المطالبة بتحرير ايمازيغن من رموز الاحتلال و الإبادة والعبودية

كوسلا ابشن
2020 / 6 / 29

الجريمة العنصرية التي كان ضحيتها جورج فلويد الأفرو-أمريكي, حركت الضميرالانساني للتنديد بالسياسات العنصرية السائدة في الكثير من المجتمعات البشرية والمطالبة بتدمير تماثيل رموز جرائم الحروب و العبودية, وإرتفعت أصوات نشطاء حقوق الانسان خصوصا في أمريكا وأوروبا بإزالة تماثيل الشخصيات المعروبة بإنتهاك حقوق الانسان و المتسببين في إبادة الشعوب المقهورة واحتلال اراضيها وأستعبادها.
الحركة النضالية ضد العنصرية ورموزها أجبرت السلطة بولاية فيرجينيا الامريكية بإزالة تمثال " كريستوفر كلومبوس", وفي انجلترا بمدينة بريستول حطم المحتجون تمثال إدوارد كولستون أحد رموز تجارة العبيد.
في العديد من الدول و خصوصا الخاضعة سابقا للاحتلال الاجنبي تطالب الحراكات الحقوقية و الجماهير الشعبية بتحرير الذاكرة من رموز آبادة الشعوب و الاستعمار وآستعباد الانسان.
إن الاشكال الذاتية في فهم أحداث و وقائع المراحل التاريخية المجسدة في رموز المشخصنة والذاتية لبناء الذاكرة الشعبية وفق معايرعلمية للسيرورة التاريخية, أو لتزييف الوعي الجمعي وإبتكار الذاكرة المتخيلة عبر تمجيد العناصر الاجرامية ( ستوكهولم سيندروم), هذه الاشكال بشكل او آخر من ضروريات النفسية لها أهميتها في تكوين الذاكرة الجماعية ولهذا فغالبا ما تحاول القوى الاستعمارية الى طمس الحجج المادية للشعوب المحتلة, بإعتبارها المادة الأكثر أهمية في تنظيم وظيفة الوعي وبناء الذاكرة.
تدمير وطمس و تحريم المعاليم المادية لتراث شعوب الاوطان المحتلة هو الفعل أكثر أهمية ليس في تدمير الذاكرة التاريخية فحسب وإنما ما هو أخطر المتجلى في بناء الشخصية المستقبلية بمميزات تفاقم التناقضات السيكولوجية ما يدفعها في كثير من الاحيان الى قابلية الاستعمار و تقبل التحولات المجتمعية المفروضة من طرف الأنظمة الاستعمارية, وهذا ما أشار اليه ابن خلدون بقوله:" المغلوب أبدا مولع بالاقتداء بالغالب" في دراسة سسيو-نفسية للبربرالمتحولين هوياتيا.
بفضل التحول الهوياتي سهل إنتاج الشخصية الارتزاقية وتأكيد على شرعنة التراث الاستعماري وعبادة رموز الحملات الاستعمارية أكثر دموية في تاريخ بلاد الامازيغ, وعلى رأسهم عقبة المنسوب الى بن نافع من أم صاحبات الراية البيضاء, أخت أم عمرو المنسوب كذلك الى بن عاص, وهي كذلك كانت من صاحبات الراية البيضاء. قد يكون التأثير النفسي في تشكل شخصية عقبة الدموية الرهيبة, المتعطش للدماء والإساءة للجسد وإهانة البشر.
عقبة الدموي أصبح قديس في نظر البربر "المتحولين هوياتيا" (ابناء أم وأكثر من أب), وتمثاله شامخ في أكبر ساحة في بلاد الامازيغ بمدينة تزي وزو منطقة لقبايل دزيرية, وقبره المفترض ببسكرى أصبح مزارا للتبرك وإسمه موزع على الكثير من شوارع وساحات و مؤسسات في جميع بلاد الامازيغ.
عقبة المنسوب لإبن نافع كما روى عنه بعض "المؤرخون", عن ابن عذاري المراكشي في كتابه :البيان المغرب في أخبار الاندلس والمغرب":"... فقاتلهم قتلا ذريعا ,فمضى إلى المُنستير فقاتلهم قتلا شديدا حتى ظن أنه الفناء", ... "فوصل عقبة إلى إفريقيا فافتتحها ودخلها ووضع السيف في أهلها...وأوغل في الغرب يقتل ويأسر أُمّة بعد أُمّة وطائفة بعد طائفة" ... " وغزوته للسوس الأقصى... فقتلهم قتالا ما سمع أهل المغرب بمثله حتى هزمهم وقتل منهم خلقا عظيما". وعن ابن الآثير"أرسل عبد الله بن سعد بن أبي السرح, عقبة بن نافع ان يغزو بلاد إفريقية فسار إليها في عشرة ألاف فافتتح سهلها وجبلها وقتل خلقا كثيرا من أهلها". ابن الأثير في كتابه ( الكامل). وفي غزوة سبيطلة يقول إبن الكثير في (البداية والنهاية):" فلما رأى ذلك البربر فرقوا و فروا كفرار القطا وأتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون فغنموا غنائم جمة وأموالا كثيرة وسبيا عظيما وذلك ببلد يقال له سبيطلة وكان ذلك سنة 27 ه. وقال ابن خلدون" فسار عقبة وفتح وغنم وسبى وأثخن فيهم وانتهى إلى السوس وقاتل مسوفة من أهل اللثام وراء السوس ووقف على البحر المحيط" تاريخ ابن خلدون.
عقبة المجرم الدموي الرهيب, وأغلب جرائمه الدموية ارتكبت في بلاد الامازيغ وما عرف عنه انه كان يتلذذ بقتل الامازيغ ومن وحشية أفعاله قطع الأذن والأطراف الاخرى كشكل من أشكال الاذلال والاهانة وسبي النساء و المستسلمين, وعلى ما يبدوا أن دموية وحشية عقبة ناتجة عن عقدة نفسية كان يعيشها إبن صاحبة الراية البيضاء.
تمثال مجرم حرب المسؤول عن الإبادات الجماعية لقوم الامازيغ وسبي نساؤوهم وغلمانهم و استعباد محاربهم, فقد نصب "أبناء أم وأكثر من أب" هذا التمثال إهانة وإذلال للامازيغ ولكل أحرار العالم المكافحين ضد الاستعمار وجرائمه اللاإنسانية و ضد أستعباد الشعوب. عقبة المجرم الرهيب, المتشبع بأسطورة نظرية التفوق العرقي والكراهية المطلقة للأقوام المختلفة, حاول إبادة القوم الامازيغي و محوه آثره من فوق أرض تامازغا, و بعد قرون من إزالته الوجودية, إستعادت الكتلة البربرية المصطنعة في المختبرات الاستعمارية (أبناء أم وأكثر من أب), لتخليده بنصب تذكاري في تيزي وزو منطقة اللسان الامازيغي, وليس في مكان أخر معرب من بلد دزير, لإعادة الملف الاسود من تاريخ الامازيغ ( تاريخ الابادة الجماعية والسبي والإذلال), أو حكاية ما تسميه كتلة "البرابرة" ب"فاتح" شمال افريقيا و ما قد يتسببه هذا النصب من الإذلال اليومية للامازيغ في عقر دارهم, وأخطر من ذلك قد يتحول في المستقبل القريب من مجرم استعماري, آبادة الامازيغ الى بطل مقدس منقذ الامازيغ , وهو ما تروجه حاليا الاقلام النازية والسلفية الارهابية للتأثير على العقول لانتاج الوعي المغلوط و الاغتراب الذاتي, فقد أصبحت جرائمه الارهابية مثالا يقتدى به في الشمال الافريقي لدى الحركات النازية والسلفية مثل تنظيم "كتيبة عقبة بن نافع".
تمثال الجزار عقبة ومزاره الموجود ببسكرى في الواقع إرادة كولونيالية وسياسة ممنهجة للتعتيم عن تاريخية بلاد الامازيغ وانكار لحقوقهم الطبيعة, وهذا ما جعل احرار لقبايل بوعيهم الذاتي التصدي لكل المؤامرات اللاأخلاقية واللاطبيعية للسلطة الكولونيالية و منها محاولة تحطيم النصب التذكاري للجزار عقبة المهين لذاتهم الجمعية و لمدينتهم الحرة والبطلة, وعليهم المسؤولية قبل غيرهم بالمطالبة بإزالة هذا النصب المهين لكرامة الانسان, كما على أمازيغ مروك خصوصا المطالبة بإزالة تمثال "الأب الروحي للعروبة الاستعمارية" المقيم العام الفرنسي الليوطي وعلى كل القوم الامازيغي في بلاده شمال افريقيا المطالبة بإزالة رموز الاستعمار والاجرام والعبودية.
إختفاء حقبة من حقب التاريخ المظلم لشمال أفريقيا مستبعد وغير ممكن, الا أن إختفاء الآثرالمادية والمعنوية الدالة عنه و بأشكال مختلفة يمكن إزالة وجودها من أرض الامازيغ, بتحول الوعي الذاتي الى إتجاه فكري وسياسي مقاوم للوجود الاستعماري, ثم بقوة الاخلاق الطبيعية والقوانين الوضعية المنددة بالوجود الاستعماري و رموزه المادية و المعنوية, وكذا التحطيم بالطرق المجسدة للتحرر النفسي والوجودي والفعل الواقعي يتطلب الارادة الذاتية.
المطالبة بإزالة تمثال عقبة وإغلاق مزاره حق قانوني وطبيعي و الحفاظ عليهما جريمة إنسانية بإنتهاكها لحقوق الانسان وإنتهاك لحقوق القوم الامازيغي.