محنة العقل في ظل الأيديولوجيات .

يوسف حمك
2020 / 6 / 15

رغم تأكيدي لأحد الذين مازال يتبنى نهج إحدى الأيديولوجيات ، و يسترشد بأفكارها في كل صغيرةٍ و كبيرةٍ متباهياً و منبهراً بصحة مبادئها : " على خروجي التام من عباءة الأيديولوجيات التي تكبل الفكر ، و تمنع الفكر من الاستنارة و التوقد ، فتحجب الرؤية الصائبة السليمة "
فقد نصحني باليقظة و الحذر ، لئلا يغرني بريق أيديولوجيةٍ أخرى ، فاستسلم و امتثل لمبادئها ، أو أقبل وصاية غيري على فكري الحر المتمرد الرافض للفكر السائد منذ نضوجي الفكري قبل عقدين . و كل ذلك كي أدور في فلك إيديولوجيته التي تمتلك الحقيقة وحدها حسب قناعته .

العقل وسيلةٌ للإدراك بالتحليل و التمحيص ، لاختيار الأصح و الأرجح و التمييز بين الخطأ و الصواب ، أو الرديء و المفضال . كما هو مكرسٌ للبحث و التنقيب ، و هو مصدرٌ للحكمة و الحصافة و الرأي السديد .

من أهم أزمات العقل أن يعجز عن التفكير ، و من أكبر اشكالاته أن يُكبل بالقيود ، و من أعظم استعصاءاته أن يتخلى عن الفكر النقدي . أما أخطر آفاته العيش في غابر الأزمان يتغذى بالأفكار الكهفية الصحراوية ، بينما الجسد كائنٌ في القرن الواحد و العشرين .
ليس بخافٍ على أحدٍ أن معظم الأمم و الشعوب قد حطمت قيودها ، و أسرعت نحو الرقيِّ و النماء و التقدم ، إلا شعوب الشرق التعيسة . فمازلنا نعاني من جمودٍ عقليٍّ ، و انغلاقٍ فكريٍّ ، و افتقارٍ علميٍّ ، و انفصالٍ تامٍ عن كل ما يمت للحضارة بصلةٍ .
الزعيم الأوحد بمرتبة الإله .. الفكر الأحاديُّ مهيمنٌ متجبرٌ ... الحزب الواحد للسلطة محتكرٌ ... النصوص الدينية في كل الأزمنة أحكامها للاستعمال صالحةٌ ... الفكر الغيبيُّ المؤمن بالحجاب و الشعوذة سيد الموقف ... السلوك الصحراويُّ مثاليٌّ محبذٌ ... العرف القبليُّ نموذجٌ رائعٌ يحتذى به .... التخلف عادةٌ سائدةٌ ... الخرافات إرثٌ محببٌ .... الجهل للذائقة مفضلٌ ....

الأيديولوجيات بشتى أصنافها ( اليسارية ... اليمينية .... الدينية .... القومية ... الثقافية ... الخ ) تفلج العقل و تجعله يرى بعينٍ واحدةٍ .
فعقلنا البائس مازال إقصائياً مشبعاً بأيديولوجياتٍ تحرضه لتهميش الآخر ، و عدم قبوله الرأي المخالف .
و تظل حبالها المؤدلجة تشد العقل نحوها كلما أراد التمرد على اللاءات المفروضة عليه ، أو تجاوز الخطوط الحمر المرسومة حوله كسياجٍ مكهربٍ .
نمطٌ وحيدٌ مهيمنٌ على الفكر ، و للخروج منه عواقبٌ وخيمةٌ يدفع ثمنها أو العودة إلى بيت الطاعة ، لضمان المنافع الذاتية و المصالح الضيقة ، على حساب هدر طاقات المخالفين ، و مقدرات المبعدين و إبداع المهمشين ، بغية فرض الوصاية عليهم مجدداً .

يقول الثوريُّ الماركسيُّ و الفيلسوف اليونانيُّ الفرنسيُّ كورنيليوس كاستورياديس : " من سمات العصر ( ارتقاء التفاهة ) ، النزاع بين اليمين و اليسار فقد معناه ، لأن هؤلاء و أولئك يقولون الشيء نفسه ، منذعام 1983 مارس الاشتراكيون سياسةً ، ثم جاء بالادورو و مارس السياسة نفسها ، ثم عاد الاشتركيون و مارسوا السياسة نفسها .... عاجزون عن فعل الجدية .... الجميع يتواطؤون في الاتجاه نفسه ، و للنتائج نفسها ، و للتفاهة عينها .....
و يضيف قائلاً : الأيديولوجيات السياسية الكبيرة - ثوريةً كانت أم إصلاحيةً - فقدت حظوتها ، و كفت عن مواكبة العصر و التعبير عن تطلعات الناس .. "
أي أن الجميع و بمختلف أيديولوجياتهم و مشاربهم يهرولون خلف المال و السلطة و الجاه والنفوذ .

أما ( نظام التفاهة ) فهو عنوان كتابٍ لأستاذ الفلسفة و العلوم السياسية بجامعة كيبيك الكندية آلان دونو .
و فحوى هذا العنوان هو : تربع التافهين على جميع مؤسسات و مفاصل الدولة .
و في ذات السياق قد سبقهما الأديب و الصحفيُّ و رائد التجديد محمد كرد علي قبل أكثر من قرنٍ ، بوصف هؤلاء التافهين المهيمنين على دوائر الدولة و مفاصلها ب ( الخرق البالية )

إنها الموالات العمياء و العمل وفق ما تملي خارج الذات ، و بتوجيهاتٍ من الرؤية الأحادية المؤدلجة التي تعيق عمل العقل ، و لا تحقق وجودها إلا بالتطرف الفكريِّ و العنف ، و نشر الجهل و الفقر و تراتبية المجتمع ، و نفي الآخر أو إلغائه و عدم الاعترف به .

راءةٌ في الأداء ... انحطاطٌ في السلوك ... ضمور في الأفكار ... انسياق المجتمع نحو التفاهة كالقطيع ، لتأرجح كفة التافهين على كفة أصحاب العقول النيرة ... اختفاء مهارة الحكمة .... غياب قوة المنطق .... بروز الفكر السطحي ... هبوط مبادئ العلم و قيم الجمال .... هزائمٌ تترى ... شعوذةٌ دينيةٌ ... خزعبلاتٌ سياسيةٌ ... ترويجٌ صريحٌ للإذعان و الهبوط ....

فالتنوع الثقافيُّ ، و التعددية الفكريةُّ ، و قبول الآخر ، و حرية التعبير ، و فسح المجال للعقل المبدع و الفكر الخلاق ، و التفاعل الحضاريُّ على مبدأ التوافق الإنسانيِّ ، و تكريس الطاقات من أجل الوطن و المواطن كلها سبلٌ فعالةٌ للخلاص و البناء و الرقيِّ و الارتقاء ..