المستعرب الإسباني فدريكو كورينتي يترجل إلى السماء معتليًا قواميسه وبحوثه بين الثقافتين العربية والإسبانية

خالد سالم
2020 / 6 / 29

" لكنها تدور يا ملوك الطوائف...."

المستعرب الإسباني فدريكو كورينتي يترجل إلى السماء معتليًا
قواميسه وبحوثه بين الثقافتين العربية والإسبانية

د.خالد سالم
لئن كانت الأندلس ظاهرة فريدة في تاريخ البشرية فإن الإستعراب الإسباني يمثل ظاهرة فريدة أخرى بين حركات الإستشراق الغربية، إذ لم يخرج من رحم الإستعمار وتعبيد دروبه للسيطرة على العالمين العربي والإسلامي. وباستثناء حالتين معروفتين، من القرن التاسع عشر، فإن المستعربين الإسبان تاريخيًا انكبوا على البحث والتنقيب في التراث المشترك بيننا، الأندلس، زمردة تاج الحضارة الإنسانية.
وظلت جهود الاستعراب الإسباني، منذ نشأته، مكرسة لدراسة الأندلس إلى أن قاد التغيير، دون قصد منه، الراحل إميليو غارثيا غوميث الذي جاء إلى القاهرة بمنحة دراسية في العشرية الثانية من القرن العشرين حيث اغترف من مكتبة أحمد زكي باشا، العامرة بالكتب والمخطوطات الأندلسية. وكانت تجربة ناجحة إذ أتت بثمارها سريعًا فوضع هذا المستعرب أول ترجمة للشعر الأندلسي، التي كان لها عظيم الأثر في نتاج جيل عظيم من أدباء القرن العشرين، جيل ألـ 27، من بينهم غارثيا لوركا ورفائيل ألبرتي.
وفي القاهرة بُهر إميليو غارثيا غوميث بكل ما رأى في الشرق فعاد بخُرجه مليئًا بكتب الأدب العربي في عصوره كافة، بعد أن اقترب من رموز الثقافة المصرية سنتئذ، طه حسين وتوفيق الحكيم، وعلى رأسهم أحمد زكي باشا، الذي كان يجلس معه في مكتبته ويشرح له الأدب الأندلسي، وكان قد قصد القاهرة بتوصية من الفيسوف خوسيه أورتيغا إي غاسيت، صديق أحمد زكي باشا، شيخ العروبة والعالم اللغوي المعروف. كانت تلك الرحلة بداية التواصل مع الشرق العربي عبر مصر، فعلاقة إسبانيا بالمغرب كانت مبكرة نظرًا لوجود مدينتي سبتة ومليلة والصحراء الغربية في أفق علاقة جوار يشوبها التوتر تاريخيًا.
وفي جامعة مدريد بدأ هذا المستعرب في تدريس العربية وآدابها فتخرجت على يديه أجيال من خيرة المستعربين، وكانت القاهرة نصب أعينهم سيرًا على درب أستاذهم، لكنهم حولوا دفة الاستعراب فأخرجوه من أحاديته الأندلسية ليؤسسوا لتيار جديد، تيار الاستعراب المعاصر، وكان السبق في ذلك لأحد تلامذته البارزين، بدرو مارتينيث مونتابيث، في مقدمة مجموعة من العظام في هذا المجال تركوا بصماتهم التي لن تُمحا، من بينهم فدريكو كورينتي كوردوبا الذي رحل عن عالمنا منذ أيام مخلفًا قواميس ودراسات في اللغويات تربو على المائة.
حري أن أشير إلى أن رواد مدرسة الاستعراب المعاصر تناوبوا على ادارة المركز الثقافي في القاهرة خلال الستينات والنصف الأول من السبعينات، وجلهم أجادوا التحدث بالعربية وترجمتها، بل تمكن كورينتي منها فكتب أزجالاً بالعربية وهجا أستاذه بأحدها في بداية حياته.
كل من درس الإسبانية بدءًا من سبعينات القرن الماضي إلى اليوم غرف من قواميس فدريكو بين الإسبانية والعربية في الاتجاهين، فأصبح الجميع يتكلمون عن قواميس كورينتي ويضعونها على رأس قائمة القواميس كلها. وفي هذا الصدد تحضرني طرفة أخرى تتعلق بمستعرب آخر من هذا الجيل، وهي أننا عندما درسنا قواعد الإسبانية ونصوصها في كتاب وضعه بدرو مارتينيث مونتابيث بالاشتراك مع الراحل دكتور لطفي عبد البديع كنا نطلق عليه كتاب بدرو.
أذكر أن فدريكو كورينتي حكى لنا ذات يوم في المعهد المصري أنه تعلم العربية قبل الجامعة عبر المذياع إذ كان يستمع إلى الإذاعات العربية وعلم نفسه بينما كان يعيش في جزر الكناري في صباه. كان يتحدث بها دون لكنة تقريبًا ويجيد لهجاتها ما أهله لدراستها في أكثر من مائة كتاب وبحث. وفي هذا الاطار أتذكر أنني شخصيًا، في شبابي، تعلمت قواعد العربية بشكل سليم من خلال كتابه العمدة إذ يشرحها ويبرهن ويسنتج العلاقات بين القواعد كما لو كانت رياضيات، بعد أن كنت قد تخرجت في الألسن دون أن أجد للعربية معنى بالطريقة التي كانت تُدرس لنا بها، ثم تغيرت علاقتي بها على إثر موقف مع المستعربة كارمن رويث برابو وأنا طالب في جامعة مدريد، فأخذتني عزتي القومية لدراستها وقد كان من خلال كتب هذا المستعرب.
كان فدريكو كورينتي كوردوبا أول من وضع قواميس عربية إسبانية وإسبانية عربية، وقاموسًا لغويًا للألفاظ العربية في الإسبانية، وألف كتابًا في قواعد اللهجة الأندلسية بالإنجليزية. وتتجلى قدراته اللغوية في هذه القواميس إذ لم يقصر عمله على وضع الكلمات بل طعمها بالمصطلحات العلمية والأدبية والقانونية والفنية، إضافة إلى مرادفات من الدول الناطقة بالإسبانية في أميركا اللاتينية. هذا بالإضافة إلى العلاقة بين المفردات العربية والإسبانية ودلالاتها والتأثير المتبادل بينهما، خاصة بين الرومانثية والعربية الأندلسية.
لعل أبرز دراساته تحقيق ديوان الشاعر الأندلسي ابن قزمان على مستوى النص واللغة والعَروض، وهو من الأعمال المهمة، إذ يمثل صورة فنية متكاملة ومعبرة عما وصل إليه الشعر الأندلسي من تطور وجمال شعريين في الأندلس. وهو الشاعر الذي اختلف حوله الدارسون ما بين قائل بأن اللهجة الأندلسية تركت بصمتها على لغة الديوان بينما ذهب الراحل دكتور عبد العزيز الأهواني أن عروض الديوان خليلية مع تخللها بعض الضرورات وهو ما اتفق معه فيه فدريكو كورينتي الذي أضاف أنه خالفه في الإشارة إلى أن الإيقاع في لغة الديوان لا يقوم على تناول المقاطع المحدودة والمقصودة، قوام الشعر العربي.
ومن آثاره الخالدة أيضًا ترجمته لمختارات من المعلقات في مطلع مسيرته الإستعرابية، في الستينات، وقدم للترجمة بدراسة أدبية وتاريخية تستحق التوقف أمامها، فقد أشار إلى أن كلمة شعر تعني المعرفة والإحساس، وهو ما توصل إليه عرب الصحراء بطريقة عفوية.
كل هذا أهله ليصبح عضوًا في مجمع اللغة العربية في القاهرة، ثم أصبح أول مستعرب يشغل كرسيًا في أكاديمية اللغة الإسبانية في مدريد، فآخرون سبقوه في أكاديمية التاريخ التي ترأسها إميليو غارثيا غوميث في التسعينات إلى أن توفي في 1995.
استعراض آثارهذا المستعرب الغرناطي تحتاج إلى مئات الصفحات، لكن حري أن نعرّج على بعضها بسرعة، إذ شارك مع آخرين في تحقيق كتاب المقتبس لابن حيّان، هذا دون الإشارة إلى البحوث والأوراق البحثية في مؤتمرات التي تربو على المائة وخمسين دراسة دسمة تسير في إطار حركة إستعراب إسبانية عظيمة عمرتها قامات كبيرة نفتقرها في اختصاصاتنا المماثلة. لم يبق من جيله سوى نفر قليل، جعلونا نحني أمامهم اجلالاً لما قدموه للثقافة العربية في إسبانيا، فقد غيب الموت أربعة منهم منذ أن أخذت الجائحة تحصد آلاف البشر في العالم كله. أذكر منهم العلامة ميغيل كروث إرنانديث والأستاذ في جامعة إشبيلية رفائيل بلنثية والأستاذة في جامعة جيّان غوادلوبي سايث التي سبقتهم بأشهر.