من خليك بالبيت الى قوانين التباعد... ملاحظات بخصوص التعاطي الاعلامي العراقي مع كورونا

عباس عبود سالم
2020 / 6 / 29

جائحة كورونا من التحديات الفريدة من نوعها التي اشتركت في مواجهتها كل شعوب الارض، وتختلف طرق المواجهة فيها، او التعاطي معها باختلاف التركيبة الثقافية والنفسية للشعوب، لذلك من الصعب فرض نموذج او خطة للمواجهة وتعميمها عالميا لتكون صالحة لكل وسائل الاعلام في العالم.
وسنحاول هنا ايجاد مقاربة لعقلية المواجهة بين التعاطي الاعلامي الغربي والعراقي مع هذه الكارثة، باستخدام الجمهور ووسائل الاعلام، كمعيار للتقييم.
اولا:الجمهور
في بداية ظهور الفايروس كان مركز الفايروس في (ووهان) الصينية، وكان الفايروس بالنسبة للعراقيين مجرد اخبار يتابعونها عبر وسائل الاعلام، وهي تصور لهم كارثة لا يلمسون لها وجودا امامهم.
لذلك فهم يختلفون في ابداء الراي ازاء جائحة كورونا اذ كانوا يرون انها اشبه بوباء ايبولا، والحمى، القلاعية، وانفلونزا الخنازير، وانفلونزا الطيور، وغيرها من الاوبئة التي بدات وانتهت ولم نلاحظ لها تاثير علينا، الا عبر وسائل الاعلام.
المرحلة الثانية انتشار الفايروس وانتقاله الى ايران وغرب اوربا وامريكا، وقيام منظمة الصحة العالمية والسلطات الصحية في كل دول العالم بما فيها وزارة الصحة العراقية باتخاذ اجراءات احترازية غير مسبوقة.
عراقيا لمع نجم وزير الصحة السابق محمد جعفر علاوي بشكل ايجابي او سلبي باختلاف رؤية الجمهور لكنه تحول الى الرجل الاول لدى وسائل الاعلام خلال الربع الاول من 2020.
وهنا انقسم العراقيون الى فريقين، الاول مستوعب لما يحصل وقلق من قادم الايام التي يتفشى بها الفايروس، وهذا النوع من الجمهور يتفاعل ايجابيا مع وسائل الاعلام.
اما النوع الثاني فكان يؤمن بنظرية المؤامرة ويرى ان وسائل الاعلام تبالغ في تهويل خطورة الفايروس، ويحاول جمع ادلة من مواقع التواصل تثبت ان الامر خدعة او كذبة او مؤامرة خارجية.
والجمهور العراقي بتنوعه في المرحلتين الاولى والثانية، يتلقف المقاطع التي تاتي من الصين وايطاليا واسبانيا وانكلترا وايران، ويحاول الخروج بتفسير يتوافق مع منظومته الفكرية فبعضهم يربطها بعلامات قيام الساعة وبعضهم يتعامل معها من منطق العلم والبعض يتعامل باستخفاف وسخرية وقسم منهم لايفكر الا بالنتائج المعيشية من جراء توقف مصدر رزقه.
ثانيا: وسائل الاعلام
اشتركت وسائل الاعلام في العالم بثلاث محاور هي:
1/ ضخ رسائل توعوية للجمهور عن تفاصيل كورونا ومراحل انتشاره وطرق الوقاية منه.
2/ متابعة اخر الاخبار والتطورات الخاصة باعداد الضحايا وخارطة انتشار الفايروس واخبار المختبرات العلمية في المانيا وانكلترا والصين والولايات المتحدة وروسيا، التي تحاول اكتشاف علاج للفايروس، والاجراءات التي تقوم بها الدول الكبرى للمواجهة.
3/هذا المحور يتعلق بحملة خليك بالبيت (stay home) العالمية حيث حرصت وسائل الاعلام على تكييف برامجها وموادها مع الحالة الجديدة للمجتمع، وتعويضه نفسيا توقف عن جميع نشاطاته السياحية والاجتماعية والثقافية والفنية والطقوس الدينية، ولم يبق الا الانشطة المتعلقة لمواجهة الفايروس لذلم تركز عمل الفضائيات على جملة نقاط:
أ/اخذت الفضائيات ببث مواد ترفيهية تخفف اعباء الضغط النفسي الذي يعانيه الناس، واخذت منصات عالمية شهيرة من تقديم خدمات تعليمية وترفيهية مجانية تسد الفراغ والقلق الذي يعانيه الناس.
ب/ نشرات الاخبار في كل قنوات العالم، اغرقت الجمهور، بكم من المشاهد المخيفة للمدن وهي خالية من الناس، وتطبيقات الحجر المنزلي، وتعفير الشوارع، وتقارير عن المستشفيات ومراكز العزل وهي مكتضة بالمصابين، او حالة الكوادر الطبية وهم يلبسون زيهم الذي يحولهم الى كائنات بيضاء معزولة تماما،
ج/ استمرار بث توجيهات ونصائح متكررة لاقناع الجمهور بخطورة وجدية الامر، وكيفية اكتشاف وتشخيص الاصابة وارشادات اجتماعية وصيحة تعين الجمهور على التكيف مع الوضع الجديد.
ثالثا: وسائل الاعلام العراقية
عراقيا ازداد الاهتمام بتغطية اخبار كورونا بعد الاعلان عن اول اصابة لطالب ايراني يقيم في النجف الاشرف، ثم تم الحديث عن مستشفى الفرات الذي اختلفت بشانه التقارير والحقائق، ثم تقارير متواصلة عن نقل العراقيين المقيمين في دول اخرى واعادتهم الى العراق، لاسيما المقيمين في ايران والضجة والاختلاف الكبير الذي صاحب كل تلك العمليات واهم ما يمكن ملاحظته من مظاهر تعاطي الاعلام العراقي مع جائحة كورونا:
أ/لم تكن لدى الاعلام العراقي استراتيجية واضحة للتعاطي مع الكارثة، ولم تكن تحت اليد خطة (الف) وخطة (باء) ملموسة يتم فرضها على الجميع.
ب/توقف الصحف وضعف تاثير الاذاعات في الاسابيع الاولى للحجر.
ج/تعاظم دور الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، ثم تكيفت الصحف والاذاعات مع الحالة.
د/تعددت السلطات والمرجعيات الاعلامية المسؤولة عن التغطية.
وكانت وسائل الاعلام العراقية تحاول محاكاة وسائل الاعلام العربية والعالمية في طرق التعاطي مع الكارثة، ونجحت في دعم جهود الكوادر الطبية، ونقل البيانات الرسمية، والاخبار العالمية المتعلقة بالجائحة، اضافة الى الحاح وتانيب ونصح للجمهور بالانصياع الى حملة (خليك بالبيت).
في المرحلة الثانية بعد تفشي المرض عراقيا وازدياد حالات الاصابة وتزايد اعداد المتوفين وبينهم شخصيات معروفة، وطول المدة الزمنية للحظر والبقاء في المنزل ظهرت مشكلات معيشية واجتماعية تطلبت من وسائل الاعلام استيعابها والتعاطي معها بالشكل الذي يضمن تخفيف الاعباء النفسية على الجمهور.
لكن واقع الحال خلاف ذلك فقد تزايدت مخاوف الجمهور و لم تطور وسائل الاعلام نوعية تغطياتها خاصة مع بداية خروج العالم من مرحلة خليك بالبيت الى مرحلة التباعد والتعايش مع الفايروس.
وفِي هذه المرحلة يكون الجمهور قد تشبع بالمعلومات عن اسباب ومراحل الفايروس وهي المعلومات التي اعيد بثها مئات المرات من قبل فضائيات وصحف ومنصات تواصل، منذ صعود نجم (ووهان) كمركز عالمي للكارثة.
رابعا:سلبيات التعاطي الاعلامي العراقي
1/عدم وجود رسالة عراقية واضحة.
2/ رغم كثافة العمل و الكم الكبير من الجهد والتضحيات لكن افتقد الامر الى تنسيق وتوجيه واضح.
3/لم تظهر مؤشرات تعاون بين وسائل الاعلام العراقية مثل انتاج نشرة خبرية مشتركة، او غرفة اخبار مشتركة، او اي عمل يستثمر الازمة في تقوية اواصر الثقة بين مكونات المجتمع.
4/ اسهم تعدد المرجعيات الحكومية في تسريب وثائق وانتشار شائعات وبيانات ملفقة او مزورة.
5/كارثة كورونا في العراق، اظهرت الحاجة الماسة الى مرجعية اعلامية واحدة تمتلك خطط وفرق خبراء متخصصين في ادارة الازمة توسع دائرة خبراءها حسب الحاجة وتخرج بقرارات ممكنة التطبيق
6/ غياب الرسائل المصنعة بعناية.
7/ عدم الحرج من اظهار المتوفين والجثث ومشاهد الدفن التي امتنعت كل وسائل الاعلام الغربية وحتى الصينية من اظهارهم رغم تجاوز اعداد ضحاياهم لعشرات الالاف لكننا كانت مادة لوسائل الاعلام العراقية.
8/تكثيف مساحة التغطية من حيث الكم على حساب النوع، والتكرار بدون صناعة ومعالجة نوعية وبلا رسالة وادارة محتوى تتم مع تنوع واختلاف وسائل ايصالها.
خامسا/تفاقم الجائحة
بعد تضاعف اعداد الضحايا وظهور سلبيات ونقاط ضعف النظام الصحي العراقي ووفاة نجوم رياضيين بصورة صادمة مثل الكابتن علي هادي والكابتن احمد راضي اخذت مواقع التواصل الاجتماعي تشهد حملات واسعة لكشف عورات النظام الصحي العراقي والمطالبة باقالة وزير الصحة واثارة ملفات سياسية، عند هذه النقطة اكتفت اغلب وسائل الاعلام باظهار مشاعر الحزن على المتوفين دون ان تكون لها استراتيجية واضحة للتعامل مع جمهور تحول من حالة انكار الازمة الى حالة الخوف والقلق والحزن منها، الذي ميز هذه المرحلة ان وسائل التواصل الاجتماعي هي من يقود الفضائيات التي دخلت في موجات عاطفية تماهت مع صدمة الشارع العراقي.