واصلوا لقاءاتكم بعجالةٍ ، و لو كرهت الأبواق المستأجرة .

يوسف حمك
2020 / 6 / 18

بلع الشعب ريقه ، بعد توترٍ عميقٍ ، و الجماهير تنفست الصعداء بعد استفحال القلاقل ، و استراحت الأنفس بعد تلاطم أمواج المحن ، و عادت الطمانينة للقلوب الجريحة رداً على الأبواق المستأجرة .

منذ عقودٍ و كنت أردد : توحدوا حتى و إن كان على الخطأ .
وذلك لما للوحدة فوائدٌ جمةٌ ، و دغدغةٌ على الأحاسيس الوطنية النبيلة . و لو أن الإجماع على الخطأ محالٌ .
فقوة الشعوب تكمن في تماسكها ، و تتموضع في ترابط أنسجتها . الوحدة الوطنية قبل كل شيءٍ ضرورةٌ حضاريةٌ إزاء المعضلات و المآزق ، و هي إحساسٌ بالانتماء للوطن و الولاء للشعب والحماهير الغفيرة ، كما نبذٌ لكل مسميات التفتت و التفكك ، و إيقاظ ما يغذي التعاضد و ترسيخ مبادئ الوفاق و التضامن .

بالحوار تتجلى التباينات و المفارقات ، و بالنقاش يتوضح الانسجام و التوافق ، أما التفاهم فمفتاحٌ سهلٌ لفتح أبواب أنماط الاحتواء ، للوصول إلى فضاءٍ أرحب للوحدة ، على قاعدة الربط المحكم و الانسجام المتكامل في السياق العام ، و إعادة الهيبة المفقودة ، و إثبات المصداقية للقريب و البعيد معاً .

جولةٌ من المفاوضات تخطت المعوقات ، و نجحت بعد انقسامٍ حادٍ ، لم تفلح العديد من الوساطات في التغلب عليه سابقاً ، رغم وجود عقباتٍ كثيرةٍ مازالت تعترض الجولة الثانية - و لو أن الفضل يعود لغيركم - .

قد تكون المصالحة مطلبٌ مهمٌ ، لكنها ليست الهدف النهائيَّ ، مالم يتم الاتفاق على الثوابت الوطنية ، و إعطاء الأولوية للقواسم المشتركة على ضوء تحديد الرؤية الاستراتيجية للأهداف الثابتة ، مع تعزيزها بالخطط التكتيكية ، و كسب التأييد على المستوى الدوليِّ ، و ربما نغالي إن ذهبنا إلى القول : على أن يكون الشعب هو الملهم الوحيد لتلك الوحدة المنشودة .
فالتلاحم بين الشعب و القوى السياسية ذو شأنٌ عظيمٌ .

للسياسة طبع العقرب ، تغدر حين اللزوم ، و تخون متى اقتضت الضرورة . لا إخلاص في الصداقة ، ولا حرص على المبادئ ، ولا صون للعهود و المواثيق .
المكيدة سجيةٌ جبلت عليها ، و الخدعة نهجها الثابت ، أما الانقلاب المفاجئ فخلقٌ مفضلٌ لديها .
لدغة أمريكا في كركوك مازال مفعول سمها سارياً ، و لسعة الروس في عفرين جرحها ملتهبٌ لم يندمل بعد .
و ناهيك عن صولات تركيا و أزلامها ، كما جولات إيران و أذرعها في القتل و التهجير المتعمد للقضم و التغيير الديموغرافيِّ في الكثير من المناطق الكردية و غير الكردية لم تهدأ بعد ، و لم تضع أوزارها .

لكن الغريق قد يتمسك بقشةٍ ، مع معرفته الأكيدة أنها لم تنقذ يوماً غريقاً قط .
فالملائكة إذا امتنعت عن تقديم الدعم لأحدهم ، و تنكرت لحقوقه ، وجب عليه مد يد العون إلى كل أبالسة الكون ، و طلب العون من عفاريت الجن الأزرق . طلبٌ مباحٌ له ، كحليب أمه عليه حلالٌ .

مثلما الهرولة من أجل الوطن و المواطن فيها نقاءٌ و عفةٌ و نزاهةٌ ، كذلك الصراع على النفوذ و المنافع الذاتية و الحصص و المصالح الفئوية الضيقة حرامٌ و انتهاكٌ لحرمة الوطن و خيانةٌ بحق المواطن .

توحدوا على الأصول و العموميات - و إن اختلفتم على الفروع و الجزئيات - ولا تدعوا الحاقدين ينالون منكم ، فهمهم الوحيد هو إفشالكم و النيل من إرادتكم ، و بقاؤكم في حالة استرخاءٍ و تشرذمٍ ، و تآكل روح المقاومة لديكم .
فشلكم في الجولة القادمة جريمةٌ لا تغتفر ، و استوجبت عليكم اللعنة للأبد .