-النفق-

سوزان العبود
2020 / 6 / 21

ركب مترو الأنفاق خط U7 ، كانت وجهته محطة "الهيرمان بلاتس" المزدحمة التي يقصدها غالبية القاطنين العرب لشراء حاجياتهم والمواد الخاصة بالطبخ العربي .
جلس في أقرب كرسي وقعت عليه عيناه وظهره بعكس اتجاه سير القطار ، قبالته جلس شخص في الأربعينيات من العمر  أسمر البشرة ، حدق كل منهما في الآخر  للحظات حتى قاطع نظراتهما رنين هاتفه المحمول .
أجاب بكلمات مختصرة ثم أغلق الخط.
عندها باغته الشخص المقابل بسـؤال :
- سوري الأخ ما هيك.
- اي والله سوري.
- أهلا وسهلاً بك  تشرفنا بحضرتك، أنا اسمي أبو محمد
  أجابه بابتسامة ودودة  :
- أهلا أبو محمد أنا أيضاً أبو محمد لكني غير متزوج، عاسم الوالد ينادونني أبو محمد .
- أهلا والنعم والله.
- من وين من سوريا.
- والله من حمص.
- والله ! أهلا وسهلا والله أنا كمان من حمص واليوم الأربعاء يا محاسن الصدف، كيف هالاربعاء  معك؟ ما في شي نكته جديدة؟
فقَصَ عليه نكته عن أهل حمص أضحكتهما حتى اغرورقت عيناهما بالدمع، تابع الشاب الأسمر طارحاً أسئلته:
- من حمص نفسها ولا من ريف حمص.
- لا من حمص نفسها.
- من حمص الغربية ولا الشرقية.
- من حمص الشرقية.
- وين بالشرقية.
- قريب من كنيسة العدوية.
- من وين يعني .. أي حارة..
- النزهة .. النزهة..
أطبقت لحظات من الصمت قبل أن يسأله نفس السؤال :
-  وأنت من أي منطقة من حمص؟
- أجابه متحاشياً النظر مباشرة لعينيه ..
- من بابا عمر..
مدركين للشرخ العميق بينهما واختلاف طائفتيهما وانتمائهما السياسي أدار كل منهما رأسه للشباك المجاور صامتاً شارداً في عتمة النفق.

________________________________

*الأربعاء بالنسبة لأهالي مدينة حمص السورية هو أسعد أيام الأسبوع منذ القدم، وهو عيد أسبوعي ويدعى أيضاً بعيد المجانين، وهي شائعة ملتصقة بأهلِ  حمص منذ زمن بعيد وصلت إلى العالم كله، أن يوم الأربعاء مرتبط بالفكاهة عند الحماصنة فيتبادلون فيه النكات والقصص المضحكة.
*عادة أحدثتها الحرب بأنه يمكن تمييز طائفة الشخص وانتمائه السياسي حسب منطقة سكنه.