نريد دولة قانون لا دولة اشخاص

عدنان جواد
2020 / 6 / 29

الدولة عبارة عن مجموعة من الافراد تسكن بصورة دائمة في اقليم جغرافي معين تقودها سلطة سياسية وادارية مستقلة عن غيرها من الامم، وحسب مفهوم الدولة الحديث وجود شعب، وارض وسلطة، وانتقلت الدول من مراحل الاقطاعيات والتسلط الى المشاركة في السلطة بين الملك المطلق الصلاحية التي كانت تعتبر الهية، بعد الكثير من الثورات، ففي بريطانيا تحولت الصلاحيات المطلقة والقرارات الفردية للملك بفعل تلك الثورات، الى البرلمان فاصبح صاحب الكلمة العليا في شؤون الحكم، وفي فرنسا عندما ثار الشعب على دولة الامبراطور الحاكم الظالم المستبد، فتحول النظام الى جمهوري والذي يعني دولة الشعب، وهذا ما قامت عليه الثورة الفرنسية 1789 على مبادئ الحرية والمساواة، والغاء سلطة العلاقات والمحاباة والمجاملة الى سلطة القانون، وهذا القانون يتوزع على ثلاث سلطات، تشريعية، وتنفيذية، وقضائية، وهذا القانون يضمنه القانون الاساسي الاسمى والذي يسمى الدستور، والقوانين الفرعية والتي يجب ان يخضع لها الجميع حكام ومحكومين.
ان بناء الدولة يحتاج الى تكامل اركانها الثلاث الاقليم او الارض، والسلطة، والشعب، وفي العراق هناك مشكلات متوارثة منذ الهيمنة العثمانية، مبنية على العسكرة وتضخيم الجيوش، والاستبداد والعنف، والخوف، فالسلطان لابد ان يكون شخصا قويا ، لكي يفرض قسوته على الشعب حتى يحترمه الجميع، فسخر الخليفة او السلطان اكثر من جهاز يراقب احدهما الاخر، مثل (الشلايتيةـ الهتلية) في مراقبة الاسعار والاسواق لكنهم فشلوا، فكلف جهاز اخر سمي ب(السرسرية)وهو جهاز يراقب الجهاز السابق ولكن وقع الاثنين في الفساد فاصبح يناصف التجار والحرامية بالأرباح، وفي وتزامن اطلاق المثل الشعبي (حاميها حراميها)تلك الاحداث، وهذه الصفات اصبحت تطلق على كل ما هو قبيح ومستهجن من قبل المجتمع العراقي ، واليوم في مجتمعنا ودولتنا الديمقراطية الكثير من هذه المسميات( النزاهة، والمفتش العام، واللجان الاقتصادية ) وهي اسماء لمؤسسات تشارك الفاسد في السرقات بصورة قانونية، اضافة الى مسميات شعبية( الحواسم ، والصكاكة ، والعلاسة، والنكرية، والقفاصة، والفضائيين) تخرق القانون بدون حسيب ورقيب.
لنأتي للدولة التي ورثت مشكلات كبيرة وبنيوية من الانظمة السابقة، الشخصية بامتياز، فعند الكلام حتى من قبل كتاب التاريخ لا احد يتكلم عن العراق في التاريخ الفلاني، وانما يقال العراق في فترة حكم عبد السلام عارف ، او في فترة حكم عبد الكريم قاسم، او في فترة حكم صدام حسين، وكأن الدولة منحصرة في شخص الحاكم، ورثنا دولة محطمة حطمتها الحروب ، مديونة، اسقط نظامها بقوة السلاح ، واريد استنساخ نموذج ديمقراطي في العراق، فأثار حفيظة الدول المحيطة بالعراق وخاصة العربية منها لتشابه شعوبها مع الشعب العراقي بالأعراف والقيم القبلية، فتم وضع العصي في دواليب الدولة الجديدة، من تفجيرات وادخال الارهاب وتمويله، وهذا النظام بني على التقسيم الارض حسب المكونات، ارض كردستان وحدودها المستقلة، فأعطى صلاحية للإقليم لم يمنحها اي نظام عالمي، وهو ان يلغي قرارات المركز، ويتصرف بكل موارده ، وجيش خاص ، وبرلمان وحكومة، ويشتركون مع السلطة في المركز وفي الاقليم ، وهذا منصوص عليه في الدستور الذي صيغ بعقلية المعارضة، اما الشعب فتم تقسيمه حسب الولاء للديانة والمذهب والقومية وحتى القبلية، واستغلال هذا الامر، وبدل من تنوير المجتمع وتثقيفه، وبناء الفرد العراقي وتعريفه بحقوقه وواجباته، تم استثمار الجهل لمصالح سياسية وحزبية لإدامة التسلط، فالمواطن ضعيف مقابل هذه المافيات، فتم استثمار حاجته المعيشية لجعل الشباب حطب لحروب خاسرة، اما السلطة فحدث ولا حرج ، فشكل الدولة ديكور وليس روح، واحزاب اليوم مجرد تجمعات لا تؤمن بالدولة وانما تعيش في دولة داخل الدولة، وهي نفسها التي ادخلت بحروب وصراعات، عندما كان كل شيء في الدولة بيد شخص واحد، وعندما قال فلان قال العراق، وانه القائد الضرورة، وكانه لا يوجد غيره، ودولة القانون وتاليه لا قانون ولا دولة ، فالقوانين والمؤسسات تعمل لصالح السلطة واصحابها، فأصبحت مسالة التوظيف التي تم حصرها بيد الطبقة السياسية حصرا، تستغلها في ايام الانتخابات، فتم زيادة العاملين في القطاع العام، وتعيين الموالين بغض النظر عن كفاءتهم، فتحولت مؤسسات الدولة الى مؤسسات فاشلة، بعد ان ترك المبدعين للبطالة، وتعيين جميع افراد عائلة موالية ، وعدم شمول احد من افراد عائلة اخرى مستقلة غير متحزبة.
نحن اليوم نبحث عن نظام دولة وقانون بعيدا عن الشخوص يحترمه ويخضع له الجميع، فلا ينفعنا الشخوص مثل القانون، ذهب صدام وذهبت معه كل مؤسسات الدولة ماذا نفعنا شخصه غير الخراب والدمار، وما بعد 2003،لم نرى قوة او فصيل مسلح او حزب سياسي في العراق لا يتكلم بالوطنية وانه يمثل الدولة وسيادتها، ولكن الذي حدث تم تقسيم العراق فعليا، فاصبح فريسة تتناهشها الوحوش المفترسة، ماذا حصلنا من جماعة الديمقراطية غير الوعود الكاذبة وسرقة قوت الشعب وتقاسمه فيما بينهم وتحويله لبنوك اجنبية يحملون جنسيتها، لابد من قانون يحترمه الجميع من الحاكم الى المحكوم، وليس هناك فضل لشخص على اخر الا بمقدار الخدمة لهذا الوطن، وان نضع الفاسد في السجن من اي جهة كانت، ونكرم الشجاع الذي يتصدى للفاسدين، وان نشرع ببناء المستشفيات والمدارس بالأموال المسروقة التي يتم استعادتها من الحكومة الوطنية حكومة الشعب، ولا نريد تكرار ان حكومة عبد المهدي فيها انتصار لإيران لأنه يوالي ايران وحكومة الكاظمي انتصار لأمريكا لأنه موالي لأمريكا فاين العراق؟ نعم لابأس بشخص يسهم في تطوير بلده بالاستفادة من خبرات الدول ومصالحها، ف(لي كوان) حول سنغافورة من دولة فقيرة الى اقوى الدول اقتصاديا، و(مهاتير محمد ) نقل ماليزيا نقلة نوعية من الضعف الى القوة، وذلك بتطبيق القانون، فينبغي بعد اليوم حصر مطالب الشعب بتشريع القوانين المهملة التي تبقي سلطة الاحزاب، وان تضع الحكومة جميع مفاصل الدولة من هيئات مستقلة ووزارات ودرجات خاصة، ومنافذ تحت يدها تضع فيها الاميم والمؤتمن، وتمنع الاحزاب والفصائل المسلحة السيطرة عليها، وان نشخص المخطئ والمنحرف ومن جميع الجهات والا تأخذها العاطفة والخوف وتسمي الاسماء بمسمياتها، ، فاذا لم تفرض الحكومة نفوذها على ارض الدولة وتطبق قانونها، وتبقى السلطة فاسدة ، فسوف نبقى نعيش الفوضى، وعندها لا نسمي انفسنا دولة ولا حتى شبه دولة، وربما تعجز الحكومة من حماية شعبها وتوفير مستلزمات عيشه، والشخوص من المالكي الى العبادي وعبد المهدي وحتى الكاظمي وصالح فسيرحلون ونبقى نحن نعاني ومن بعدنا اجيالنا القادمة، فلو انتجت التجربة دولة واحدة وقانون واحد وقوة رادعة يخشاها الجميع لكان الامر الان مختلفا ، وان نختار حزب وطني مدني يجمع كل الافكار والطوائف ولديه رؤية واضحة لمفهوم الدولة بالانتخابات القادمة .



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادرـ د. حنا عيسى استاذ القانون الدولي