أو ما يسمى بـ"الدريد".(حكمت، 2003: 87) "الازرﮒ، الافرﮒ" كما يقال بالعامية.
ويستعمل الرصاص لمعالجة الإصابة بالعين حيث تستخدم من قبل عرافة او ربة بيت بإذابة الرصاص غلياً وصبه في أناء مملوء بالماء البارد فيتشكل بصورة مختلفة وتنظر على الصورة القريبة فتقول هذه عين أمرأة وهذه عين رجل الخ. أو توضع قطعة الرصاص تحت وسادة الطفل لتقيه من الحسد ايضا. (البصري،2015: 57) واذا تمرض الطفل الجيد الصحة فإن الأم تنسب ذلك المرض الى اعين الحسد وللتخلص من اثر العين يجب عليها ان تقوم بطقس لحرق قلب الحاسد بجمع سبع أعواد كبريت (عود شخاط) وتضعها في منقلة (محرقة) عند وقت الغروب وتحرقها مع أضافة حرمل والبخور وتمررها على الطفل المحسود وهي تردد "عين الحسود بيه عود" مع البسملة ويحرق قلبه.(البصري:59) او تقوم بحرق الملح بالنار من قبل عجوز وتدور حول النار عدة مرات وتنثر ذات الملح على النار الملتهبة وهي تردد العبارات: "محروسة من عين الشايب، العجوز الملعونة، محروس من عين المرأة الجبيره او من عين الماصلة على النبي، ومن عين السمرة الطويلة، ومن عين الحاسد الى ما يشبع عينه غير التراب" وتستمر في الدوران ثم تقف باتجاه مرقد الحمزة او العباس وتقول: "اني ناحرة عليك لاتردني يابوا منصور اريدك تشفي هذا الطفل وتخلي عود بعين الحاسود"(البصري:62) وقد يستخدم للطفل لوقايته من الحسد بأخذه إلى رجل دين "سيد"(كل شخص متدين ومعمم تعتقد الناس انه من سلالة نبي الاسلام) حيث يضع يده اليمنى على رأسه ويقرأ بعض الآيات القرآنية والتعاويذ ثم يمسح جبهة الطفل مرتين أو ثلاثاً وهو يقرأ لكي يتم الشفاء وقد يحصل الامر نفسه مع الرجل اذ يتم اخذه الى السيد ويقوم باعطائه مشروب ليشربه الرجل وتكرر الكتابة والشراب سبعة أيام. ومن الأمور الأخرى المتبعة في هذا المحور استخدام "السبع عيون" بخياطتها في ثيابه أو تعليقها في صدره وهذا الأمر معتاد عليه في كل المناطق الريفية والحضرية إذ تقوم بعض الريفيات بتعليقها في صدور أطفالهن فضلاً عن أنهن يستخدمون إطارات ذهبية لها لكي يضعنها في غطاء الرأس كحلية أو كتعويذة وفي المدن يتم تعليق (السبع عيون) في واجهة المنزل أو مدخله.(حكمت، 2003: 87)
العين هي منطلق الحسد، وهذا واضح في أقوالنا: "عينه تحرك"، "عينه بالمكان"، "عينه تصيب"، "عينه تكتل"، "فك عينه عليا"، "ضربني بعين"، "عينه وراي" والمثل الشعبي يقول: "عظة أسد، ولا نظرة حسد" ومن يتقي شر الحسد يقال عنه "يطير عيون" بمعنى يبعد العيون الحاسدة عنه من خلال الادعاء كذبا بسوء احواله المالية او الصحية. والإسلام يعترف بوجود الحسد وقدرته التخريبية وخصص سورة المعوذتين للحماية منه. مع ذلك من الممكن أن يتم الحسد بالسمع، فمجرد أن تتمنى امتلاك ثروة احد أو زوالها، يعتبر هذا حسد في المجتمع. لهذا يخفي معظم الناس مبلغ رواتبهم أو أموالهم المدخرة عن الناس رغم أن المال لا يرى بالعين مع ذلك يطاله الحسد بمجرد السمع.
كل شخص يمتلك قدرة على الحسد، وتتفاوت القدرة بين شخص وشخص، فبعضها قوي الحسد "عينه بالمكان"(=عينه تصيب الضرر لحظة المشاهدة) كما يقال شعبيا، وبعض الناس تحسد بعفوية دون قصد، فتلفظ تعويذة (اللهم صلي ..) "عيني باردة عليك" "بلايا حسد" حتى لا تصيب عينه الشيء المُعايَن. أو عندما نحسد أنفسنا دون علمنا، وإذا أبدى أحدا عجبه ودهشته لشيء فهذه احد علامات الحسد. وبعضهم يحسد بقصد. وتخشى الناس من الحاسد ذو العين الحارقة "عينه تحرك" أو "عينه نسه" كما يقال في الجنوب. وقد يكون الأقرباء والأحباء حاسدين مثل الأخ أو الأم "مايحسدك الا منك وبيك" و "ما يحسد المال الا اصحابه" كما يقول المثل الشعبي.
قد يكون الحسد مجهول من شخص ما، فنقول "عين مفكوكة عليا"، أو يكون الحسد من مجموعة أشخاص مثل قولنا "عين العالم" أو "عيون الناس"، وقد يكون الحسد من جماعة الى جماعة مثلما اعتقد الشعب العراقي بالتسعينات ان المصريون الذين عملوا بالعراق حسدُ نعمة العراقيين، ففرض عليهم الحصار الاقتصادي.
ليس هناك أي جزاء قانوني أو اجتماعي ضد الحاسد سوى العقاب الأخروي "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" وسوى امثال شعبية تدين الحسد مثل: "الحسود لايسود". فالمجتمع يستنكر الحسد ويحرمه أخلاقيا ودينيا، لكن لا يتخذ عقاب ضد الحاسد سوى تلقيبه بصفة الحسد والجزاء الأخروي. والحاسد بدوره غالبا ما ينكر حسده كونه مذموم اجتماعيا.

نظريات تفسير الحسد:
أن موضوع العين الحسود ومحاولة تفسيرها بشكل علمي زائف كانت موضوعات ذات أهمية كبرى(والكوت، 1998: 115) عند كثير من المجتمعات.
التفسيرات النفسية
_تقول المحللة النفسية ميلاني كلاين "ان الحسد تعبير ساديا شفويا ووجدانيا عن دوافع مدمرة. وأنه يظهر ويكون فعالا من بداية الحياة، وان اساسه مرتبط بالتكوين."(والكوت، 1998: 9)
ويرى ديفيدسون: "يكمن في أساس الحسد الطمع وسوء النية كما يوجد به أيضا إحساس بالدونية تجاه المحسود وشعور بالغضب تحت هذا الإحساس. إنني أشعر أن من يملك ما أحسده عليه يكون في مركز أفضل مني وأنا أشعر بالغضب من هذا."(والكوت، 1998: 16)
_ويفسر الدكتور د. خليل احمد خليل الحسد: "غيرة نفسيّة، تلقائية ومرويَّة، مشروطة بمثيرات جسديّة، شكليّة، بهْرَجيَّة وماليَّة. الحسد داء، شعور بالنَّقص والحرمان، يرمز إلى إحباط، بقَدر ما يعبّر عن حبّ ذاتي، ورغبة في امتلاك الشيء، الغير، الآخر. سلوك الحاسد امتلاكي_مملوكيّ في آن."(خليل، 1995: 196)
_أما د. قاسم حسين صالح فيقول: يجد المحسود في الحسد تفسيرا نكبة فجائية حلّت به أو ضرر أصابه في ممتلكاته، أو زوال ما كان يحظى به من جاه. والتفسير بالحسد يرضي المحسود ويرتاح له بينه وبين نفسه لأنه يشعره بامتيازه عن الآخرين ويقوم في الوقت نفسه بإسقاط المهانة الذاتية والنوايا العدوانية على الحاسد، فيما يقوم الحاسد بإسقاط رغبته الذاتية الدفينة في سلب الآخر ما يتمتع به من حظ، وتمنيه لامتلاك دور المحظوظ، نابعة من عقدة النقص والخواء الداخلي ومشاعر الحرمان.(صالح، 2011 :124_125)
_في دراسة محمد شوقي بن محمد زهير؛ أكد أن أسباب الحسد، التكبر، التعجب وحب الرئاسة، والحقد، والعداوة والبغضاء، كما أن الحسد يؤثر سلبياً على انتاج الفرد والمجتمع من الناحية الاعتقادية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.(الكربولي، 2015: 27)

التفسيرات الاجتماعية
_لعالم الاجتماع فوسترG.H.FOSTER نظرية ترى الحسد دافع للسخاء؛ فتجميع الموارد وتوزيعها من أجل الحصول على الهيبة والاحترام هو في نفس الوقت يُفسر لتفادي الحسد. اي ينبغي أن يكون للآخرين نصيب من حظ المرء الطيب كبتاً لمشاعر الحسد داخلهم. ويسمى عالم الاجتماع فوستر هذا السخاء مشاركة الفتات للإرضاء. لقد كان الفتات شيئا رمزيا يعطى لتخفيف خيبة أمل شخص خسر في منافسة أو شخص لم يحرز مشابها للآخرين. ومنح الفتات هو حيلة لرشوة الحاسد.(والكوت، 1998: 79) وكانت العادة التركية بمنح حامل الأنباء الطيبة جائزة تحمل اسما معينا، باعطائه بقشيشا كنوع من التعويض الرمزي ولمنع الحسد في نفس حامل النبأ، وكان لهذه العادة ما يماثلها في المجتمع الإغريقي.(والكوت، 1998: 80)
_يفسر د. علي الوردي الحسد من خلال طبيعة البداوة والحضارة؛ من الممكن القول ان التحاسد في البداوة هو اقوى مما هو في الحضارة. ذلك ان المتحضرين اعتادوا على التملق والمجاملة في علاقاتهم الاجتماعية. فهم اذا حسدوا أحد حاولوا تغطية حسدهم بطلاء من المجاملات الكاذبة. أما البدوا فهم على النقيض من ذلك. انهم يعدون الكذب والتملق من امارات الضعف والمذلة. وتتميز الحضارة القديمة بوجود نظام طبقي صارم فيها. من شانه اضعاف التحاسد بين الناس بسبب القيود الطبقية الشائعة بين الناس.(الوردي، 2005: 88) على عكس البداوة في داخل القبيلة يشعرون كأنهم من جد واحد ونسب واحد، وليس هناك من ميزة لاحد منهم على غيره الا بما تفرضه كفاياته الشخصية من كرم وشجاعة وما شابه. فينشأ التحاسد من التنافس على المكانة العالية داخل القبيلة. ومع بدأ الحضارة في العصر الحديث خفت القيود الطبقية القديمة، وأصبح الكثير من الناس قادرين على الارتفاع عاليا في السلم الطبقي حسب كفاياتهم الشخصية. لان وسائل النشر والنقل والمواصلات التي توافرت في الحضارة الآن جعلت في امكان الشخص العصامي أن يجد له انصارا ومعجبين في شتى أنحاء بلده أو أنحاء العالم. مع عدم الخلوا من حساد ولكن هؤلاء قلائل.(الوردي، 2005: 89) لكنه في مقال عن الحسد الذي يسميه "العائنية" يعده من الظواهر الخارقة (باراسيكولوجي) والمعتقدات الشائعة حول إصابة العين لم تنشأ من العدم. ولابد لها من أساس واقعي نشأت عنه هي القدرات الخارقة لدى بعض الأفراد، ولكن مشكلة الناس أنهم لا يستطيعون أن يفهموا طبيعة تلك القدرات كما هي في حقيقتها، فينسبونها إلى الجن أو الشياطين أو الأرواح.(الوردي، بلا تاريخ:164)
_هناك دراسة الدكتور عبد الواحد مشعل عن النظام العشائري وطبيعة النزاع في محافظة الأنبار في الزعامة العشائرية التي يظهر فيها الحسد بمواقف مختلفة، ولاسيما يوجد بعض الكره والبغض بين أبناء العشيرة في بعض الأحيان، وأكد على أن الحسد يوجد بين القرابة على مستوى البيت أو العوائل التي تلتقي بالجد الثالث أو الرابع، وعلى الأقل مع العوائل التي تعيش حالة من الحسد بين أعضائها ربما يكون النزاع المستمر على حسب الاستطلاع، من بعض الأفراد الذين يحققون نجاحاً في بعض الأعمال في مجالات الحياة، إلا سوف نجد يزداد بين الناس الهمس تجاه ذلك الفرد بالحسد، كما وأن هناك من نجد فيه مظاهر الكراهية، التي غالباً ما تكون حاضرة في بعض الوجوه وفي مواقف مختلفة. ولاسيما ما نراه في الوقت الحاضر عندما يريد أحد الأفراد أن يتقدم عليهم ويصبح شيخاً لمجموعة قرابته. ويؤكد في هذه الدراسة على ان الغيرة موجودة وبشكل واضح في محيط المجموعة القرابية ولاسيما التي تعيش في منطقة واحدة. لهذا نلاحظ أن أي عمل ينجح لدى الأقرباء، سوف نجد الكثير يهبون إلى نفس العمل الذي يحقق نجاحاً. ويكون التنافس عليه من الأفراد ويصل إلى درجة الحسد بين الأفراد.(الكربولي، 2015: 30_31)
_دراسة الدكتور خالد مخلف حسين عن "التحاسد والايثار في المجتمع الريفي"؛ اكدت ان ظواهر الحسد تنتشر بين أبناء المجتمع العراقي عامة ومجتمع ريف الرمادي خاصة، لا سيما تلك التي يعتقد بها أبناء المجتمع لدرء الحسد، وتعلق على المنازل أو داخل السيارات أو على واجهات البيوت.(الكربولي، 2015: 142) وقد يلصق على الدار "سبع عيون" ويكتب على المحلات "الحسود لا يسود" وهناك من يكتب عبارات على مؤخرة السيارة "عين الحاسد تبلى بالعمى" و"كافي حسد يا ناس" والبعض الآخر يلصق الخرز والتمائم على رؤوس الأطفال ويضع الحجب، وبعضهم الآخر يعلق "نعال أبو الأصبع" في رقبة البقرة، وأخرون يعلقون "حذاءً" في أسفل السيارة وبعضهم يعلق عظام الحيوانات في أبواب البيوت، وهناك من يعلق "رأس غزال" في مدخل البيت، ومنهم من يعلق "الخرز" الزرقاء في البيت والسيارة، وإن سألتهم لماذا هذه الأشياء يقولون إنها تحمينا من الحسد.(الكربولي:157) وفسر الحسد بنظرية الصراع بسبب التنافس والغيرة على السلطة والمال والممتلكات وضعف قيم الايثار والإيمان بين الناس، الذي ولد بينهم التحاسد خصوصا بين الفقراء والاغنياء. ويرى ان بواعث الحسد بصورة عامة هي خبث النفس، العداوة والبغضاء، حب الرئاسة والمال، الخوف من فوت المقاصد، التعزز بالنفس، التكبر، التعجب.(الكربولي، 2015: 62_63)

تفسيرات الفولوكلوريين
تدور أكثر النظريات قبولاً للفولوكلوريين حول ظاهرة انعكاس البؤبؤ في العين، فإذا نظر المرء إلى عيني شخص ما ظهرت صورته مصغرة جدا على بؤبؤه. ووجد الإنسان القديم أنه من الغريب والمرعب أن تتراءى له صورته في عيون رجال القبيلة. ربما رجع الرعب إليه إلى الاعتقاد بشيطانية العين العاكسة والخطر الذي ينزل به شبيهه المنعكس في بؤبؤ عين الشخص الذي ظهرت الصورة في عينيه. وهذا قارنوه بخوف بعض القبائل الافريقية البدائية قبل اقل من قرن من الكاميرا، لاعتقادهم بأن تصويرهم قد يسرق ارواحهم.(باناتي،2003: 29)

نقد التفسيرات السابقة
النظريات النفسية يمكن أن تفيدنا في تحديد نسبة تفاوت الاعتقاد والتأثر بالحسد بين الناس، لكنها لاتعطينا العوامل الاجتماعية للحسد. وتواجه أسئلة صعبة حول الأصل المرضي للحسد (عقد النقص مثلا)، فبما أن الحسد موروث تاريخي، فهل نحكم على المجتمع والتاريخ كله بالمرض؟ وهل يمكن توريث المرض النفسي عبر الأجيال؟.
التفسيرات الاجتماعية على اهميتها التي اعتمدت على فرضيتي التنافس والصراع، فباستثناء تفسير فوستر فإنها تواجه أسئلة صعبة مثل: كيف للفرد أن يحسد نفسه؟ هل من الممكن أن ينافس نفسه؟ وماذا عن الحسد اللاارادي؟ هل يمكن للفرد أن ينافس الآخرين دون ارادته؟ ثم هذه النظريات تجاهلت سؤال لماذا ينعدم وجود جزاء اجتماعي للحسد؟ ومن أين له الاستقلالية عن الفرد بحيث يصيب الاشياء دون ارادته؟. ثم انه ليس كل تنافس يقود للحسد؛ إذ يوضح ارسطو الفرق بين التنافس وبين الحسد، أن سبب التنافس ليس أن الشخص الآخر يملك، ولكنه سببه أننا نحن لانملك، إن التنافس يدفعنا إلى الامتلاك، بينما يعني الحسد منع الجار من الامتلاك.(والكوت، 1998: 21)، ويتفق معه (ديفيدسون) في التفرقة؛ في أن التنافس ليس من الضروري اعتبار الخصم عدواً يجب كراهيته، بل اعتباره صديقا إذا ما شد من عزائمنا واستخرج مكامن الطاقة فينا وساعدنا على تطوير انفسنا. فالتنافس المحب للذات يجب أن يوضع ضمن الرغبة الطبيعية في التفوق، ولكنه ليس انانيا، ويليق بالشخصية القوية، وهو غير الحسد وغير الغيرة. لكن التنافس قد ينحرف بسهولة ويتحول إلى حسد اذا ما حاول المتنافس الوصول بطريقة غير شريفة لهدفه.(والكوت، 2015: 22) ويجد علماء الاجتماع وغير المخصيين أن هناك صعوبة، في التفرقة بين الشعور بالغيرة والشعور بالحسد. والفرق ان الحسد يرتبط بكل ماهو ضغينة، بينما الغيرة قد تكون حميدة اذا كانت مثلا على الشرف. والغيرة تنصب على مايخصنا، ولكننا نحسد ما يملكه الآخرون. فالغيور يخشى أن يفقد ما يملكه، ولكن الحسود يتألم لرؤية الآخر يملك ما يريده هو لنفسه.(والكوت، 1998: 3).
اما نظريات الفلكلوريون فهي تفسر التصورات بالتصورات، لان السؤال يبقى لماذا يعتقد الانسان ان صورته هي روحه ذاتها؟ ثم ان هذه الصورة نراها في الماء وفي عيون الاباء والابناء دون ان نعتبرها خطرا علينا؟.
هناك اعتقاد مألوف بأن الفقراء يحسدون الأغنياء بحكم امتلاكهم المال الذي يوفر كل شيء، دون فحص دقيق لهذا التصور. ومن اوائل الذين انتبهوا لذلك هو الفيلسوف ارسطو حين لاحظ أن الحسد يتفشى بين المتقاربين في الزمان والمكان والسن والعمر.(والكوت، 1998: 42) وبكلمات أخرى أننا نحسد أولئك الذين يبدو أن وضعهم أو ممتلكاتهم تدخل في نطاقنا. وفي الغالب لاتكون الفجوة بين الحاسد والمحسود كبيرة. فالعامل اليدوي يحسد جاره الموظف أكثر مما يحسد مدير العمل او الرئيس الأمريكي. إن الغني يرغب في أشياء كبيرة بينما يرغب الفقير في أشياء أقل.(والكوت، 1998: 43) ان الحسد يوجه ضد من يشتركون في نفس المكانة.(والكوت، 1998: 42)

تفسير الحسد في المجتمع العراقي المعاصر
من خلال هذه الملاحظات للمعتقدات الشعبية حول الحسد استنتج أن الحسد قوة مستقلة عن الأفراد لأسباب الآتية أولا: أن الشخص قد يحسد بدون قصد او ارادة. فيلفظ الحاسد رقى لإبطال الحسد من عينه ("الصلات على النبي"، "عيني بارده عليك") ولان الشخص قد يحسد نفسه. ثانيا: أن المجتمع والقانون لا يتخذ عقوبات جزائية ضد الحاسد، ويكتفي المجتمع بالإجراءات الوقائية السلبية، مثل التعويذات والرقى أو إخفاء الأشياء المعرضة للحسد من العين أو تمويهها او كتم خبرها عن السمع. لان المجتمع لايعتبر الحاسد مسؤولا عن حسده.
ومن خلال الملاحظات حول اشكال التعاويذ والسلوكيات الوقائية من الحسد استنتج ان بعض التعاويذ هي لتمويه عين الحاسد عن الشيء المحسود وهذا ما لاحظه بعض العلماء الاجتماعيون. مثل التعاويذ التي تعلق على الجدران التي تتخذ من اللون الازرق وغرابة الشكل (سبع عيون، يد الخمسة، كرات العين الزرقاء) او تتخذ الشكل الجميل (راس اسد او غزل) او القبيح (نعال بلاستك او سيراميك) كلها لتمويه عين الحاسد عن المحسودات كي تسترعي نظره عن المناظر الأخرى. وبعض السلوكيات ايضاً تستهدف تمويه عين الحاسد مثل دق الخشب او الكذب على الحاسد بقولنا له: "حية وراك" ليلتفت عن الشيء المحسود، او النفخ في الوجه، او البصق في داخل ثوبنا لتقبيح الشيء المحسود في عين الحاسد (كما تفعل بعض الامهات بإلباس اطفالهن ثياب بالية حماية لهم من الحسد). وبعض الرقى ذات محتوى سحري مثل القول "ملح بعينك" مع تحريك اليد وكأنها ترش الملح (دون وجوده فيها) بوجه الحاسد، او القول "عين الحاسود بيها عود" او حرق الحرمل، او وضع نبات الصبار في عتبات البيوت للوقاية من الحسد. وكل هذه الرقى هي محاكاة سحرية لحقيقة كيميائية. فتأثير الملح كيميائياً على العين (رقية الملح) ورقة العين امام العود او الاشواك المدببة (رقية العود، اشواك الصبار) وهشاشة العين بالنسبة الى النار (حرق الحرمل "عين الحساد طﮓ طﮓ") يتم استخدامه سحريا باللفظ فقط او المحاكاة. وكما يقول ليفي برول ان التصورات الجماعية عند البدائيين تعتبر أن الرغبة في حد ذاتها لها القدرة الغيبية على التأثير في الشيء الذي تنصب عليه دون الحاجة إلى رقى سحرية أو طقوس.(بريل، بلا تاريخ: 398) فهذه الاجراءات الوقائية اما تمويه او اخفاء او تدمير لعين الحاسد.
ويجب التمييز بين نوعين من الحسد؛ الاول الحسد المعلوم المصدر، اي نعتقد بأن فلان ما، هو من حسدنا، والضرر الواقع هنا يكون تحت تأثير تزامني أو اقتراني (اي ربط الحدث بعين الحاسد لقرب الفترة الزمنية بينهما او اقتران الضرر بتعجب شخص) او اسقاطي (نتهم من نكرههم بضرر حدث لنا)؛ والحسد الثاني الحسد المجهول المصدر مثل قولنا "عين العالم" او "عين مفكوكه عليا" من شخص مجهول وهنا يكون الحسد تبريري أو تفسيري؛ اي بعد وقوع الضرر لتبريره أو تفسيره.
واذا كان الحسد مستبعداً بين الأغنياء والفقراء، وموجود بين الناس المتقاربين اقتصادياً واجتماعياً، فيقتضي تقديم تفسير لهذه الفرضية. اذ لماذا يحسد الناس من هم امثالهم؟.
ليس امامي من سبيل سوى الاستنتاج ان الحسد اداة محافظة لإبقاء التساوي بين الناس المتقاربين في الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية وذلك بأن يكون كل فرد عينه رقيباً على الآخر لإبقاء التوازن على حاله. عن طريق قوة غير مشخصة تصادر الممتلكات والاموال وتسلب الاعتبارات المعنوية (جاه، حظوة، صحة، سعادة، منصب الخ) اذا تم التباهي بها او اصبحت ظاهرة للعيان بحيث تهدد التوازن الاقتصادي والاجتماعي، فيعمل الحسد كآلية تمنع ظهور التفاوت بين الشرائح الاجتماعية المتساوية اقتصاديا واجتماعيا ويمنع اي تباهي بأي ميزة على الآخرين تجعلهم يشعرون بالدونية او الفقر وتجعل المتباهي يشعر بالزهو او الاحتقار لمن هم ادنى منه. وبهذا يؤدي الحسد وظيفة اجتماعية لإبقاء التساوي او التوازن بين المتقاربين اقتصاديا واجتماعيا والحؤول دون الصدام الفعلي الفيزيائي، وتقليل الفوارق الاقتصادية. وكما يعبر ماكس كلاكمان "فالصراع الرمزي لا يعمل على تدمير المجتمعات بل هو يمثل وسيلة للتهديد والضبط" "ومنع إلحاق الضرر والتدمير للآخرين"(عزيز، 2012: 64) فترى هذه الشريحة من الناس تخفي املاكها او تتعمد العيش بطريقة الفقراء ظاهراً او الشكوى الكاذبة من العوز امام الآخرين لتحقيق التساوي ظاهرياً فقط مع مراكمة الثروات بالسر. ان سرية مقدار الاموال يعتبر امراً أساسياً في هذه المجتمعات المتقاربة اقتصادياً. وقد تصل دائرة السرية حتى على الأسرة. وهناك حالات لا يعلن فيها الشخص عن ثروته الا قرب وفاته او تقدمه بالسن. ولهذا ليس على الحسد جزاء اجتماعي، وهذا الاصل الاجتماعي هو مايفسر كونه قوة مستقلة عن الفرد. وتأثير الحسد "السحري" يأتي من الأيمان الاجتماعي به.
ومن جهة اخرى الحسد هو وسيلة لتفسير أمور محيرة مفاجئة لفهمها ووضعها سياق المألوف، بالتالي إضفاء "المنطقية" المتوافقة مع النسق الثقافي على الأمر المفاجئ، للتعامل معه.
ليكون وظيفة الحسد كالتالي: 1_أداة معرفية لتفسير الأمور المفاجئة القاهرة وفهمها والوقاية منها.
2_وسيلة لحفظ التجانس والتوازن الاقتصادي والاجتماعي بين الشرائح المتجانسة.
3_تحويل الصراع الفيزيائي الى صراع نفسي ورمزي.
وعليه يمكن تعريف الحسد اجتماعياً في المجتمع العراقي:_
الحسد: قوة غير مشخصة موجودة في كل إنسان عراقي، تؤثر أثناء النظر إلى الأشياء بإعجاب، أو بمجرد السمع سواء كان بقصد أو غير قصد، لأنها قوة لا إرادية في بعض الاحيان، تؤدي إلى ضرر أو زوال الشيء المعايَن أو المسموع سواء كان المحسود مادي أو معنوي. وقد يكون الحسد من شخص مجهول او من مجموعة اشخاص مجهولين (عين العالم). تتفاوت هذه القوة من شخص إلى شخص بالفطرة (حسب سرعة إصابة الحسد وكثرة المصابين بعينه). ويمكن تجنبها بالتعاويذ والرقى وبالتمويه او الاخفاء او اتلاف عين الحاسد رمزيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1_التعويذة هي الرقية يرقى بها الانسان من فزع او جنون لانه يعاذ بها، اما التعاويذ التي تكتب وتعلق على الانسان من العين، فتسمى المعاذات، يعوذ من علقت عليه من العين والفزع والجنون.(الدوري،2009: 180)؛ وقد تكون خرز، أو عظام، أو تمثال صغير، أو نص مكتوب حول عنقه أو زنده، معلق أو في غلاف جلدي، لاعتقاده انه يحميه من الاذى والمخاطر، ومن اليد الشريرة، أو يمنحه قوة خاصة، أو يزيد في كسبه وثروته. فكانت التعاويذ تتكون، في الأصل، من قطع صغيرة من عظام الاسلاف. ولذا فقد كان حملها نوعا من عبادة الاسلاف.(سليم، 1981: 48_49) رُقية؛ تعزيم أو كلمات، أو جمل، أو أغانٍ يُرددها أو يغنيها السحرة لتحقيق أغراض سحرية. وتُستعمل في الرقية ألفاظ وتعابير قديمة كي تبدو غير مفهومة، كما تكتب بعضاً جمل لامعاني لها البتة وتوضع في تعوذة يحملها صاحب الحاجة على جسمه.(سليم:914). أما تميمة؛ شيء كعظم، أو تمثال صغير أو خرزة، أو نص مكتوب، يُعتقد ان له قوة سحرية. والقيمة، كما تعتقد الشعوب البدائية، نوعان: نوع له القدرة على جلب الحظ الحسن، ويُدعى (طِلَّسْم)، وآخر يصون من المخاطر، ويُدعى (تعويذة). ويصنع التمائم سحرة محترفون، وهي تُستعمل في ارجاء العالم كافة. وتحمل التمائم في مُدلاة تُلبس في العنق، أو تربط حول الزند في كيس قماش أو جلد.(سليم:164) التميمة: ان الفرق بين التعويذة والتميمة هو ان الاولى تكون مقروءة اما الثانية فتنفذ على حجر او اية مادة اخرى وتعلق على احد اعضاء جسم المريض.(الدوري:336)
2_ام سبع عيون او الخضرمة: وهي زجاجة أو (طين مفخور أو سيراميك) زرقاء اللون وفيها سبع ثقوب يحملها الطفل على صدره أو تحاط خلف ظهره أو تشدها الطفلة الى شعرها لمنع الحسد واتقاء المرض. (حكمت، 2003: 85) وشكلها دائري متموج القطر بتناسق شبيه بقطر نبات الورد فيه تحدب وتقوس. تعلق بمسمار او تلصق بالجبس على واجهات البيوت ومداخله فوق الابواب غالبا، واعتقد ان لونها الازرق الغرض منه تركيز النظر عليه ولفته عن حسد الأشياء الاخرى.
3_القرآن: هو الكتاب المقدس لدى المسلمين. ويعتقدون ان الإله أوحى به على النبي "محمد بن عبد الله" (ص). ونزل على مراحل في مكة والمدينة (مدينتان في نجد والحجاز السعودية حالياً). بعد وفاة النبي تحوّل النص الشفهي، إلى نص مكتوب. يقع القرآن في 114 سورة؛ وتتألف السور من آيات. ويبلغ عدد الآيات 6200 آية، جرى ترقيمها وعدّها في القرن التاسع.(خليل، 1995: 125، 126) ويقرأ بطريقة ملحونة تجويدأ او ترتيلاً (نوعان من القراءة الملحونة) ويستخدم شعبياً للاستخارة وقراءة الغيب وللحماية من السحر والجن.
4_الطلسم، ومفردها طلس وجمعها طلاسم والطلس معناها محا وخفى وطلاسم خطوط وكتابات يستعملها الساحر ويزعم أنها تدفع الأذى، وهو عبارة عن مربع كبير مقسم إلى عدة مربعات وفي كل مربع عدة أرقام ولكل مربع فائدته فمنه لوضع المحبة في القلب ومنه لجلب الرزق ومنه للوقاية والحفظ ومن هذه الطلاسم ما يكتب على الورق أو الفضة أو الذهب ومنها ما يكتب وينقش على خاتم ويوضع باليد.(حكمت:79) او "هو شيء يُعتقد أن له قوة فوق طبيعية للوقاية من الشر، والمرض، ولجلب الحظ الحسن، وللتأثير في الأحداث غير الاعتيادية. يحمله الأفراد معلقاً في رقابهم، أو مربوطاً حول زنودهم. وتعتقد بعض الشعوب البدائية أن بعض حاملي الطلسم يمتلكون مع مر الزمن صفات الطلسم نفسه، فيتمتعون بقوة حتى لو كانوا لايحملونه." (سليم:945).
5_وهي سورتان من القرآن مخصصتان للحماية من السحر والحسد: "بسم الله الرحمن الرحيم: قل اعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، ومن شر غاسق اذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد اذا حسد"113/604، "قل اعوذ برب الناس، ملك الناس، اله الناس، من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس"114/604.
6_الحجاب: حلقة حديد مدورة صغيرة (بحجم الدرهم) يقدمها السيد ويقرأ عليها بعض الآيات القرآنية ويلف عليها خيطا اثناء القراءة التي ما ان تتم حتى توضع قطعة الحديد في قماش يخاط عليها على هيئة دائرية ويعلق في غطاء رأس الطفل لحجب الحسد عنه.(حكمت:85) اما_الحرز: قطعة ورق يدون عليها بعض الآيات القرآنية واسماء نبي الاسلام، ثم تطوى الورقة وتخاط في قطعة من القماش السميك أو الجلد.(حكمت:85)
7_ممارسة قديمة اصبحت قليلة الاستعمال ضد الحسد تستخدمها العروس، بعد عقد المهر تلبس العروس ثوب ابيض للنوم وتوضع قدميها بماء ورد وياس بطست، وتوضع بين اصابع كفيها وقدميها حبات هيل، ويرش السكر على شعرها والعروس تقرأ القرآن اثناء هذا الطقس. وفي فترة السبعة: تمسك العروس مرآة بالمقلوب لرد عيون الحسد على المحسودين. يمنع دخول من يشك بانهم حاسدين الى غرفة نوم العروس يوم الزفاف. وتخاف المرأة من الحسد اثناء الحمل، فتخفي خبر الحمل اذا كان جنس الجنين ذكر. وهناك عادة بين الفتيات المدعوات للعرس وهي ان تلبس احدى قريبات العروس ثوب احمر وتمر به وسط المدعوات لإبعاد عين الحسد عن العروسه.
8_الأسماء والصفات الإلهية هي في القرآن الكريم، يبلغ عددها في التراث الإسلامي 99 اسماً.(خَليل، 1995: 26) وهناك اعتقاد ان الاسم المئة ويسمى "اسم الله الاعظم" لايمتلكه إلا الراسخون في التدين، ويحوز قدرات اعجازية كل من يملكه مع الحفاظ على سرية هذا الاسم. وللتنويه ان هذا الطقس يختلف به بعض العراقيين ما بين كونه طقس لاتقاء الحسد او السحر وهذا لاحظته اثناء الاسئلة التي وجهتها لمن يمارسه او لاحظه.
9_المفهوم الذي طوره كوفمان (1967) في نظرية الانحراف وسماه (الوصمة (Stigma لوصف المنحرفين والدلالة عليهم لتعريف المنحرف بأنه ناقص أو هامشي أو مستبعد على نحو ما من المشاركة الطبيعية والكاملة في الحياة الاجتماعية.(سميث:557(

المصادر:
_الإماِم العَلاّمة أبي الفضل جَمال الدّين محمَّد بن مكرم ابن منظور الافريقي المِصري، لسان العرب، دار صادر، بيروت 2000.
_ماجد البصري، المعتقدات الشعبية العراقية، دار نيبور للطباعة والنشر والتوزيع-العراق، الطبعة الاولى2015.
_رياض عبد الرحمن أمين الدوري، السحر في العراق القديم في ضوء المصادر المسمارية، جمهورية العراق وزارة الثقافة الهيئة العامة للاثار والتراث،2009.
_محمد الظاهر، العين الشريرة أو عين الحسد، التراث الشعبي، مجلة تصدرها وزارة الثقافة والاعلام_دار الشؤون الثقافية، العدد الفصلي الأول_1985.
_خالد مخلف حسين علي الكربولي، التّحاسد والإيثار في المجتمع الرّيفيّ، دراسة أنثروبولوجيّة في ريف الرّمادي، اطروحة قدمها الطالب الى مجلس كلية الآداب وهيئة الدراسات العليا في جامعة بغداد، فلسفة آداب في علم الاجتماع، 2015. (رسالة دكتوراه غير منشورة(
_علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، إصدارات دار الحوراء، 2005.
_علي الوردي، في الطبيعة البشرية، محاولة في فهم ما جرى، تقديم سعد البزاز، الناشر مؤسسة المحبين.
_تشارلز باناتي، قصة العادات والتقاليد وأصل الأشياء، ترجمة مروان مسلوب، الدار الوطنية الجديدة، الطبعة الأولى 2003.
_ليفي بريل، العقليّة البدائيّة، ترجمة: د. محمد القصاص، مكتبة مصر.(بلا تاريخ نشر)
_مهنا يوسف حداد، الانثربولوجيا الدينية أو العلاقة التبادلية بين ظاهرتي الحضارة والديانة، الطبعة الأولى (2011)، مؤسسة حمادة للدراسات الجامعية والنشر والتوزيع، دار اليازوري.
_إيناس حسني، الحسد من الالهة إلى الانسان، التراث الشعبي، تصدر عن دار الشؤون الثقافية العامة، العدد الثاني 2001.
_جوان بختيار بهاء الدين حكمت، أنثروبولوجيا السحر في المجتمع العراقي، دراسة تحليلية في الانثروبولوجيا الاجتماعية، رسالة تقدمت بها إلى مجلس كلية الآداب-جامعة بغداد-، بأشراف الأستاذ الدكتور خـــالد فــرج الجابــري2003م. (رسالة ماجستير غير منشورة)
_خليل أحمد خليل (إعداد)، معجم المصطلحات الاجتماعية، سلسلة المعاجم العلمية3، دار الفكر اللبناني، الطبعة الأولى1995.
_خَليل أحمد خليل (إعداد)، معجم المصطلحات الدينية، سلسَلةُ المَعَاجِمِ العِلمِيّة4، دار الفكر اللبناني، بيروت، الطبعة الأولى1995.
_شاكر مصطفى سليم، قاموس الأنثروبولوجيا، انكليزي-عربي، جامعة الكويت، الطبعة الاولى، 1981.
_روبتسن سميث، محاضرات في ديانة الساميين، ترجمة: د.عبد الوهاب علوب، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، 1997.
_شارلوت سيمور سميث، مَوسوعة علم الإنسان، المفاهيم والمصطلحات الأنثربولوجية، ترجمة مجموعة من أساتذة علم الاجتماع بإشراف محمد الجوهري، المركز القومي للترجمة، الطبعة الثانية2009.
_قاسم حسين صالح، الشخصية العراقية، المظهر والجوهر، تحليلات سيكوسوسيولوجية، ضفاف، 2011.
_ريسان عزيز، لمحات في الشخصية والمجتمع العراقي، دار الراية البيضاء العراق_بغداد، الطبعة الأولى 2012.
_معن خليل عمر، البناء الاجتماعي، انساقه ونظمه، 1999.
_حسن قبيسي، المتن والهامش، تمارين على الكتابة الناسوتية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الاولى 1997.
_بيتر والكوت، الحسَد والإغريق، دراسة في السلوك الإنساني، ترجمة: منيرة كرَوَان، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، الطبعة الأولى 1998.
_فيليبا وارنغ، معجم المعتقدات والخرافات، ، ترجمة: رمضان مهلهل سدخان، الطبعة الاولى، بغداد 2016.
_مجموعة باحثين (المشاركون)، الدين والمجتمع ونظرية المعرفة، قراءات معاصرة في أعمال إيميل دوركهايم، ملف بحثي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود. 2015/08/28 على الرابط:
www.mominoun.com/.الدين-والمجتمع-ونظرية-المعرفة--قراءات-معاص
_قصة "تميمة العين" عبر آلاف الأعوام - BBC News Arabic، 2018. على الرابط:
www.bbc.com › arabic › vert-fut-43250522
_الإيمان بالحسد.. العراق ومصر في طليعة الحضارات المؤمنة به، العالم، 2018. على الرابط:
www.alaalem.com › ...