الانتفاضة الأمريكية (2 - 1) : 1) السيسي الأميركي : لأن الشيء بالشيء يذكر..تذكر القذارة بالقذارة

أمين المهدي سليم
2020 / 6 / 3

في مواجهة انتفاضة الشعب الأمريكي التى أشعلها مقتل الأميركي الأسود جورج فلويد على أيدي ضابط شرطة عنصري، قدم مجمع الوساخات (بتعبير حازم صاغية) دونالد ترامب مجموعة متجددة من وساخات جناح من اليمين يتسم بالطفيلية والجهل والغرائزية وميول عبادة القوة وتغذية الكراهية والعنصرية كوسائل سياسية. في خطاب مفكك فكريا وطافح بالغرائزية والتسلط طالب حكام الولايات بالسيطرة على الاحتجاجات بالقوة وإلا أنه سيستعين بالجيش، ويبدو الرجل وهو غارق في انحطاطه وجهله وكأنه لم يقرأ الدستور الأمريكي أصلا الذى يبيح للمواطن المدني حمل السلاح وتشكيل ميليشيات عندما يتعرض لتهديد يمس حياته واسرته وممتلكاته، كما شرع الدستور تشكيل الحرس الوطني المدني الذى يستخدم في كل أحوال الطواريء.

الدستور الأمريكي وتعديلاته هو تطبيق مثالي لدعوات العقد الاجتماعي وفلسفة انشاء الدولة الحديثة، وملخصه أن الإنسان لديه في الأصل حرية فطرية طبيعية يتنازل عنها في تعاقد مع للدولة ويسلم باحتكارها للعنف، في مقابل حمايته وتنظيم حياته في مساواة تامة مع كل أفراد المجتمع وفي ظل احترام وسيادة القانون، وإذا حدث خلل في هذا التعاقد يعود حق استخدام العنف للفرد المدني وحتى ضد الدولة نفسها التى لم تحترم قوانينها وتعاقداتها. الشعب الأمريكي مشبع بهذه الثقافة التى تجعله حساسا جدا ضد تدخل الدولة في حرياته وخاصة حرية التعبير أو في الشئون الاجتماعية والاقتصادية والإدارية.

بعد خطاب ترامب الأحمق عن السيطرة وإدانة الاحتجاجات وليس فقط التجاوزات ضد الممتلكات، ذهب مشيا على أقدامه إلى كنيسة سانت جون التاريخية في مواجهة البيت الأبيض التى احرقت الاحتجاجات جزء منها، ذهب إليها محفوفا بحراسات مكثفة، وأمام بابها رفع الإنجيل وليس الدستور في خطاب تهييج ديني وعنصري مباشر، ولم يكن غريبا أن أول من رفض هذه الزيارة غير المسؤولة هو اسقف الإبرشية نفسه التى تتبعها الكنيسة :"أرفض أن اصدق ماتراه عيناي".

ليس جديدا أن يصطدم هذا القذر ترامب بالإعلام الأمريكي الحر وبالمحتجين الأمريكيين اللذين يصححون مسيرة الديموقراطية وسيادة القانون، وهو الذى أصدر العديد من القرارات المنافية للدستور والقوانين، وألغى له القضاء العديد منها، ولا أن يظهر ميول العسكرة ومديح الكراهية وعبادة القوة، ولا أن يستعين بالتهييج الديني والعنصري للاستهلاك السياسي والانتخابي للتغطية على افلاسه وجهله وتعفنه بينما هو داعر وعاهر أخلاقيا.

يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أنه لاشيء جديد في التاريخ الإنساني ولكن الظواهر الجديدة إنما هى ظواهر قديمة كانت كامنة أو متنحية (بلغة الجينات)، وهذه هى الأرضية التى يلتقي عليها الأوساخ من عينة هتلر وموسليني وفرانكو وسالازار وترامب وبوتين والسيسي والقذافي والبشير (مع رجاء مراعاة فروق التوقيت الحضاري) وتحول ميول عبادة القوة والعنف والعسكرة واستخدام الدين والعنصرية والكراهية والغوغائية إلى أدوات سياسية. وهذا يفسر استدعاء السفاح العاهر سيسي وثورة يناير في الإعلام الأمريكي الحر، وعلى سبيل المثال نشرت النيويورك تايمز أمس 2 يونيو مقالا في صفحة الرأي بعنوان "السيسي الأمريكي"، وفي صفحة اخرى مقالا بعنوان "صور المظاهرات الأمريكية تستحضر عن المصريين ثورتهم الضائعة".

أثق أن موجة اليمين الجارفة العالمية التى يمثلها ترامب ونتنياهو وماكرون وبوتين واوربان ومودي، وصبيانهم من أمثال السيسي وبن سلمان وبن زايد والأسد وحفتر ودحلان، هى موجة رد فعل مرتدة على التحديات القيمية والسياسية والثقافية التى مثلتها نهاية الحرب الباردة وسقوط سور برلين وموجات الثورة في شرق أوروبا وصعود باراك أوباما وموجة الربيع العربي، وأن هذه الموجة السوداء من البغضاء والقمع والكراهية والاستغلال والقبح والانحطاط الإنساني والثقافي والأخلاقي والسياسي ستنحسر أمام صعود موجة جديدة من تصحيح التاريخ والتقدم، لأن التاريخ من وجهة نظري يشبه في حركته الجدلية بندول الساعة داخل نفس الصندوق الذى يمثل تاريخ الأفكار الإنساني، بينما التقدم هو فوائض حركة الجدل والصراع وهو أشبه بحركة عقارب الساعة التى دائما تسجل التحرك إلى الأمام . #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي