المحتوى التاريخي لمفهوم منظمات اليسار، وتطوره

علي عبد الواحد محمد
2020 / 6 / 2

المحتوى التاريخي لمفهوم منظمات اليسار وتطوره
علي عبد الواحد محمد
اليسارمفهوم إجتماعي إقتصادي سياسي ايديولوجي متحرك ،مرتبط بالظروف الموضوعية ،وبالموقف من علاقات الإنتاج السائدة ، وبالموقف من التكوينات والأيديولوجيةالإجتماعية المرتبطة بهذه العلاقات ، وبالأفكار والأيديولوجيات المنعكسة عنها.
وهذا المفهوم يأخذ طابعه من الظروف التاريخية لعلاقات الإنتاج ومن جملة العوامل الإجتماعية والإقتصادية المتفرعة عنها.
ونظرا لنسبية المصطلح، ولطبيعته المتحركة فقد أطلق، على مجموعات إجتماعية (من ضمنهاالطبقات الإجتماعية ) ، وعلى علاقات إنتاج ، وعلى ايديولوجيات وأفكار ، إسم اليسار في حينها ،وظرفها ، ولو تتبعنا اصل الكلمة ( يسار ) نجدها أطلقت في الجمعية التأسيسية الفرنسية ، أيام الثورة الفرنسية الكبرى، على الذين كانوا يجلسون على جهة اليسار من الجمعية التأسيسية ، وهم" اليعاقبة" ، ممثلي البرجوازية الصاعدة ، وأصحاب "فلسفة التنوير" وأصبحوا هم اليسار قياسا للعلاقات الإنتاجية السائدة وقتها ( العلاقات الإنتاجية الإقطاعية )، وكان اليعاقبة آنذاك الممثلين الحقيقيين للقوى البديلة الصاعدة .من ذلك يمكن القول إن اليسار كمصطلح يكسب محتوى متغيرا وفقا للظرف التاريخي المعين ووفقا لقوى التقدم الصاعدة وللقوى المعرقلة لهذا الصعود .
مما تقدم يمكن لنا صياغة السمات الأساسية لما يطلق عليه اليسار، سواء أكانت كيانات إجتماعية ، أو إقتصادية أو فكرية
*: نظرا لما إتفقنا عليه حول نسبية المفهوم ، فالكيان في أشكاله المذكورة، يمكن أن يكون يساريا في مرحلة معينة ، ثم يفقد هذه اليسارية ،عندما يحقق ما ولد من أجله وتنتفي الحاجة اليه ، فمثلا الكفاح من أجل إقامة العلاقات الإنتاجية الإقطاعية، من رحم العبودية ، كان يمثل اليسار(بمقاييس الحاضر) ، في ذلك الزمن السحيق ، فألأقطاعيون ناضلوا من أجل الخلاص من نظام الرق ، وكذلك العبيد إنتفضوا من أجل ذلك ،وما أن إستتب الأمر للعلاقات الإنتاجية الجديدة ، ظهر للعلن التناقض الصارخ ما بين القانون الأساسي لها ، وبين مجتمع الكادحين ، تحولت هذه العلاقات الى نقيضها فاصبحت تمثل اليمين ( بنفس مقياس الحاضر ) ، وأصبحت المعرقل الرئيسي للتطور، لتشريعها القواعد والقوانين المعبرة عن مصالح النبلاء الإقطاعين.وهكذا الحال بالنسبة لقيم المراحل المختلفة ، وقد عبر ماركس عن هذه الحالة خير تعبير ، حينما قال مثلا إن الرأسمالية خلقت دينا جديدا ، وإن الرأسمالية تخلق حفار قبرها بيدها. فقد كانت الرأسمالية أبان صعودها ونضالها ضد الإقطاع ، تبنت العلوم ، وفلسفة التنوير ، ووقفت ضد جبروت الكنيسة الكاثوليكية ، فنتج عن ذلك البروتستانية، وأخذت بيد الطبقة العاملة الوليدة وهيأت لها سبل التطور ، والتعامل مع أدوات العمل المتطورة ، ولكنها امتصت القيمة الزائدة المنتجة من عمل العمال غير مدفوع الأجر، وحدت بالقوة وبالقوانين الجائرة ، كل سعي العمال للتضامن ولتنظيم أنفسهم ضد سطوة رأس المال.
في العصر الراهن ، حيث تغلغلت الرأسمالية في كل مفصل من مفاصل الحياة ، بحيث أصبح النضال المحدود في اي مفصل لوحده ، يؤدي بالضرورة الى النضال ضد جبروت وطغيان الرأسمال ، وأساطينه ،وبذلك تؤدي الإستنتاجات الى إتساع قوى اليسار، وتتلاقى مصالح جماهيرها في خضم النضال اليومي. إنها عملية معقدة وغير واضحة المعالم ، إذ يؤدي تشابك المهام وتداخلها، الى ضياع وتشتت جماهير المنظمات اليسارية . لو أخذنا مثالا يبدو بعيدا عن مرام اليسار ،مثل قضية الإحتباس الحراري، والتغيرات المناخية في كوكبنا الأرضي ، ربما يكون جل نشاط المتصدين والنشطين في جانب البيئة ، موجها الى زيادة دعم الحكومات للجهود الرامية لتحسين البيئة تقنيا . ولكن عند الغوص في جذر المسألة ، نجد إن تفاقم المشكلة يعود الى ثقب الأوزون ( الذي قرأنا بأنه التحم أبان أزمة الكرونا لتوقف المصانع عن بث الغازات الى الفضاء ) ، وثقب الأوزون حصل نتيجة الإستثمار الرأسمالي للبيئة ،وطرح المخلفات في الفضاء المحيط بالأرض.
في البلدان المتخلفة والتابعة ومنها بلادنا ،يكون مفعول تأثير العلاقات الإنتاجية الرأسمالية ، لايقل ضراوة عن تأثيرها في البلدان الرأسمالية المتطورة ، حيث تكون هذه العلاقات في البلدان التابعة ، مخفية ويعمل تأثيرها ، تحت مختلف العناوين. ويبرز هذا التأثير في السوق الرأسمالية ، حيث تكون البلدان المتخلفة ، مصدرة للمواد الخام ، ومستوردة للسلع المصنعة ،وهذا الموقع المتخلف جعل هذه البلدان في مهب الريح العاتية للأزمات ، الإقتصادية الدورية ، وللأزمة العامة للرأسمالية (خذ العراق مثلا ،الآن في ظل الكرونا وإنخفاض أسعار النفط ، والعقوبات الأمريكية على إيران ) وفي واحدة من اعوص المشاكل هذه البلدان، هي إن الدولة فيها تعتبر اكبر رب عمل ومسؤولة عن تشغيل كل القادرين على العمل،في غياب كبير للمؤسسات الإقتصادية المنتجة التي تستوعب البشر، وفي نقص حاد في نشاط القطاع الرأسمالي الخاص ،هذا الأمر إنعكس على منظمات اليسار وتشتتها ، فقد تنوعت أوليات نضالها ، وافتقدت فيها الحلقة المركزية للأهداف ، ومما زاد الطين بله ، هو التخلف المستشري ، نتيجة إستمرار النهب للمال العام ،وكثرة المشاريع الوهمية، المصروفة حساباتها من خزينة الدولة للفاسدين ، وتستمر العمليات المنظمة لتعطيل كل جهد في مجال الزراعة وفي مجال الصناعة، وترك البلاد معتمدة كليا على استيراد حاجاتها من دول يحددها الكومشن الذي يحصل عليه الفاسدون ، من الدول الموردة. ونفوذ تلك الدولة السياسي والإقتصادي والعسكري،في البلاد المعنية،هذا الواقع، زاد من تشتت جهود المنظمات اليسارية، في البلدان التابعة ، فكثرت المهام وكثرت المنظمات، وتباعدت فيما بينها، وصارت كل منظمة تعلن عن احقيتها في تمثيل اليسار،فكثرت الأخطاء،والتبيانات،هذه العوامل تحدث في وقت يسود فيه الجهل باهمية العمل الجماهيري لهذه المنظمات، وفقدان البلد للطبقة الوسطى التي تشكل الرافد الأساسي لها ، ناهيك عن غياب الوعي لأهمية العمل وفي اهداف اليسار ، وبحث عدد كبير من الشباب عن الطرق السريعة للإثراء وكسب المال بغض النظر عن مصدر الكسب. هذا الواقع شكل ارضية خصبة للقوى المضادة في مكافحتها منظمات اليسار وزرع الوقيعة والتباين فيما بينها.ويصبح من الواجب على هذه المنظمات اليسارية السعي لتوحيد خطابها وتوحيد قواها ،ونبذ الإدعاء بأحقيتها في التمثيل، ووضع الحلول الناجعة لتطوير نضالها وتوسيع جماهيرها ، ووضع حد لإبتعاد جماهير غفيرة عنها ، ومعالجة الظروف الموضوعية والظروف الذاتية، التي أدت لذلك.