السيسي وحربه المزيفة ضد إرهاب مفبرك (3 - 3) : 3) هل تعوض ليبيا سيناء بينما تركيا على الخط؟

أمين المهدي سليم
2020 / 5 / 25

باديء ذي بدء لابد من الاقرار المؤلم بأن حرب العسكر القذرة في سيناء وليبيا هى من امتدادات وتنويعات الحرب القذرة التى تدور رحاها منذ 68 ضد المجتمع المدني في مصر؛ فقد كان إنقلاب يوليو 1952 ضد دولة مدنية دستورية، مهما كانت أوجه النقد لها، وبالتالي كان إعلان حرب على مصر الشعب والوطن، وكان من الفصول القذرة لهذه الحرب التلاعب المنهجي المبرمج بالحدود السياسية والجغرافية والاقتصادية للدولة المصرية حتى وصلنا إلى ترسيم هذه الحدود لصالح الغير، والأسوأ تعديلها بمقابل ذهب إبى كروش الجنرالات والجواسيس والخونة العسكريين، والآن نشاهد فصلا جديدا يمكن أن يندرج تحت عنوان "استبدال وسمسرة وبيع الأراضي الوطنية".
ليس من الغريب إذا أن تتطابق حرب السيسي في ليبيا مع كل شروط الحرب القذرة في سيناء من حيث التعتيم الإعلامي الكامل، وغموض الأهداف، وأن يديرها مجموعة من بارونات الحرب السفلة والمجرمين، وأن تكون خارج نطاق أي منطق أو إنسانية أو قانون أو أخلاق، وأن ترتكب فيها نفس المنظومة من جرائم الحرب البشعة وكل تصنيفات الجرائم ضد الإنسانية، وحتى تكتمل وتتطابق كل عناصر الخيانة والبربرية قام حفتر ومساعده مجرم الحرب السلفي محمود الورفلي المطلوب أمام المحكمة الجنائية الدولية بمجزرة ذهب ضحيتها 21 قبطي لحساب السيسي، حتى يوجد المبرر للتدخل في ليبيا. وإذا كان محور نتنياهو العربي بن زايد وبن سلمان هم شركاء السيسي في حربه القذرة في سيناء، وفي الخلفية المخطط والمستفيد الأكبر والأكثر حنكة حكم اليمين الفاشي الإسرائيلي؛ فيمكن نقل نفس الهيئة بالتمام والكمال إلى ليبيا، وأن يتحالف جنرالات أكبر شبكة مافيا مسلحة في التاريخ لتجارة الأسواق السوداء والتراب الوطني والسخرة والخردة والتهريب والتجسس والخيانة تنتحل شخصية الجيش المصري مع جنرال مرتزق جبان ومجرم حرب مثل خليفة حفتر، وأن تكون الحرب غامضة الأهداف وأن يذهب ضحيتها أيضا المدنيين العزل المسالمين تماما مثل سيناء، وأن يتم شيطنة حكومة الوفاق الشرعية المعترف بها دوليا ووسمها بالإرهاب لاستكمال كل الديكور، وإذا كان سيسي قد شكل فرقا للموت من صحوات مخابراتية ومهربين من قبائل في سيناء ومليشيات إماراتية وفلسطينية تحت قيادة المرتزق محمد دحلان، وربما من شبيحة توأمه المجرم الخائن بشار الأسد؛ فهو في ليبيا في وضع أكثر انحطاطا ويقاتل بجوار ميليشيا الجنجويد قطاع الطرق ومرتزقة تشاديين وروس وأوكرانيين ومن كل مرتزقة الأرض، وأن لا يشكل ذلك أبدا جرحا في شرف عسكري لم يسمع عنه ولم يوجد أصلا عند جيش الخيانة والأسواق السوداء المصري.
إذا كانت حرب سيسي القذرة في ليبيا توأم حربه القذرة في سيناء؛ فالإضافة هنا أنه إذا كانت سيناء هى ضريبة استمرار العسكر في حكم مصر التى تشمل التنازل عنها وعن جزر تيران وصنافير وممر إنتربرايز البحري الدولي وموارد الغاز الوطنية وماء النيل؛ فإن بني غازي وشرق ليبيا كله من المفترض في مخيلة هؤلاء المعاقين عقليا وأخلاقيا أن تكون تعويضا عن تنازلات ومبيعات الخيانة في صفقة القرن، ويلاحظ هنا أن مخيلة الخونة لاتفرق بين حقوق الشعوب وتستعمل نفس الذهنية الاستعمارية المقيتة مع فارق جوهري وهو أن الاستعمار كان مرحلة في تطور الحداثة ورأسمالية المداخن المتوحشة، ولاحقا أدانتها الحداثة والرأسمالية في حقب اخرى من تطورهما، بينما جمهوريات العسكر العربية مجرد برابرة مادون البشر، ومخيلتهم مريضة وضعفاء، ولا يخلو الأمر هنا من جانب كوميدي أسود، إذ أننا نعرف من أدبيات الشعوب قصة الذئاب التى تلبس جلد الخراف لتتحايل على ضحاياها، ولكننا لم نعرف في أي أآداب العكس وهو أن تلبس الخراف والماعز العسكرية المصرية جلد الذئاب ولماذا؟.
في ندوة مخابراتية رسمية في 28 يوليو 2013 تفوه البوق المخابراتي أحمد المسلماني بالآتي :"لن نسمح أن تضيع منا ثروات ليبيا مرة اخرى ونحرم منها"، بينما تفوه السفاح العسكري الفاسد المخرف سيسي في تسريب فيديو منذ 4 سنوات دون معرفة التاريخ بدقة :"كان في بإمكاننا ولازال فكرة احتلال ليبيا ونهب خيراتها لكثرة مشاكلنا الاقتصادية"، وهكذا ودون خجل وبوقاحة وصفاقة لايحسدون عليها، أفشى هؤلاء المعاتيه الجهلة بسرهم العنصري الخائن المختل: ثروات شرق ليبيا وأرضها تعويضا عن ضياع سيناء وحقول الغاز وحصة من ماء النيل في ثنايا صفقة القرن ودون أن يخطر بعقولهم المريضة ولو لوهلة أن التراب الوطني لايستبدل عند الشعوب الأبية، وأن استبدال الأراضي واعادة رسم الحدود هو من حقب استعمارية مضى زمانها، وكانت تفرضها دواعي إرساء نظما عالمية هم أهون شأنا وعقلا عن فهمها فضلا عن تنفيذها.
أردوجان وصفقة القرن :
قبل النظر إلى الجانب الآخر وإلى الخصم الرئيس والوافد الجديد في الحرب الليبية أي تركيا أردوجان، أجد من الضروري لاثراء الموضوع توضيح أن
الخلافة الإسلامية تاريخيا وماديا كانت أحلاما إمبراطورية وعبادة للقوة تنتمي لزمانها وعصورها، اسبغ عليها شيوخ السلاطين وحراس الجهل المقدس وفقهاء الغرائز قداسة ركيكة مثقوبة للتغطية على الأطماع والتسلط على الشعوب الأخرى واستباحة مقدراتها وإنتهاك حقوقها الذى تنطوي عليه دائما الأطماع الإمبراطورية، وفي اعتقادي أن التوغل والمغالاة في تقديس هذه الفكرة الأرضية التسلطية الموحلة غير المقدسة هى أحد كوارث الثقافة العربية الإسلامية وأحد الأسباب الجوهرية في تخلف الشعوب الإسلامية وخاصة العربية منها، وسبب شيوع المزاج العسكري الهدام في جنبات الأدبيات الإسلامية، إذ أن وقت الإمبراطوريات قد مضى ونفذ منذ وقت طويل، كما أن المخيلة الإمبراطورية هى النقيض الكارثي لروح المساواة والحريات وعصور المعرفة الكونية والعقل العلمي ومابعد العلم وحقوق الإنسان الفرد المدني المعاصر، وليس غريبا أن هذه النزعة كانت أطول عند الشعوب المنظمة الأسيوية المسلمة عن العرب المسلمين الفوضويين إذ لم تدم الإمبراطورية العربية أكثر من 3 قرون، بينما دامت الإمبراطورية المغولية والعثمانية مامجموعه ألف سنة تقريبا.
هذه مقدمة طويلة نسبيا لتفسير سبب ازدواجية النظر إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوجان، فهو في عين العرب المسلمين الماضويين خليفة وأمير مؤمنين لاينقصه شيء لإعلان ذلك، ويبدون كمن قرر مسبقا الدخول تحت طاعته، وكم يبدون في بؤسهم التاريخي يستحقون الرثاء، ويثبت كيف أنهم يعيشون خارج العصر، بينما هو أبعد مايمكن عن مشاركتهم هذه الهلاوس إذ يبدو متشددا علمانيا أكثر بكثير ممن يتم تكفيرهم من العرب. في 29 ابريل 2016 صرح أردوجان :"أرى العلمانية ضمانة دستورية لحرية المعتقدات" (موقع قنطرة الألماني)، وفي 8 مارس 2018 قال :"لايمكننا تطبيق أحكام إسلامية صدرت قبل 14 و 15 قرنا..بعض رجال الدين لايعيشون في عصرنا وإنما في عالم آخر" (سبوتنك عربي)، ربما في ازدواج الصورة وتناقضها يكمن عدم اعجابي برجب طيب أردوجان الشعبوي الذى يستخدم هذا الإلهام الزائف بالخلافة الإسلامية لتغطية نزعاته القومية الحادة، والتغطية على التخوين التركي التاريخي للعرب، وغالبا هذا سبب القصور الشديد في معالجته للقضية الكردية التركية الداخلية، وكأداة في صراع النفوذ الحاد في الشرق الأوسط لشغل فراغ التلاشي العربي، مع قوى شرسة ذات تطلعات إمبراطورية أيضا وهى إيران وإسرائيل فضلا عن روسيا بوتين، ولذا أصبح خطابه إمبراطوريا وشعبويا خطرا، ولكن للانصاف أيضا أُثمن للرجل 3 معطيات صعبة لاتنجزها إلا شخصية تاريخية قوية وتثبت أنه من وجه آخر مناقض لما سبق توضيحه (كل تغيير حاد في التاريخ يحتوي على تناقضات) يبدو شديد الواقعية ويعيش داخل العصر وهى : أولا إخضاع الجيش التركي للسلطة السياسية المدنية، وهو واحد من أسوأ الجيوش العميلة الإنقلابية الجشعة في العالم الثالث، بالرغم من تاريخه الوطني الحافل. ثانيا :هو الأكثر والأدق تطبيقا لنقاط كوبنهاجن للتنمية البشرية، بالرغم من أنه أقل زعماء تركيا تحمسا للانضمام للاتحاد الأوروبي. ثالثا : بالرغم من أنه يرأس حزبا إسلاميا إلا أنه أكبر مجدد معاصر في أدبيات الدين الإسلامي طبقا لتعاليم استاذه البروفيسور فؤاد سزكين وهو من أكبر نقاد البخاري، ونتج عن ذلك تجميد التعامل ب 1700 حديث نبوي بقرار من لجنة من 80 عالم في كل جوانب الثقافة الإسلامية برئاسة الشيخ محمد جورميز، وهكذا قدم المثل على أن التجديد الديني لايمكن أن يتم إلا في ظل دولة مدنية علمانية.
الشرق الأوسط ومصير العرب في مبدأ باراك أوباما :
توصل الرئيس السابق باراك أوباما إلى اقتناع أن العالم العربي حالة ميئوس منها، وأن أنظمة الطغيان العربية أزالت كل الوسائط السياسية والاجتماعية مع المجتمعات العربية، وأن زحزحة أي نظام عربي سينتج عنها حروبا طائفية وأهلية مسبقة التجهيز ومعدة سلفا (اعترف السيسي بذلك جهارا نهارا ببلطجة وبوقاحة ونطاعة لايحسد عليها وهو بين جنرالاته في غيط العنب في الإسكندرية :"لو اتحركتوا ضدنا مش هنسيبها..لاهتنفع لينا ولا لغيرنا")، وبالتالي وضع أوباما خطة للحفاظ على توازن الشرق الأوسط وحمايته من الفوضى الشاملة، فحواها أن العلاقة بين 3 قوى إقليمية غير عربية يمكن الاعتماد عليها يقع عبء التوازن وهى تركيا وإسرائيل وإيران، وساعد إيران كي تصبح عضوا يعتمد عليه في هذه الوضعية، وبالرغم من التطلعات الإمبراطورية عند ثلاثتهما، إلا أنه يمكن ضبطهم داخل النظام العالمي، وقد حاول السمسار دونالد ترامب تغيير هذه الخطة أو تعديلها فلم يفلح. ويلاحظ أن هامش المناورة عند تركيا أكبر من مثيله عند إسرائيل وإيران، لأن الخطوط مفتوحة بينها وبينهما، في حين أن الأمر ليس كذلك بينهما. وبالتالي يلاحظ أن التحرك التركي أعلى وتيرة وأوسع جغرافيا ونوعيا خاصة في البحر المتوسط، وفي اعتقادي أن تفسير التدخل التركي في ليبيا يجد تفسيره المنطقي في جدلية العلاقة بين هؤلاء الثلاثة الكبار الإقليميين، وتسابقهم إلى تقاسم الكعكة العربية الشهية الضخمة منزوعة السياسة والكرامة والحرية والإرادة، وإن كانت المهارة السياسية الإسرائيلية، وخطابها المخادع المغلف بالمعاصرة يرجحها عن الضلعين الآخرين. وعلى ذلك قررت تركيا التدخل لمعرفتها أن امتداد صفقة القرن وتوازنها سيتم على حساب ليبيا، وأن التدخل سيعرقل صفقة القرن أو سيحاصرها داخل حدود التفريط المصري. ومن طرائف السياسة أن التدخل تركيا في ليبيا منح لمصر مرونة وفرصة لاعادة ترتيب مصالحها مثل اعادة رسم الحدود البحرية واعادة رسم مواضع حقول الغاز وخطوط أنابيب النقل في المتوسط، وإعادة تأهيل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، ومع الدول المغاربية، بل واستغلال ذلك لاعادة الاستقرار إلى سيناء، ولكن النظام في مصر سار في الطريق العكسي، لأنه غرق وانتهى أمره في تسول بقاءه بأي مقابل كان، وأنهك نفسه في الحرب على الشعب المصري وخاصة مجتمعه المدني، وتلطخ وتمرغ ظهرا لبطن وغرق في أوحال القمع البربري والفساد وخيانة صفقة القرن.
لم يكن غريبا أن تُنذر الطائرات الإيطالية المقاتلة طائرات جيش الخردة المصري وتعيدها ذليلة إلى قواعدها، وأن تفشل هجمات جيش المرتزقة والمجرمين تحت قيادة حفتر على طرابلس، وأن يتوالى وصول نعوش المرتزقة من جنود وضباط عسكر مصر، وأن يختلط الأمر ويعلن الإعلام المخابراتي الفاسد أنهم ضحايا الإرهاب في سيناء، بل ان قائد المنطقة الشمالية العسكرية سقط في معركة درنة وقيل أنه مات نتيجة حادث سيارة، وما حدث بعد ذلك معروف من توالي الهزائم على محور نتنياهو العربي في ليبيا، وحتى سقطت قاعدة "الوطية" الجوية رغم الدفاعات الروسية الجوية المتقدمة، ثم تسقط كل المناطق غرب طرابلس ولحد الحدود الليبية التونسية، وكل معسكرات جنوب طرابلس، وهنا يطرح السؤال الحرج نفسه : هل يعقل أن أباطرة الأسواق السوداء العسكرية في مصر كانوا مقتنعين أنه بهذه السهولة يمكن تعويض سيناء ببني غازي؟ أم أنهم كانوا يسهلون على أنفسهم ابتلاع الخيانة بمزجها ببعض الوهم؟.
هزيمة محور نتنياهو العربي في ليبيا ليست عسكرية فقط :
في ذروة جديدة للأحداث مكالمة من مايكل بومبيو مع السراج يدين فيها تدفق السلاح الروسي والمرتزقة إلى ليبيا، وفي نفس اليوم 22 مايو بيان من السفير الأمريكي في ليبيا ريتشارد نورلاند يثني على "مساهمات حكومة الوفاق الهامة في دحر الإرهاب وتحقيق السلام"، هكذا وفي وثيقة أمريكية رسمية وفي وقت حساس تدين محور السيسي وبن زايد وبن سلمان وحميدتي وحفتر ومرتزقة فاجنر بالإرهاب؛ فتضاف إلى الهزيمة العسكرية هزائم سياسية ودبلوماسية إقليمية ودولية. ولكن هل يفتح الأمريكيون بذلك جبهة جديدة لاستنزاف الروس ومعهم عرب الظلام والهمجية وبالتالي نحن أمام وضعية سورية؟ الأيام القادمة ستجيب على هذا السؤال.
وهكذا تختلط الأوراق، وتتعدد أسباب الخسائر ويزداد العمى السياسي لجمهورية الاقطاع العسكري المركزية في مصر، ويتحقق الدرس الذى كتبت عنه مرارا، وهو أن النظام الذى يشتري بقاءه ببيع ترابه الوطني والتنازل عن المصالح العليا للوطن في مقابل استمرار نهبه وتسلطه، وجلبا للحماية من جرائمه ضد الإنسانية، لايصلح نظام كهذا بحال من الأحوال شريكا في سياسات إقليمية أو دولية، وأنه سرعان ماينصرف إلى محاولة عبثية لتقليل خسائره فقط، وأن يظل يتسول فرص بقاءه في مقابل تنازلات تزداد وتيرتها، وفي النهاية سيخسر كل معاركه باستحقاق، ماعدا معركة وحيدة سيكسبها ضد مصر الشعب والوطن، وفي ختام المأساة لن يصبح له قيمة عند كل من استخدموه وسيتحول إلى نفاية شرق أوسطية كريهة سامة متطفلة تجلس فوق أطلال
وبقايا وطن ودولة تنتظر رصاصة الرحمة. #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي