اتصالية التتام والتكامل (لماذا تكرهين ريمارك؟) للروائي محمد علوان جبر

مقداد مسعود
2020 / 6 / 23

اتصالية التتام والتكامل
(لماذا تكرهين ريمارك ؟) للروائي محمد علوان جبر

يا محمد علوان
نمْ بسلام
على غيمة ٍ
مِن هديل الحمام.
مقداد مسعود

9/5/ 2017 قاعة الشهيد هندال، مقر الحزب الشيوعي في البصرة :ملتقى جيكور الثقافي،يقيم أمسية ً للقاص والروائي محمد علوان جبر، حول روايته (أرنجا) كانت الأمسية من تقديم القاص حسن الضفيري، تحدث الروائي محمد علوان جبر عن تجربته الروائية، ثم تحدث القاص الكبير محمد خضير،عن مساهمة محمد علوان في القصة القصيرة والرواية، و تحدث القاص والروائي جابر خليفة، عن شخوص رواية (أرنجا) ، كما تحدث عن الرواية الشاعر عبد السادة البصري.كانت ورقتي النقدية (أنادي هوبي عبد الرزاق وأعني حسن كنهير).. في 9/12/ 2018 يهديني نسخة ً،كتبَ محمد علوان جبر على الصفحة الأولى من روايته (لماذا تكرهين ريمارك) بالقلم السوفت الأزرق
: صديق المسرات والاوجاع مبدعاً شاعراً مقداد مسعود
انها المحبة على هيئة ريمارك ..
البصرة
(*)
منذ أيام وأنا الملم ُ، ما خطهُ قلمي الرصاص على حافات صفحات (لماذا تكرهين ريمارك) فرأيتُ محمد علوان جبر، في معرض للكتب، ضمن مهرجان المربد الشعري 1994، تعارفنا واشترينا كتباً، ولم نحضر الجلسة النقدية أو الشعرية، تركتُ كتبي التي اشتريتها في عهدة مجيد الموسوي ومحمود عبد الوهاب، وغادرنا محمد علوان وأنا فندق المنصور ميليا، وتنزهنا بأقدام نشيطة،في بغداد هادئة، تعوم في دجلة الخير، شعرنا محمد وأنا : أن صداقتنا قبل 1994 فالكلام عن الكتب
، وضحايا مسغبة الحصار، والشخصيات الفاعلة في ثقافتنا العراقية وتقارب الفكر الحذر في كلانا، سيدفع صداقتنا نحو سعة المحبة.. قبل أيام أخبرني عبر الواتساب صديقي الحميم القاص والروائي محمد عبد حسن : ......................................................................................
حل بيننا صمتٌ متربٌ مظلمٌ أحدب كصخر جهم، في مزرعة ترابها محدودب، تتناسل حدبات بدأب قاس ..تلك الليلة تنزهت عيناي في الذكر الحكيم ثم اغمضتُ عينيّ على اسم محمد جبر علوان، عفواً محمد علوان جبر... في الفجر الجديد : صرتُ أصغي لأصوات محمد علوان جبر، وأرى بسماته، رأيتهُ في برهان نوري عبد العزيز وفي أكرم عبد الرحمن وتعاطفتُ مع أختنا جميعا ثريا، وتأملت هالة وخالدية وسميرة اليعقوبي... ثم رأيتني في غرفة واسعة جدرانها بصلية اللون وضوءها خافت الخضرة: منضدة مدورة تجمعنا محمد علوان وأنا وبينا محبرة زرقاء وأوراق لها صفرة زهرة الصفاف، وموبايل يبث صوت زهور حسين...
(*)
تتشكل (لماذا تكرهين ريمارك)، من المكونات النصية التالية :
(1) النص الحاضن للفضاء الروائي
(2) النص الثاني المتفرع من الأول ويختلف إجناسيا هو سيناريو( المرأة والعكاز)
(3) النص الثالث الذي يتم انجازه داخل النص الأول، ويتجاور مع النص الثاني إجناسيا، هو سيناريو(القطاف المر) تأليف : سميرة اليعقوبي وأكرم عبد الرحمن
(*)
محرّك الرواية : تعديد الساردين : السارد النسبي / برهان/ أكرم/ سميرة اليعقوبي
(*)
نساء برهان نوري عبد العزيز
: ثريا – خالدية –هالة - سميرة
(*)
التتام والتكامل يوحدهما: برهان نوري/ أكرم عبد الرحمن
الأثنان اقتسما طفولة ً واحدة رغم التمايز الطبقي بينهما
وكلاهما يسرد بالفرشاة ثم تميّز أكرم بسرد السيناريو
التتام والتكامل بين : ثريا / برهان / أكرم
(*)
ثريا شقيقة برهان، أكبر منهما سنا، توصلهما كل يوم للمدرسة وكل يوم تعيدهما من المدرسة إلى البيت، وغالبا ما يكون غداء أكرم معهما، وتتجذر هذه الآصرة الدفيئة في مستقبل الثلاثة (اللوحات، وأنت، وثريا، كل ما تبقى لي/ 13) هكذا يخاطب برهان صديقه الحميم أكرم.
(*)
هناك التتام والتكامل النصي ، فالمؤلف يحيلنا إلى نصين من جنس السيناريو (الرجل والعكاز) للمؤلف محمد علوان جبر، وسيناريو ثان ( القطاف المر)
(*)
زمن الرواية ما قبل وما بعد 2003
(*)
أفضّل التفريق بين السارد المطلق والسارد النسبي، السارد الأول هو ما تعارفنا عليه بالسارد العليم، الذي بيده طرف الخيط في تحريك الشخصيات كلها، وحريتهم اليتيمة : المحاورات فيما بينهم.. كما هو الحال في(تبليط البحر) رواية رشيد الضعيف، فأن هذا السارد يصادر حريات وعقول الشخوص، وينوب عن الجميع، إلاّ في ذلك الحيز الضئيل الذي تُكلمنا فيه أحدى الشخصيات قبل نهاية الرواية، هكذا رواية لولا مهارة الروائي رشيد الضعيف وخبراته الروائية، لقطع القارىء نزهته الروائية.
(*)
القول بالسارد النسبي يعني أن حصة هذا السارد غير المشارك بصناعة الأحداث، قد تكون بعض فصول الرواية، ثم ينسحب لتظهر سرود الشخوص المشاركين بصناعة أحداث الرواية
(*)
العنونة بصيغة سؤال مسدد نحو إمرأة (لماذا تكرهين ريمارك؟) لا يخلو السؤال من استغراب، لأن ريماك من أعظم الروائيين في العالم، روايته الأولى (كل شيء هادىء في الميدان) التي رفضها الناشرون، بيعت منها بعد ذلك أكثر من خمسين مليون نسخة، والآن من خلال نزهات في المكتبات الالكترونية لمستُ توجها عظيما من قبل القارئات والقرّاء..
شخصيا أشتاق رواياته أشتياقي لصديق حميم، فهو كتبَ روايته عني أنا مقداد مسعود وعن جيلي الذي تجلبب بالخاكي أكثر من عشرة سنوات تشظت فيها أحلامنا وأجسادنا، جيل عاقبه النظام حين نبذه في خطوط التماس،أو خلف القضبان.وحين طالبَ بثمن الرصاصات من البيوت التي صادر أثاثها ثم اكتسحها بالشفلات .
(*)
نلتقط حين نتوغل في فضاء الرواية: مفتاح العنونة: لوحة رسمها برهان وأهداها إلى حبيبته هالة /ص129.. المكروه هنا ليس ريمارك فهو (أفضل من كتب عن الحب وسط الحرب التي شكلت ثيمات رواياته 70).. المكروهة هي الحرب بجرائمها .
(*)
يستأنف السرد طوافه حول ثريا الرواية في الصفحات الأخيرة لتكتمل الدائرة لدى برهان وهالة عبد المحسن(ها نحن الآن أمام اللوحة: لوحتها،، لماذا تكرهين ريمارك؟،، ذلك الاسم المستفهم، الذي يشكل في الأيام الأولى لتواصلنا معا في المرسم، حينما حدثتني يوما عن،، ريمارك،، بكراهية تتساقط ككرات من ضوء حولها، وهي تواصل حديثها عن كرهها للحرب،فأنبثق اسم اللوحة التي تحيلني إلى صور وكوابيس الأيام التي كنت محاصرا بها،الأساليب البوليسية اليومية التي تواصلت حتى بعد أن تركت العمل في المخازن،.أكرم وضع اللوحة في إطار عملاق أضاف إليها جمالا مهذبا تساهم بتعاظمه كمية الضوء المتساقطة عليه من أعلى وأمام اللوحة بزوايا حسبها أكرم كفنان ديكور محترف،فبدت هالة بمظهر يشبه إلهة وصلت توا من الفردوس 174) هنا يتمازج السردان : سرد الرواية وسرد الفرشاة فالفرشاة تسرد الرواية بمشيئة الضوء والظل وتوزيع الألوان، وسردها في حيز جمالي يتخاصب بالتأويل، حيز مطوق بإطار،وهذا الإطار رفضه الفنان التشكيلي اللبناني سعيد.أ. عقل وجعلُ لوحاته بلا إطر كواقعية بلا ضفاف.
(*)
من جانب آخر يعيدني عنوان (لماذا تكرهين ريمارك؟) إلى رواية صغيرة أنيقة (هل تحبين برامز؟) للروائية فرانسوا ساغان.
(*)
الفصل الأول(ص7- 14) هو من أجمل فصول الرواية، بل هو أجملها، فصل ُ يمتلك استقلالية سردية ويمنحنا حرية قراءتها بإجناسية قصة قصيرة متماسكة دفيئة، تجسد شخصية إمرأة عراقية :ننحني لها حين تمر أمامنا، مثال أعلى بمنزلة ظاهرة عراقية : وحيدة وليس وحدها في البيت : معها روائح تنتشر في كل زاوية من زواياه، تضع رأسها على الكتل الصماء للجدران المشبعة بهذه الروائح، بيتها بستان حكايات الغائبين/ الحاضرين، ثريا ترى رائحة أمها، رائحة سكائر والدها، تجسده أمام ذاكرتها، هو جالس بمواجهة الغرفتين والباب ا تساقط طلاءه، كما تساقطت الأيام والأحلام، وشجرة الرمان في الحوش، ثمة زاوية في أحدى الغرفتين تستضيء برائحة أختها الصغرى المتزوجة في محافظة أخرى، آخر كلماتها : ثريا أخاف عليك وأنت وحيدة!! هل خوفها فعل استباقي لرحيلها هي الأخت الصغرى!! لن يسقط سقف بيتك يا ثريا العراقيين لن (يسقط السقف الذي عاشت تحته عائلة نوري عبد العزيز) مازالت روائحهم ضوء البيت وسقفه المتين.
(*)
نقديا نحن هنا أمام سارد نسبي، يجمع بين حكيين :
*حكي الأحداث : فهو يحكي لنا وجيز سيرة عائلة نوري عبد العزيز، من خلال تبئير الزمن النفسي المتدفق من ذاكرة ثريا، وهذا يعني أننا إزاء محكي مبأر داخليا يعتمد على أثنية تضاد بين موقف ثريا الحميمي مع بيت العائلة وكلام الآخرين (أيتها المجنونة، كيف تعيشين في هذا البيت المتآكل ؟ /10) إذن ثريا ثابتة في زمن آفل، بل مقرفصة فيه قرفصة الجنين في الرحِم، هل هذا هو النكوص، أم قسوة الزمن، المدعومة بقوة عنف الحكومة : شقيقها تسلل خارج الوطن، لينقذ نفسه من طامورات السلطة
* حكي الأقوال : نقتطف محاورة بين أم سمير وثريا(مرات عديدة تصاب بالخيبة، حينما تطلب من أم سمير أن تزورها ،لتناول الشاي معها، فتعتذر منها بصوت خافت : أخاف ،،خيّة،،!!
تضحك : مم تخافين ؟
قد يسقط السقف على رأسي..
فتطمئنها بسرعة موشكة على البكاء: هل من المعقول أن يسقط السقف الذي عاشت تحته عائلة نوري عبد العزيز؟ يا أم سمير أيتها المعتوهة11)
(*)
الفصل الثاني : يتم حراكه بالتتام والتكامل السردي بين السارد النسبي والمسرود في دفتر برهان .. يبدأ الفصل بحيلة تقنية رثة لا تمل السينما المصرية من استعمالها لليوم، أعني سرد الجريدة، عن جريمة، أو حفلة زواج مباغت،أو فضيحة، في السطر الأول من الفصل الثاني : (منذ تلك اللحظة التي وقعت عيناه على الصورة في الجريدة، شعر بأن أمراً كبيراً سيحدث، لم يستطع أن يعرف ماهو،لكنه متأكد من حدوثه بشكل من الأشكال! فهذه الصورة التي في الجريدة ! لها ملامح قالت ما كان مخبوءاً في طيات قلبه 15) نحن هنا لا نقرأ سرد الجريدة، لكن السارد النسبي يخبرنا عن مؤثرية الصورة على الشخص الرائي، الذي لم يذكره اسمه، السارد النسبي.. ثم يخبرنا السارد عن هذا الشخص
(توجسه من غموض العلامات كان يزداد دون أن يعرف له مبرر) ثم يخبرنا السارد ، عن سرد ينتج هذا الشخص، (في دفتر يومياته ذي الغلاف الأحمر السميك) وسنعرف أن هذا السرد، هو بالأساس تدوير سرديات القنوات الفضائية
(ملخصات بوبها تحت عنوان،، بغداد بعد الطوفان،، إنجازات استقاها من القنوات الفضائية التي تناولت حوادث مدينته..) ثم يحدث تدوير سردي آخر
فحين يخبرنا السارد النسبي عن ( منظر حمامة بيضاء وجدها ميتة في الشرفة الصغيرة.16) ويسهب السارد النسبي على سعة صفحة ونصف الصفحة عن مؤثرية موت الحمامة على برهان، ثم يخبرنا السارد النسبي
(قد دخلت مدونة ً في دفتر يومياته الأحمر..) هنا ينسحب السارد النسبي
وندخل كقراء إلى ما يسرده الدفتر الأحمر لبرهان (حين فتحت باب شرفة شقتي، هذا الصباح،رأيت حمامة ذات بياض،ناصع 17) ويستمر سرد الدفتر ولم يتوقف إلاّ في الثلث الثالث من ص18 وبتوقيت عودة السارد النسبي وفي ص19 يعيدنا السارد إلى السطر الأول من القسم الثاني من الرواية وبرهان يتذكر(يتذكر صورتها التي رآها في جريدة المستقبل، ثمة خبر فوقها،، إفتتاح مكتب لوزارة التجارة العراقية في بيروت،، / 19) ويعيدنا السارد النسبي إلى سنوات الهجمة الشرسة في 1979 على الحركة الوطنية العراقية،وإلى ذلك المخزن المنزوي في محطة الشالجية، وإلى صاحبة الصورة زميلته هالة
(*)

نهاية الفصل الثاني،برهان: غائب عن سميرة اليعقوبي التي يجالسها، وحاضرة زميلته هالة عبد المحسن ،في زمنه الجواني، في الفصل الثالث، يتذكر هالة متسائلا (كم مضى من الوقت مذ افترقنا؟ /23) وفي الوقت نفسه يخبرنا السارد النوعي عن برهان(أحس بشوق إلى سميرة.. ) سميرة التي تنتمي للنباتات المائية الطالعة بين صخور البحر وسميرة مشاكسة حين تسكرها أقداح البيرة، تردد ألهو أحيانا مع الذئاب..عاشت حياة صعبة في معسكرات المقاومة، حاملة كاميرتها توّثق للعالم ما جرى في الضفة وغزة، ربما بهذه الطريقة الثورية تثأر لزوجها الذي اغتاله الموساد، وهي لا تكف عن حلم كاميرتها (إريد إكمال فيلم وثائقي طويل / 24)
(*)
صورة هالة في صحيفة بيروت تتسبب في تشظية أزمنة برهان :
(1) زمن معاقبة برهان لأسباب يسارية ونقله من وزارة الثقافة إلى منفى مخازن المبيعات غربي بغداد
(2) زمن الجواز المزوّر .. دبرّه له صديقه أكرم
(3) زمن (الثواني التي وضعتُ خلالها الجواز المزوّر أمام الضابط
(4) العودة إلى الآن في بيروت (إذا تسنى لي أن أهدأ قليلا/ 27)
(5) العودة إلى لحظة رسمه لوجه هالة وهما موظفان في مخازن المبيعات
(6) العودة إلى لحظة ما بعد رسم برهان لصورة وتحاورهما : برهان وأكرم حول رسمة برهان لوجه هالة.
(*)
في هذه التشظيات تتجسد مهارات محمد علوان جبر، في التكثيف الزمني وسرعة التنقلات، بِلا أي إسرافٍ سردي، خصوصا وأن هذه الأزمنة تمتلك غواياتها على السارد النسبي . وهذه الأزمنة بمنزلة مثابة لتوسيع وتداخل دوائر السرد وتشابكها وتقاطعها وتوازيها
------------------------------------------------------------------
*محمد علوان جبر/ لماذا تكرهين ريمارك ؟/ دار بابل – دار الحكمة لندن / ط1/ 2018