في عيد الصحافة العراقية انتصارات وعثرات وإصرار على المتابعة

تيسير عبدالجبار الآلوسي
2020 / 6 / 15

اختيار تاريخ صدور أقدم جريدة عراقية في العصر الحديث بالإشارة إلى جريدة الزوراء في الخامس عشر من يونيو حزيران عام 1869 أمر جد مسوّغ وسليم الأسس. تلك الجريدة التي صدرت لما يقارب نصف القرن (48 سنة) وتعاور على رئاستها الكاتب أحمد مدحت أفندي وعزت الفاروقي وأحمد البغدادي وطه الشواف والآلوسي والشاوي ثم جميل صدقي الزهاوي، كان إشارة جدية لمعنى صحافة واشتغالها وعلاقتها بالمثقف العراقي وجمهوره...
لكن ذلك لم يكن أمراً ميسوراً في العمل فحيثما وُلِدت الصحف العلنية كانت تجابه ظروفها القاسية المادية منها والمنهجية إذ خضعت باستمرار لتوجهات (رسمية) ومزاج السلطة التي كانت تتحكم بمسارات الحدث وحرية التعبير وسلامة الوصول إلى الجمهور، فكان أيضاً أن صدرت الصحف السرية التي عبرت عن إرادة التحرر الوطني والتطلع إلى الديموقراطية...
لقد تحول الاحتفال بالصحافة إلى عيد وطني لكن في الوقت ذاته كانت السلطات تعلن حربها المعلنة والخفية ضد الحريات ولطالما أُغلِقت صحف وصودرت واُعتُقِل العاملون فيها وخضعوا للتعذيب والتنكيل! دع عنك ما حدث من تحولات لاحقة!!
فمنذ 2003 حتى يومنا اُدخِل العراق في قائمة البلدان الأكثر خطراً على العاملين في ميادين الصحافة والإعلام وباتت ظاهرة الاغتيالات والاختطاف والتعذيب السادي سادرة في غيّها وحداً مفضوحا لا المجرم يداري جرائمه ولا الصحفي البريء بمستيع ردّ أهوال ما يجابهه بظل الانفلات الأمني وسطوة بلطجية الميليشيات الدمويين وفاشيتهم الدموية..
إننا إذ نحتفل بعيد الصحافة العراقية ونهنئ العاملات والعاملين فيها ينبغي ألا نغض الطرف عما يعانون من: حجب المعلومات وإقفال صناديق العتمة عليها حيث يتسترون على الفساد وجرائمه وعلى ما يسمونه أمناً وطنياً يوم يجاملون بل يخضعون للميليشيات وزعامات المافيا القتلة الدمويين اي يوم يحفظون الجرائم المفتضحة المشهودة ضد مجهول والجميع يعرف ويدرك أن تلك القوى المسلحة التي وضعت وجودها فوق القانون والدولة هي التي ترتكب الجرائم!
وعلينا ألا نغض الطرف عن أمر غير حجب المعلومة ووضعها في صناديق السرية وادعاء حماية الأمن القومي الوطني وهي تحمي الانفلات والجريمة، علينا أن نذكر أن مهنة الصحافة هي مهنة المتاعب ولكن، أسمعت لو ناديت حياً إذ لا حقوق ولا احترام ولا مكان ومكانة إلا من بوابة إعلاء الطبالين والدخلاء حتى أن الواجهات الإعلامية والصحفية المدفوعة من عرق المواطن وجهده تغرد ضده وتوضع بخدمة سلطة جيرت كل شيء..
إننا اليوم بأزمات تتفاقم سواء منها تلك الناجمة عن تطورات الأوضاع عالمياً وإقليميا ومحليا أم تلك الناجمة عن شذوذ مرضي في الوضع المحلي العام..
إن الصحفي المضحي بكل ما يملك ليقبض على جمر عمله ومبادئ سلوكه ونهجه يلقى الأمرّين ممن يسطو على المشهد والأصعب أن يعزف الجمهور عن الصحف والصحفي عندما يقدم القضية بجوهرها وصواب ما تعبر الحقيقة عنه.. هذا حصار آخر أن نفقد ميلا نحو القراءة اليومية التي تعبر عن هوية الإنسان المعاصر ..
إننا لا نقبل أن يكون المواطن محروماً من المدرسة والتعليم ومن كثير من الحقوق وأيضا يساهم بعضهم بحرمان وجودهم من الاطلاع على معالجات الصحف وجهودها البهية التي لا تأتي إلا بالتعرض لمزيد تهديد واشكال معاناة.. أفلا يستحق ذاك الصحفي تفاعلا من القارئ!؟
إن القضية ليست أن نهنئ لمجرد التهنئة فالأعياد لا تكون أعياداً من دون حضور كل مفردات المنجز والمسيرة واستعراض المعاناة والتجاريب كافة بقصد تمكين الصحفي من المتابعة بالاستناد إلى وعي وطني شامل بأهمية هذا الدور وضرورته...
تحية إلى كل أولئك الذين شادوا كيانات صحافتنا بتنوعاتها واختلافها وتحية لكل تضحية في طريق الانعتاق وإعلاء منطق حرية التعبير ووصول المعلومة إلى المواطن وتحايا للسلطة الرابعة تمتلك استقلاليتها في العطاء وفي الضغط باتجاه الاستجابة للمواطن والتعبير عنه وعن همومه وتطلعاته..
وهذا العيد الذي نستذكر فيه شهيدات وشهداء الكلمة، هذا العيد الذي نستذكر فيه التضحيات والمتاعب والتحديات هو المنصة نحو استعادة مكان الصحافة ومكانتها والتصدي للتحديات والمسؤوليات بصورة تجتذبنا إلى حيث الموقف منا جميعا
لن ينسى المواطن العراقي مسؤوليته في التزام السلطة الرابعة حرة مستقلة مهنية في عملها وفي التصدي لكل ما باتت تتعرض له من انتهاكات فوجود صحيفة حرة مستقلة في تعبيرها وفي وصولها إلى المعلومة هي غشكالية دستورية تشكل مفردة جوهرية من تفاصيل العيش اليومي للمواطن..
بخلافه ستكون التهاني والاحتفالات جزءا من أضاليل وأباطيل بلا منتهى، ستكون مجرد دوامات للدجل والضحك على الذقون وإظهار أصوات الباطل وبطالي السلاطين على حساب الحقيقة..
إن عالمنا يحيا كارتلات رهيبة لإعلام موجه بالمال السياسي وبطانات القوى المسيطرة على الأوضاع لكن شعوبنا قادرة على تبني حركة صحفية سليمة تتابع كل شاردة وواردة من الحقوق وتفاصيلها ومن تسهيل العمل ووضعها حيث موضعها سلطة رابعة توازي السلطات الأخرى بنجاعة وتأثير...
كل منا مطلوب منه أن تكون له خيارات القراءة اليومية في الصحف الورقية والألكترونية وكل منا مطالب بمساندة العاملات والعاملين وحقوق متاسوية في موارد تعزز وجود الصحيفة وليس في تمييز بتوريد الإعلان ومصادر مالية وغير مالية وليس بوصول المعلومة هنا وحجبها هناك أو حجبها كليا بأي ادعاء...
ليكن لنا من عقول الصحفيات والصحفيين كبار عمل وإنجاز يمكنهم أن يقدموا تراكم الخبرة المهنية بمنجز كلي شامل الرؤية وليس صائغ خبر على مرام فاسد يطبل له!
إننا بمجابهة حقة بين أن يولد مجتمعنا المدني بتركيبة صحية مسؤولة وبين أن نهمل سلطة بأكملها ونتركها تجابه مصيرها تحت أسياف الإرهاب وانفلاته بذريعة حفظ الجرائم المرتكبة ضد مجهول..
إن شعبنا يطالب بفتح ملفات مئات الصحفيات والصحفيين الشهداء المضحين وإعلانها اليوم قبل الغد بوصفها قضية ذات أولوية لا يمكن الركون للطمطمة عليها وما جرى التلاعب به...

عاش عيد الصحفيات والصحفيين عيدا لصحافة الوطن والناس بوصفه عيدا لسلطة تأسيسية في أي نظام ديموقراطي حر يتجه لتنضيج الأداء والتقدم به وسيحيا حتما بفضل التضحيات الجسام على الرغم من كل التلاعبات المرضية البائسة...
عيدكم الأبهى أيتها الصحفيات الحقيقيات عيدكم الأبهى ايها الصحفيون الحقيقيون