الكاميرا الخفية : النشأة والمفهوم الجزء الأول

عزيز باكوش
2020 / 5 / 31

الكاميرا الخفية : النشأة والمفهوم

تثبت العديد من المصادر والإسنادات التاريخية المهتمة بمسار الفن السمعي البصري أن ما يسمى بالكاميرا الصريحة أو الكاميرا العفوية ستظهر أول مرة على قناة CBS الأمريكية كان ذلك سنة 1948 . والفكرة من ابتكار إنتاج وتقديم الأمريكي ألن فونت . وقد استمر عرض حلقات هذا البرنامج الذي اتخذ له كعنوان Candid Camera حتى بداية السبعينيات ، ثم توقف ليعاود الظهور سنة 1996 ليتوقف ثانية سنة 2004 ويعود مجددا ، لكن بتقديم بيتر فونت ابن مبتكر هذا البرنامج المذهل ، وبثت قناة CBS الأمريكية من هذه السلسة أكثر من ألف حلقة .
وبمنطق الامتداد ، فقد تأخر ظهور هذه التجربة الفنية المتميزة على الشاشة العربية ، بحوالي ربع قرن من ظهورها في القارة الأمريكية . واتخذ هذا الظهور صفة الكاميرا الخفية . وكان لأول مرة بمصر سنة 1983ولعب أدوار هذه التجربة الطلائعية نخبة من الممثلين المصريين منهم إسماعيل يسري ومحمد جبر . فيما عاد الإعداد والإخراج لطارق زغلول والإنتاج لوكالة طارق نور . وقد تم عرض النسخة المصرية للكاميرا الخفية في العديد من الدول العربية . وكانت من تقديم نجم الكوميديا المصرية القدير فؤاد المهندس ، وحظيت بنسب مشاهدة جماهيرية عالية.
يتعلق الأمر إذن ، بنوع من البرامج التلفزيونية التي تعتمد فكاهة الموقف موضوعا رئيسيا ، حيث يعمد طاقم البرنامج إعداد وخلق مواقف اجتماعية في الشارع العام . تبدو صعبة الاحتمال للوهلة الأولى . حيث يتم إقحام أشخاص معينين ، يتعاطون مع الوضع كما لو كان واقعيا. فيما الكاميرا مصوبة على وجوههم من كل الجهات لتسجيل مختلف الارتباكات المرتبطة بردود أفعالهم العفوية البريئة ، و رصد سلوكياتهم ذات النزعات والميول السيكوسوسيولوجية اتجاه الحدث دون علمهم .

والحقيقة أن هناك المئات من البرامج المبنية على فكرة الكمين البصري العفوي تم التخطيط لها بغاية إمتاع المشاهد بالدرجة الأولى . وهي منتشرة عبر استوديوهات الإنتاج التلفزيوني في جميع دول العالم . وإذا كان طابع الظرافة والمرح والمتعة البصرية هي السمة الرئيسية لمختلف هذه البرامج ، فإن تنفيذ بعض مقالبها ، وبناء حبكة خدعها الدرامية أحيانا ، قد يجلب المتاعب لطاقم البرنامج وللمنتجين عموما . ذلك أن ما يحدث قد لا يمكن توقعه ، إذ لا يمكن دائما قطف أحداث طريفة وأحياناً ردود فعل غريبة أو مفاجئة ، بل قد تكون عنيفة وقاتلة تجاه من ينفذ المقلب. كما حدث في روسيا ذات سنة ،حين قتل أحد الأشخاص العفويين بدم بارد ، ممثلا لإحدى حلقات الكاميرا الخفية ، أسند إليه دور العبث بصندوق البريد في بإحدى وكالات البريد ، فأرداه على الفور ، حيث أفرغ في جسده بضع رصاصات ، ما جعل سلطات البلد تمنع فكرة الكاميرا الخفية كليا لفترة .
في العالم العربي تم استنبات التجربة في مصر لأول مرة ، لتأخذ لنفسها أشكالا وأنساقا جديدة ومختلفة ،إن على مستوى التيمات ، أو على مستوى الإخراج ، لكن الفكرة ظلت واحدة هي الترفيه وإمتاع المشاهدين عبر قوالب الكوميديا بالأساس . ولما كانت الغاية أيضا هي الاستقطاب ، فقد تقرر أن تحط الكاميرا الخفية الرحال لتستقر في شهر رمضان كمحطة للانتشار الواسع العريض ،وتنتشي ببث حلقاتها في أوقات الذروة. ولدوافع ربحية بالأساس خصصت الفضائيات العربية المنتشرة في سماوات الله المفتوحة أغلفة مالية باهضة للإستثمار في هذا القطاع ولإرضاء المستشهرين والمشاهدين على حد سواء ، حيث تم إنتاج حلقات ضخمة على امتداد الوطن العربي ، لتتخذ الكاميرا الخفية جنسيات وثقافات . هناك النسخة المصرية المغربية والتونسية والليبية والجزائرية واللبنانية والسورية ...وستزداد وثيرة الاهتمام بها بشكل ملفت ، كطعم استقطابي للمشاهدين والمستشهرين من قبل التلفزيونات العربية مع بداية الألفية ، بسبب قدرتها الفائقة على الاستقطاب الجماهيري ، واعتبارها منطقة جذب عالية للإشهار مع غلاف إنتاج متوسط التكلفة مقارنة بكلفة المسلسلات والسيتيكومات الدرامية .
والحقيقة ليس الترفيه وإمتاع المشاهد ومؤانسته واستقطاب أكبر قدر ممكن من الوصلات الإعلانية ،هي ما تهدف الكاميرا الخفية تحقيقه ، بل هناك أمر آخر على قدر كبير من الأهمية ، الجانب التوثيقي ، حيث يمكن اعتبار حصيلة الإنتاج العربي من البرنامج في هذا المجال فرصة حقيقية لتوثيق حال مجتمع ما من الناحية الاجتماعية والعمرانية . كما هي أيضا منجم لدراسة فكر الإنسان ونفسيته واستقراء نمط ثقافة حقبة تاريخية معينة من مسار حياته. ذلك أن التصوير في الهواء الطلق، أوإنشاء استوديوهات متحركة في الفضاء العام هو رصد واقعي لمظاهر الحياة في الشارع العام ، ليس من حيث الشكل العمراني وثقافة البيئة بل ثقافة ردود أفعال الناس وتصرفاتهم إزاء مواقف بعينها ، تكشف الى حد بعيد نمط حياتهم وأسلوب التفكير لديهم . فسلوك الأشخاص تكشف نمط تربيتهم ومدى نسبية القيم النبيلة المغروسة في نفوسهم

في العالم العربي، غالبا ما ترتبط حلقات الكاميرا الخفية CAMERA CACHE بشهر رمضان وذلك بهدف خلق مساحة فرجة وترفيه عن نفس المشاهدين بعد يوم كامل من الصيام والعمل . فتصبح حلقاتها أمرا يوميا ، بل وتفصل على مقاس 30 حلقة تغطي كامل الشهر الفضيل.
في تسعينيات القرن العشرين تولى الممثل الكوميدي إبراهيم نصر" توفي الأسبوع الماضي رحمة الله عليه " مهمة إعداد وتقديم البرنامج بعدة مواسم وتنفيذ المقالب بالتنكر بشخصيات مختلفة منها شخصية امرأة بدينة اسمها "زكية زكريا" وشخصية رجل صعيدي اسمه "غباشي النقراشي" وكان له موسم مميز من إنتاج تلفزيون دبي اسمه "هيما شو" (2011)، قدّمه أمام جمهور في الاستديو.
وفي نفس الفترة، ستدخل سوريا تجربة الكاميرا الخفية باقتدار . حيث سيبرز الثنائي زياد سحتوت وجمال شقدوحة ومجموعة ممثلين من سوريا ويبرعون في تنفيذ مقالب على طريقتهم، استهدفت النجوم و المشاهير وكذلك عامة الناس. وكانت بدايتها سنة 1988 كفقرة ضمن برنامج "التلفزيون والناس"، ثم تبلورت تحت اسم "منكم وإليكم والسلام عليكم" الذي بدأ في 1993 من إنتاج شركة الفيصل وامتد لعدة مواسم، قدم أحدها الممثل عباس النوري، وكان يقدم أمام جمهور محدود داخل الاستديو. وقد نفذ زياد سحتوت عدة برامج مقالب جرى تصويرها في عدة دول عربية آخرها "طيمشة ونيمشة في 2007 و2008 من إنتاج شركة طارق زعيتر ليتوقف بذلك مساره في إنتاج أعمال في هذا المجال.
وبالموازاة مع كل ذلك ، كان هناك برنامج "مقلب دوت كوم" أنتجته شركة أم بي أيه في 2004، ولعب أدواره ياسر الطوبجي ومجموعة من الممثلين، وأشرف على تقديمه الممثل أشرف عبد الباقي أمام جمهور داخل الاستديو . تميّزت فكرته بأن يتلقى فريق العمل رسائل إلكترونية من الناس؛ فيطلب المرسل استهداف شخص معيّن على علاقة به، ويخبرهم عن شخصية المستهدف ونقطة ضعف فيها أو شيء محرج له؛ ثم يتعاون معهم في التخطيط واستدراج الضحية إلى مقلب معدّ ليكون مناسباً له وليمسّه بشكل شخصي."
وفي السنوات الأخيرة وحتى 2020 ، برزت أفكار شيطانية ، بل جهنمية . ولعل من أشهر البرامج العربية في هذا المجال ، ما قدمه الممثل المصري رامز جلال في عدة مواسم عرض بدء من رامز قلب الأسد في 2011 ، مرورا رامز واكل الجو- رامز بيلعب بالنار- رامز تحت الأرض -رامز تحت الصفر -رامز في الشلال - وآخرها رامز مجنون رسمي قدم في رمضان الأخير على قناة إم بي سي 5 . وقد حصد البرنامج في الحلقات الأولى لعرضه 3ملايين مشارك . وتعتمد أفكار رامز جلال في الجوهر على استهداف النجوم والمشاهير من العالم العربي ويعتمد على فكرة واحدة يكرر تنفيذها في كل حلقات الموسم، تتضمن دائما أسلوب الترويع والسخرية. وبنفس الصيغة كان مواطنه الممثل هاني رمزي قد بدأ سلسلة مماثلة سنة 2015. " يتبع