متحرك ساكن /مجتمع مداس

خالد الصلعي
2020 / 6 / 24

متحرك ساكن / مجتمع مداس
*************************
لا أدري لم تعد تستهويني الكتابات المسطحة ، الكتابات الوصفية ، تلك الكتابة الرتيبة التي تبدو كأرض منبسطة ورخوة . هل يعود ذلك الى طبيعة التفاعلات القرائية المتعددة والمتنوعة ؟ ام يعود الى تجربة عصيبة وشديدة التعقيد ؟ أم الى امتلاء الجانب الدماغي المسؤول عن القراءة البسيطة ؟ .
قد يكون كل هذا وذاك ، وقد يكون شيئا آخر لم تتبين ملامحه بعد . ما أنا متأكد منه ، ان الكتابة عالم شديد التعقيد وتجربة جد معقدة . حين قرأت ان أبا بكر بن العربي وهو امام مالكي نفسه اتلفت كتاباته وهو آخر كاتب تضمه معلوماتي الى الكتاب الذين تم حرق واتلاف كتبهم ،تساءلت لم تأخرت في نشر أعمالي -.....- سر ساكشف عنه قريبا - دفن الشيخ أبو بكر بن العربي بقرية قرب مدينة مكناس وهو العلامة الاشبيلي الذي اضطهده حكام وشيوخ عصره .سبينوزا لم يكن مسلما ، لكنه آمن بما كتب ،وثار على الوعي المسيحي في عصره ، فهرب الى هولندا فارا بجلده ، سقراط حوكم بسبب شيطانه الخاص الذي كان يعارض دين دولة أثينا . ولم يكن هذا الشيطان غير حدسه او رؤيته للحياة .
أكتب ثم أتنكر لم كتبت . لا ، الحياة تحتاج الى كتابة تواكب تطورها ، تعقيدها ، مخاطرها ، تحولاتها . كيف السبيل الى مواكبة حياة بهذه الطبيعة المعقدة ؟ شيئ صعب ومستحيل ، خاصة في كتاباتنا العربية التي لا تزال ترضع من ضرع الايديولوجية الميتة أو من حلمة السلطة المصنمة .
هل علينا أن نكرر وننسخ ونعيد ما قرأناه ؟ هل علينا أن نهرب من المواضيع التي تعنينا مباشرة وتعني مجتمعاتنا ارضاء لسلطة متعفنة ومتعطشة للتخلف والذل ؟ . لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا ؟ سؤال أصبح سقط متاع .الجواب صار واضحا ومفضوحا . غيرنا أراد وعزم ، هيأ وبدأ العمل .
ماذا عنا نحن هنا ؟ لا شيئ يمكن الحديث عنه بشفافية في ظل سلطة مستبدة غاشمة ، وبين كتاب متملقين تجاوزهم الزمن بعقود عديدة . وشعب شبه ميت ، بل يزداد مواتا ، فطوبى للأحياء . أين هم ؟ الآن يمكن ان نقول ان حركة "حياة السود مهمة " ، كائنات بشرية حية . استطاعت من داخل فم الامبرالية القاصمة أن تقتص لانسان بسيط وتهدم التماثيل وتحطم الأصنام ، وتعدل من مساطر واجراءات ادارية جد مركزة . هنا في المغرب وزير حقوق الانسان ذو خلفية اسلامية يغتصب حق خادمة في مكتبه بعدم تسجيلها في سجل الحماية الاجتماعية . ملك يعيث فسادا في ثروة الشعب دون استئذانه أو عقد جلسة برلمانية او تأشيرة من الحكومة . وزير يشغل آلاف العمال دون الضمانات الدنيا لحقوقهم البسيطة . هي امبرالية منعكسة ، صغيرة ، قد لا تصمد امام ما جمعه أصغر ملياردير أوليغارشي أمريكي ، لكنها تستعبد ملايين البشر دون أن يرف جفن أحدهم . ولكنهم يكتيبون !!!!!!
الوعي المداس ، هواللاوعي ، ما تراه ليس انعكاسا لوعي اجرائي عملي معاش ، ما تقرأه هو مجرد صدى لوعي كان في زمن غابر . هو تهريب الى ازمنة بائدة ، تضخيم الحنين فيك الى شيئ تعجز عن استظهاره وترجمته في أرض الواقع . حتى انهم حين خلقوا منظماتهم التمثيلية ، قاموا بتأسيسها على قياس سيناريوهات هوليوود ، فتناسلت المنظمات الارهابية ، من قاعدة الى داعش مع مسرحيات بئيسة بالنسبة للوعي العالي او الراقي ، لكنها شردت وقتلت الملايين من البؤساء . فكانت النتيجة تدمير تام -سوريا-اليمن- ليبيا- ، وترهيب مخيف ، باقي الدول العربية .
الانسان المغربي أصبح أكثر اذعانا للذل والهوان ، من العيش تحت وطأة التفجيرات والاعدامات الميدانية والادارية .
حتى المؤسسات الدستورية ، لم يعد لها من قيمة ، وحدها مؤسسة القصر من تحظى بتجسيد تام لمدونة الدستور .
ما الذي قرأته تلك الجمهرة الضخمة من خريجي الجامعات ومؤلفي كتب شهرزاد وشهريار ؟
من البلاهة ان نعتقد أن النظام قد يضع سياسات ثقافية واجتماعية ومالية ترقى بالانسان ، كما نتابع منذ مدة ، حتى الدول التي كنا نظنها ديمقراطية ، فرنسا الولايات المتحدة الأمريكية ، بريطانيا ، لا تمنح هذه الخاصية لشعوبها . لكنها بالرغم من ذلك حافظت على انسانية الانسان واستطاع أن يثور في وجهها . بل يمكن القول أن حركة او انتفاضة السود التي ساندها الكثير من البيض قد شملت كل الغرب الامبريالي ، لكنها لم تتجاوزه للأسف الينا . ربنا لأننا عبرنا تجربة الربيع العربي بما يكفي من الخيبات والفشل .
لم يمنع عنا النظام شروط رؤيته بعين مجردة ، لكن شروط تأسيس وعي سياسي محايث هي الغائبة . لماذا ؟ ، تكمن الاجابة في تاريخ العنف الناعم ، وفترات العنف المباشر . النظام المغربي ينتقي الضحايا بعناية فائقة ، وأحيانا بشكل غبي وأرعن . تنهض أصوات خافتة للتنديد ، تزاحمها الأصوات المندسة فتطمس رسالتها . يتكرر اسيناريو اكثر من مرة . ويصبح مجرد عبث لا طائل منه . لكن الضحايا يسقطون في كل حين ، تماما كما يحدث لفلسطين التي لم يبق منها الا شبر واحد من أراضي أهلها .
لم يبق لدينا الا رقم ضئيل من المناضلين الذين قد يهبون انفسهم للحظة شفافة واحدة .وداعا أيتها الحياة . انتهت رحلتي هنا يقول أحدهم . يترجل عن صهوة جواد قناعته ومبادئه ويرحل .
التفقير عنصر من عناصر السيادة والتسيد ، كيف لحزب مارس سياسة التفقير والتجويع ان يظل متماسكا في مجتمع يدعي بعض نخبه وعيا متأصلا وشديد التألق والبذخ ؟ .كيف لملكية لا ترى أبعد من أرنبة انفها أن تحوز كل هذه القوة ؟ . حين تقرأ مثل هذه العبارات " نحن في عصر انفجار المعلومة " "نحن في عصر انتصار العقل الاصطناعي " "نحن في الحقبة الخامسة لحقوق الانسان " . ثم تعود لتباشر مهمتك في متابعة ومراقبة واقع الحال . نحن في عصر محاكم التفتيش ، عصر اسبارطة العبودي .
نحن لا نزال نعيش عصر اعلام النظام ، برغم كل تلك القنوات التي يمكن أن تمنحك فسحة في المعلومة ، لكن النظام المغربي في سياسته الاعلامية بقي هو هو ، برغم قانون اعلامي تم ترسيمه قبل سنتين فقط 2018 . كان من المفروض ان يكون قانونا أكثر انفتاحا وأقل تضييقا . لكنه طيق أمنية دونالد ترامب حين قال لمسشتاره في الأمن القومي الذي فضحه " هؤلاء الاعلاميون يجب قتلهم " . نعم لقد قتلوهم هنا منذ زمن بعيد بسن قانون تتحكم عبره الشرطة القضائية في الصحافي كأي مجرم أو ارهابي ، لافرق بين الصحفي في المغرب وبين الارهابي .
ومن يحتكر الاعلام سيحتكر أساسا مختلف الشركات والمؤسسات الانتاجية ، ليعم الفساد . الاعلام الوحيد لا يرى الا بعين واحدة ولا يعتقد الا في حقيقة واحدة ، لامجال للبحث عن الوجه الآخر للحقيقة ، والا كيف ستناقش موضوعا تمت مناقشته ، وصار عبارة عن قصة جاهزة للتصريف والتسويق . اما المجتمع الذي تعيشه يمنع عليك الحديث عنه .
كيف اذن سنفهم أن أبا يعفو ويسامح بيدوفيليا اغتصب ابنته او ابنه ؟ او رجلا يضلل الرأي العام عن حقيقة ما حدث لابنته التي حرمت ربع قرن من الحماية الاجتماعية في مكتب وزير ؟ . أو موظف تم طرده من وظيفته لمزاج غير معتدل عند أحد رجال السلطة ؟ . لأن المجتمع تم انتاجه مسبقا ، وما تراه ليس مجتمعا او بشرا . لا تتحدث عن الدين والأخلاق . يمكن أن تعود للكتب أو تحاضر فيها . لكن دون ربطها بالواقع .
حين نتعامل مع منتوج فاننا نتعامل مع شيئ معطى ، ميت ، قد يكون منتهي الصلاحية حتى . نحن بازاء مجتمع مخترع ، وأي حيدث عنه يجب أن ينطلق من المادة المخترعة ، وليس المتحركة . معادلة جد صعبة ، متحرك ساكن .