أحلام السلاطين ، و أطماعٌ بلا حدودٍ .

يوسف حمك
2020 / 6 / 24

الترويج للدين تجارةٌ مربحةٌ منذ فجر التاريخ ، و دغدغة العواطف الطائفية تدر منافع جمةً ، و في العزف على وتر المذهبية جنيٌ للأرباح الطائلة .
هذا الترويج منه تتدفق الأطماع التركية و الأيرانية ، و دغدغةٌ تتنامى فيها التطلعات العثمانية و الفارسية ، و عزفٌ به تنضج ثمار الإخوانية الأردوغانية ، و منه تختمر فكرة العقيدة الشيعية الصفوية .
المصالح الاقتصادية لها الأسبقية العظمى مثلما للأهداف السياسية الأولوية الفضلى .
و حينما تمتزج العقائد بالمنافع و الأيديولوجيات بالمصالح ، تغدو الأطماع جشعةً و المطالب متهالكةً على النهم ، و المعدة تبتلع الأخضر و اليابس بلا امتلاءٍ .

المنطقة صيدٌ ثمينٌ لا لهاتين الدولتين فحسب ، بل كل مواردها طريدٌ دسمٌ لأمريكا و روسيا و للعالم أجمع .
أيران عزفت على هذا اللحن منذ عقودٍ ، و رقصت على أنغام المذهبية حتى ابتلعت أربع عواصم عربيةً و بأيدٍ عربيةٍ ، عبر ركوبها مطية الميليشيات المشحنة بالطائفية و المشبعة بعقيدة المذهب .

خيبة أردوغان و عجزه عن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبيِّ من جهةٍ ، و الوضع الناشئ في المنطقة - بتخطيطٍ أمريكيٍّ - من جهةٍ أخرى ، أيقظ حلمه للبحث عن مجدٍ بائدٍ .
إنه حلم السلاطين بهمسٍ استعماريٍّ ، و نفسٍ شهوانيٍّ طامعٍ بالامتلاك ، و بعاطفةٍ إسلامويةٍ بنكهةٍ إخوانيةٍ و طعمٍ عثمانيٍّ . لتهيئة جماعةٍ مذهبيةٍ على مقاسه ، تحارب معه ، تتبنى مشاريعه برعاية أمير قطر و تمويلٍ سخيٍّ منه ، بعد أن وجد أردوغان ضالته المنشودة بإنشاء قاعدةٍ عسكريةٍ على أرض إمارته ، و في عقر دول الخليج . و ناهيك عن إغرائه بمنح الجنسية لمن يقاتل بسيفه و تحت لوائه .

أردوغان الذي يرى نفسه سلطاناً ، يزعم أن المنطقة كلها أمانةٌ موروثةٌ في عنقه ، فيخرج على الناس بوجهٍ ودودٍ و قلبٍ وديعٍ ، للمتاجرة بالقضية الفلسطينية ، و الاتجار بالمسألة الدينية بشقها السنيِّ الإخوانيِّ ، سعياً منه لإحياء العثمانية الزائلة .

حلمٌ لتحقيقه كان لا بد له من وأد الديموقراطية داخل بلاده ، بافتعال انقلابٍ فاشلٍ ، للانقضاض على مناوئيه ، و رفع الحصانة عن بعضهم لإيداعهم في السجون بلا محاكمةٍ ، و وضع الآخرين قيد الإقامة الجبرية ، و تنحية رهطٍ من كبار مساعديه ، و تسريح الكثير من كبار الضباط ، و طرد معظم الموظفين ، و ملء السجون من كل الأصناف ، و خنق الإعلام الحر ، لهيمنة فكره الإخوانيِّ على وسائل إعلامه . فجعل بلاده ممراً آمناً للإرهابيين إلى كل بقعةٍ يريد إيصالهم إليها .

صفقةٌ أمريكيةٌ تركيةٌ روسيةٌ منحت أردوغان دوراً رائداً للعب على الحدود السورية و التوغل فيها لمسافاتٍ طويلةٍ ، ثم احتلال حلب و إدلب و عفرين ، و مؤخراً كوباني و تل أبيض بذريعة محاربة الإرهاب و إبعاد الخطر من حدوده - مرتكباً أفظع الكوارث التي ترقى إلى جرائم حربٍ - مروجاً أنه يواجه محاولات أمريكا لتأسيس دولةٍ كرديةٍ - و بتحريضه من الروس - بهدف ضم المناطق الكردية إلى بلاده ، لإبقاء الكرد تحت أنظاره بعد العبث و التغيير الديموغرافيِّ لتلك المناطق و إفراغها من سكانها الأصليين .
لم يعد يخفي الخليفة المزعوم تطلعاته النفطية و الاقتصادية ، و الاستحواذ على البحر المتوسط و الدول العربية و المنطقة برمتها .
فبدأ بإرسال بوارجه الحربية و طائراته و مرتزقته إلى ليبيا ، و التوغل في أراضي إقليم كردستان ، و القصف الوحشي بالتوازي مع القصف الإيراني البغيض لقضم الموصل و كركوك و ضم كل إرث الإمبراطورية العثمانية .

عنجهيةٌ يمارسها أردوغان ضد الدول الغربية حتى بلغت ذروتها مع فرنسا مؤخراً ، و عنصرية يقوم بها إزاء الدول العربية ، و استخفافٌ بالعالم أجمع .
ناسياً أن اللعب مع الكبار له باهظ الثمن ، و في تحدي المجتمع الدوليِّ هلاكٌ محتمٌ ، ظناً منه ليس بمقدور أحدٍ كبح جماح أطماعه .
أو متناسياً أن السماح لأحدٍ بغزو البلدان و التغاضي عن جرائمه ، بمثابة فخٍ ينصب له للإيقاع به و جره إلى فناءٍ مؤكدٍ .