الانتفاضة الأمريكية (2 - 2) : 2) من أين كان البدء مجتمع أم دولة؟

أمين المهدي سليم
2020 / 6 / 5

يميز الولايات المتحدة عن غيرها من كل دول العالم ديناميكية اجتماعية سريعة التلبية والاشتعال والانتقال إلى كل الأنحاء في صفر وقت ودون مركزية ودون مؤسسات مركزية داعية أو راعية أو تدفع تكلفة، ومن أجل قضايا متعددة لابد أن يضعها النظام السياسي والتشريعي والقضائي والإعلامي في الاعتبار وبكل جدية، لأن المجتمع المدني الأمريكي عندما يتحرك فهو عصي وحساس ضد كل المباني الرأسية بما في ذلك المباني الوسيطة مثل الكنائس والأحزاب والنقابات والجمعيات حتى التي بشكلها هو نفسه، ولذلك يفشل المهاجرون من الشرق الأوسط في فهم سبب اللاجدوى من إنشاء مؤسساتهم البطريركية التراتبية العطنة المغلقة، وبالتالي ضعف بصماتهم الشديد على الحياة الأمريكية إذا قورنت بالألمان والإيطاليين والصينيين، ولا أقول طبعا بالإيرلنديين أو باليهود.

المعنى الكلاسيكي لتعبير تاريخ لاينطبق نهائيا على أميركا، ذلك أن التاريخ الأصلي للسكان الأصليين انقطع تماما وكان أشبه بتاريخ الأنساب والقبائل منه إلى التاريخ المسجل. وليس بسبب عمرها الأوروبي القصير (500 سنة تقريبا) ولا عمرها كدولة (235 سنة تقريبا)، ذلك أن ماضي أميركا الحالية لم تصنعه ولم تسجله دولة وإنما مجتمع نشأ قبل الدولة ثم صنع هو الدولة دون ضغط وثقل الأساطير وحقوق الدم والسيف، والحشو الديني والقومي والوطني (المزيف غالبا) الذى يؤسس لشرعيات الاستغلال وشهوات التسلط المتخفية خلفه في الدول الأخرى، والتى هدفها اضعاف المجتمع لحساب السلطة.

كان الاستكشاف والمبادرة الفردية والاجتماعية منذ البداية هى المؤسس للبلدات والمجتمعات الأمريكية الصغيرة، وبهذا المعنى تم تشريع القانون وأدوات تنفيذه الذى يلخصه نظام قوة الاستثمار والشريف والخيول والسلاح الفردي، ولم تكن بريطانيا معنية بفرض نظم أو قوانين خارج نظام يضمن تأمين حقوق التجارة والجمارك والضرائب والنقل من وإلى الموانيء، وكانت تضمن السيطرة بواسطة معسكرات أو حاميات متناثرة معزولة، ومع توسع المجتمعات والاستيطان وانتشار السلاح بدأت سلطتها في الضعف والخضوع لتحدي الشركات والاحتكارات والمشاريع والتمويلات المحلية، بالاضافة إلى آثار الصراع الأوروبي المزمن بين اللاتين والأنجلو سكسون، وهو الصراع الذى ساهم في التبكير بحرب الاستقلال.

كانت حرب الاستقلال بحد ذاتها أقرب إلى الطرفة في سياق التاريخ الإنساني الأقدم؛ فقد كان نظام التجارة والجمارك والضرائب البريطاني هو الرهينة الأمريكية من أجل تحقيق وتشريع الإنتماء إلى الإمبراطورية البريطانية، وكان الشعار الطريف المتواضع جدا وهدفه فقط التمثيل في مجلس العموم بعدد من الكراسي، والأغرب أن بريطانيا رفضت. وبدأت حرب الاستقلال بتهديد مراكز الجمارك واحراق السفن البريطانية. والباقي معروف.

هكذا كان على المجتمع الأمريكي في ليلة واحدة مجردا من أي أساطير وخرافات دينية وقومية ووطنية أو شرعيات الدم والأنساب أن يقرر "من نكون"؟

رغم أن الديناميكية الاجتماعية المذهلة تصدرت ساحة القرار والفعل إلا أن السؤال يظل معلفا : كيف ولدت هذه الديناميكية هذه المبادرة الإنسانية الثقافية والأخلاقية والسياسية المذهلة التى جعلت مجموعة من مربي العبيد المسلحين اللذين يوصفون بأحقية ب "الآباء المؤسسين"، كيف تسنى لهؤلاء القرويين من أمثال جورج واشنطن وبنيامين فرنكلين وابرامز وغيرهم أن يكتبوا أول وثيقة دستور في العالم وفي التاريخ ينص على المساواة التامة بين كل بني البشر لحظة ولادتهم دون أى توصيف أو شروط أو ملاحظات اضافية أو تفسيرية، والأهم الحق في الحياة وفي الحرية وفي السعادة، كان الدستور متناقض تماما مع الواقع ولكنه كان بوصلة صحيحة ومترجما صحيحا للأشواق الإنسانية، ومنظما للمجهود واسس الاجتماع الإنساني، يصعب حتى الآن بعد 230 سنة من كتابته على أغلب دول العالم باستثناء الدول الاسكندنافية أن تتبناه كاملا، ليس هذا فقط بل أن يكتب العقل الدستوري الأمريكي دساتير دولتين استسلمتا دون قيد أو شرط بعد حرب عالمية، فتتحولان إلى أكبر منافسين اقتصاديين وتجاريين لأميركا وهما ألمانيا واليابان.

يبدو أنه يجب القول أن الديناميكية الاجتماعية والموضوعية المدنية والحقوق المدنية والمبادرة الفردية فقط هى التى تؤسس الدول القوية واسس الاجتماع الإنساني كمشروع ناجح ومربح، دون هواجس التاريخ والشرعيات المسبقة والتوصيفات المسبقة الساقطة على الإنسان الفرد مثل اللون والجنس والدين والمذهب والطبقة والعرق.

ليست الولايات المتحدة هى الجنة على الأرض وهناك الكثير يمكن أن يقال حول مثالب علاقات الانتاج الرأسمالية والعديد من الثغرات بين التشريع والقانون وبين الواقع، وسهولة تشكيل لوبيات وجماعات مصالح ضيقة، ولكن المجتمع الأمريكي أكثر المجتمعات قدرة على الإلهام وتحقيق الفرص وحرية المبادرة وحق الحلم. "تمت" #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي