سد النهضة وأزمة القوة الناعمة والسياسات الخارجية لمصر

حاتم الجوهرى
2020 / 6 / 29

مصر ومتطلبات سياسة "النفس الطويل"
في مواجهة سياسة "حافة الهاوية"
تطرح الأزمة الوجودية الدائرة حاليا في ملف سد النهضة، خاصة عند مواجهة مصر لتكتيك "حافة الهاوية" والصدام، بتكتيك "النفس الطويل" والصمود، تطرح على الطاولة بشدة ضرورة مراجعة الخطاب الثقافي المصري ومكوناته من جذورها، والسؤال عن مصادر القوة الناعمة المصرية، وصورة مصر الذهنية طوال الثلاثين عاما الماضية، وكذلك فيما بعد 25 يناير التي استمرت سياستها الثقافية –وخطابها- تدور في الفلك القديم نفسه، بتخليها عن "مستودع الهوية" المصري وعناصر خصوصيته الثقافية، لصالح التنميط الثقافي والمسخ، وسيادة مفاهيم "الأمن السياسي" على الملف وتنحية مفاهيم "الأمن القومي"..
بما يجعل حقيقة معركة مصر الآن شديدة الصعوبة على الإدارة السياسية الحالية، التي تكاد تفتقر للكوادر الفاعلة وبدائل السياسات الناجعة وعناصر الموارد البشرية السياسية الفاعلة القادرة على التأثير، لأن "الفرز الطبيعي" في مصر تم تهميشه لصالح "التنخيب الزائف" وولاءات الاستقطابات السياسية الموروثة، بما قد يجعل الإدارة السياسية الحالية في مأزق شديد لعجز الكوادر المتاحة عن فهم محددات السياسة الخارجية عموما، وأسباب غياب مصادر القوة الناعمة ومزيجها الذي يرتبط بالثقافة وعناصرها المتنوعة، والخطاب السياسي وقيمه عموما، وانعكاسه في السياسة الخارجية خصوصا.

خطاب ثقافي مأزوم يفتقد للقوة الناعمة
حقيقة هذه المجموعة من الكوادر التي تدير مؤسسات مصر الثقافية الآن، والتي تدور معظمها في فلك د.جابر عصفور/ فاروق حسني بسياستهما الثقافية، حان موعد إزاحتها بشدة، ومراجعة الخطاب الثقافي المصري المتراكم والمأزوم، ذلك الخطاب الذي قدمه جابر عصفور عن التماثل مع والاستلاب للذات الأوربية، بما أفقد مصر الاهتمام بتراثها الثقافي اللامادي وفنونها الشعبية، ففقدت واحدة من أهم نقاط الاتصال مع أفريقيا، كما أن هذه المجموعة عجزت مثلا عن تحويل التواصل في طريق الحرير الجديد لأوجه ثقافية وسياسية (بل تعرض مشروعي "مبادردة تبادل المزيج الثقافي بطريق الحرير" للتهميش والتجاهل رغم أهمية الخطاب الثقافي الذي يطرحه عالميا).

سياسة "التنميط الثقافي" ودورها السلبي
الأزمة أننا حاليا في تكتيك "النفس الطويل" والصمود، في مواجهة أثيوبيا وشبكة العلاقات الدولية التي تقف من ورائها، وأننا في حاجة لتفعيل كل مصادر القوة الناعمة في أفريقيا مثلا؛ وما الذي تملكه تلك الطبقة الثقافية المتآكلة لتساعد به مصر في هذا الصدد (احتفلت القارة السمراء بيومها العالمي السنوي في الـ 25 من الشهر الماضي مايو، ومر مرور الكرام على كافة مؤسسات مصر الثقافية وكأنها غير خارج الخدمة او غير معنية بحضور مصر وقواها الناعمة)!
مفاهيم الأمن السياسي التي سيطرت على الخطاب الثقافي المصري، فرغته من مضمونه طوال عقود مضت وصعدت كوادر انتهازية هشة البنية الوطنية تفتقد للكاريزما والمبادرة والصلابة النفسية والروحية، كما أن السياسة الثقافية القائمة على تهميش "الخصوصية الثقافية" والانسياق وراء "التنميط الثقافي"، أفقدت مصر معظم مصادر قواها الناعمة التاريخية، التي تضمنت: تفكيك خطاب السياسة الخارجية المصرية كنموذج للاستقلال، وتضمنت فصل الثقافي عن السياسي.. عن التاريخي.. عن الفني.. عن الإعلامي، بما جعل مصر أقرب لمفهوم "البطة العرجاء" في السياسة الخارجية، خالية من مصادر القوة الناعمة أو تكاد، في كافة الدوائر والمستويات والنطاقات.

استعارة أثيوبيا للتكتيكات الصهيونية
(تكتيك مصر كامتداد لعنصرية الرجل الأبيض واستعماريته)
أثيوبيا تستخدم معنا العديد من التكتيكات الصهيونية في التفاوض وفي الدعاية السياسية، أثيوبيا تريد أن تروج عالميا لمصر الآن وكأنها الامتداد لسياسات استعمار الرجل الأبيض (وأين الخطاب الثقافي المصري المضاد)! وتستغل أيضا ثورة الأمريكان من أصل أفريقي وتقدم نفسها في سياق اما تسميه لاضطهاد المصري وادعاء تفوقه العرقي والعنصري (والخارجية المصرية لا تعطي للأمر أهمية كافية ربما)! وهى التكتيكات نفسها التي استخدمتها الصهيونية لتروج لمشروع احتلال فلسطين، وأن من يرفضه يرفض حرية اليهودي ويمثل امتدادا لعنصرية هتلر النازية! لكن العيب ليس على أثيوبيا العيب علينا نحن؛ الذين تركنا تراث التحرير المصري في أفريقيا ونضاله ضد الاستعمار في عهد عبد الناصر دون استثمار، وتركنا المسألة لأن وصل الأمر بأثيوبيا لأن تعتقد أن الاتحاد الأفريقي هو ملعب مضمون لها في مواجهة الدبلوماسية المصرية، وتفكك قواها الناعمة وخطابها الثقافي!

نهاية "الدولة حارسة التناقضات"
حاليا لن نملك سوى شجاعة كلمة الحق، ولا غيرها أمام الأجيال القادمة؛ مصر الآن قد وُضِعت على خط المواجهة الوجودية مباشرة، ولن ينفع معها "استراتيجية الدولة حارسة التناقضات" التي أكد عليها مبارك وأسس لها السادات، عن الدولة التابعة التي تلتزم بمعايير القوى الدولية الغربية، في مقابل أن يضمن لها الغرب حدا أدنى من البقاء وشروطه!

إعادة الهيكلة وترتيب الأوراق
مصر في حاجة لتغيير هيكلي شامل لتستطيع البقاء والصمود وفق مفاهيم الأمن القومي، وذلك يتطلب عدة خطوات شجاعة منها، رفع يد جهاز "الأمن السياسي" عن كافة الملفات السياسية والثقافية وتحويله إلى جهاز معلوماتي وأمني بحت، واستعادة دور جهاز "الأمن القومي" في الملفات الخارجية وإعادة فرز وهيكلة كوادر وزارة الخارجية المصرية، وإزاحة كافة الطبقة الثقافية الحالية بمرجعياتها التاريخية المشوهة، وفتح الطريق للكوادر التي تلتصق بلحظتها الآنية المفصلية وتؤمن بـ "مستودع هويتها"، وتعتقد في مشروع مصر الحضاري.

الحاجة العاجلة لمظلة مصرية
لصنع السياسات المركزية
مع الإشارة لأن مصر الدولة (وليس النظام) تفتقد لمؤسسة سياسية تعمل كحاضنة أم، وكمظلة لصنع السياسات المركزية أو السياسات العامة للدولة، تعلو جهاز "الأمن السياسي" وترشد جهاز "الأمن القومي"، وتقدم حزمة سياسات استراتيجية لمصر في المسارين الداخلي والخارجي، وعلى كافة المستويات: المستوى العربي، والإسلامي، والأفريقي، والصيني، واللاتيني، والأسيوي، والروسي.. وفي اليونسكو، والأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، وطريق الحرير، والشركة مع الاتحاد الأوربي، وكافة المؤسسات الدولية.

خطوات ضرورية
استعادة "الفرز الطبيعي"
(السياسي- المجتمعي- الاقتصادي- الثقافي)
مصر على المستوى السياسي في حاجة لتجاوز التقاطبات وتجسير المسافة بين "دولة ما بعد الاستقلال" ودولة "المجتمع الفعال" ومؤسساته، وعلى المستوى المجتمعي العام هي في حاجة لتجاوز "التنخيب الزائف" وفتح الطريق لـ "الفرز الطبيعي" من أجل تشكلْ "كتلة جامعة" تؤمن بـ"مستودع هوية" البلاد، وعلى المستوى الاقتصادي في حاجة لاستعادة مفاهيم الاقتصاد الانتاجي، والتوقف عن خلق الاستقطابات في البلاد، بالتحكم في المنافع السيادية وتوزيع الأراضي وخلق "التراتب الاجتماعي" وفق عنصر الولاء السياسي، وعلى المستوى الثقافي مصر في حاجة فورية لإزاحة الطبقة القديمة، والعمل وفق سياسة ثقافية جديدة تستعيد مصادر قوة مصر الناعمة وخصوصيتها.


تجاوز تقاطابات القرن الماضي
الإدارة السياسية الحالية سيتحتم عليها، شق الطريق ورصفه بين "دولة ما بعد الاستقلال" عن الاحتلال نتاج القرن الماضي، ودولة "المجتمع الفعال" والمؤسسات ذات التوصيفات الوظيفية الواضحة والمعيارية، وتجاوز كافة استقطابات ما بعد ثورة 25 يناير، والتعامل مع الثورة المصرية بوصفها إضافة للأمن القومي المصرى لا خصما منه، وتجاوز كافة اطروحات واستقطابات اليسار واليمين المصريان نتاج القرن الماضي أيضا، وفتح الطريق لـ"الفرز الطبيعي" لتشكل "كتلة جامعة" جديدة تتسم بالمواهب الفطرية تقود كافة المؤسسات الفترة المقبلة.

تحدي وجودي طويل وعظيم
سد النهضة مجرد البداية
مصر حقيقة، ولا نملك الآن سوى شجاعة كلمة الحق لنقولها؛ وُضِعت أمام تحدي وجودي طويل ليس ملف سد النهضة سوى مجرد بدايته، وبأي شكل سينتهي الملف، لقد وضعتنا أثيوبيا وشبكة التحالفات من خلفها على محك الاختيار الحقيقي في معارك الصمود و"النفس الطويل"، مصر تكاد تكون خاوية على عروشها من الكوادر المهنية والدبلوماسية والثقافية العارفة، ومعظم الطبقة السياسية القديمة وورثتها استهلكت في مواقع التواصل الاجتماعي، بمقاربات التعبيرية والتحسر على الحال ولطم الصدور، وانقطع تراث النخب السياسية الأقدم التي كانت تقدم التصورات البديلة والمشاريع المهنية والمعرفية التي تخدم مصر ووجودها القومي.
صار الجميع يدعي أن يملك سر المعرفة العظيم، وأصبح مناط إسكات الضمير هو وهم المكاشفة، وادعاء التوحد المعلوماتي مع جمهور متخيل على مواقع التواصل الاجتماعي! من المفترض انه ينتظر المخلصين الجدد ليكتبوا له منشورات إراحة الضمير وادعاء المعرفة، وتبادلها ومشاركتها! دون اهتمام بالكتابة الرصينة والعلمية والاستسلام لحالة الرد فعل والسيولة التعبيرية ومواكبة السائد (الترند) في مواقع التواصل الاجتماعي الجديدة (وكتبت في ذلك دراسة مباشرة عن علم الاجتماع الافتراضي، وضرورة ضبطه وفق معياري: الترشيد والوظيفية، دون طائل أو آذان مصغية)

حزمة سياسات مطلوبة دفعة واحدة
(الواجهة أثيوبيا والخلفية أمريكا والصهيوينة)
حاليا مصر في حاجة لتجاوز كل تقاطبات القرن الماضي، والعمل وفق سياسات عامة (وثقافية) لاستعادة الذات وخصوصيتها، وتبادل مزيجها الثقافي الخاص مع الآخر المتعدد، والتأكيد على صورتها الذهنية العريقة والمحترمة، نحن أمام لحظة حضارية مفصلية وخطيرة للغاية، أمريكا تربط ملف سد النهضة بملف صفقة القرن الذي وصل الآن لخطوة "الضم"، وتنشط الملف الليبي كمزيد من الضغط، ولابد من حزمة سياسات استراتيجية مقابلة تواجه التحدي الوجودي الذي تواجهه مصر، والإدارة السياسية الحالية.
كما يجب علينا مراجعة سياساتنا الخارجية مع القوى العربية الجديدة الناشئة في الخليج، التي تقول بتحالفها معنا، تحديدا مع السياسات الإماراتية والسعودية، علينا وضع حزمة سياسات خارجية متصلة ومتشابكة تضبط الدبلوماسية المصرية وخطابها وتوجه مصادر قواها الناعمة وتستعيدها، نحو المصالح المصرية و"قيمها المشتركة" وأمنها القومي، السياسات المصرية الخارجية في حاجة لضبط ومراجعة ملحة، تقوم على الأولويات وفهم مصر للاختيارات المتاحة أمامها ومآلات تلك الاختيارات، على مصر أن تستعيد قيمها الأساسية وتراجع "مستودع الهوية" الخاص بها، وتحدد وفق عوامل ذلك المستودع أهداف وجودها طويل المدي، وتكتيكات مواجهاتها القريبة.

حقيقة لا نملك الآن سوى شجاعة كلمة الحق

وإما استجابت مصر لما يواجهها من تحديات وجودية ليس سد النهضة سوى قمة جبل جليدها
أو حقيقة سنقضي عمرنا الباقي نواجه أثر الانكفاءات والإخفاقات المتتابعة في ملفات متوالية
وربما نعيش عصر الاضمحلال الحضاري الكبير لمصر، وسيكون ما علينا هو كتابة مشاريع وتصورات معرفية آملة/ صامدة نحتفظ بها في خزانة الزمن...
لجيل ربما سيأتي بعدنا ويلتفت لما كنا نقوله.