أحلامُ الملائكةِ كيف تَكونّ ؟ ! في رواية - أحلامُ الملائكةِ -

صلاح شعير
2020 / 5 / 25

بقلم: الناقد والفنان سد جمعة


القارئ والمتابع للإصدارات الأدبية لـ د . / صلاح شعير ... يُدركُ أنهُ مُهتم اهتماما بالغاً برصد التغيرات الاجتماعية والقيم والسلوكيات الإنسانية في مصر من خلال نموذج " القرية " ، وهي النموذج الأمثل و المستوطنّ الرئيسي للقيم الدينية و بالدرجة الأُولي مع القيم والسلوكيات الفطرية الشفيفة ، ذلك لأن القرية هي الطرف الأقرب تلامساً للمدينة ، كما أنها الرافد الدافق لهذه القيم الأصيلة لسكان المدينة والمَرجع و المُرجح بصورة ما للإصلاح والتقويم و الاحتفاظ بصورتها التقليدية - مع العمل بها - كوسيلة ناجعة لهوية نقية و خاصة بين الدول ، إن رصد هذا التغير و التأثيرات المُتبادلة بِحداتِها وسرعتها ، ومدي تغلغُلِها في نسيج الإنسان وبالتالي البيئة المحلية ثم المجتمع و الهوية المصرية ذاتِها يؤكد صواب هذا التوجه الذي يهتم به كاتبنا .

إن هذه المتابعة و الرصد العلمي في إطار أدبي وفني يعيد للذاكرة أدبيات الرواية المُؤرِخَة لِحقبةِ من الزمن كما رأينا في أدبيات وروايات أديب نوبل مصر و العرب : نجيب محفوظ في الثلاثية وغيرها أو علي وجه الدقة للقرية والريف المصري منبع القيم والحضارات والسجل الدائم للتطور الديموغرافي للبيئة والسكان ؛ لقد فعل ذلك أسماء عديدة من الكتاب المصريين مثل محمد حسين هيكل ؛ يوسف ادريس ؛ عبد الرحمن الشرقاوي ؛ محمد عبد الحليم عبد الله ؛ توفيق الحكيم وغيرهِم كُثر .

ولقد كانت للكاتب رؤيته المستقبلية في تغير سماتِ القرية المصرية من خلال رصده للزحف الطاغي لسلوكيات وأخلاق سكان المدينة ؛ فبدلا من أن تستقبل المدينة وتكتسى ببعض سماتِ المدينة ولو تجملا، صارت القرية فريسة سعلة أمام الزحف الطاغي لسلبيات سلوكيات المدينة ، ولم تعد القرية كما كانت واحة الراحة والخضرة والماء والوجه والسلوك والأخلاق الحسنة ؛ ومصدراً حقيقياً لهم ؛ لقد تغيرت القرية عن زمن من كتبوا عنها ذكتُ أسماؤهم حتي أصبحت القرية كمريض الجزام تتساقط من وجهه وجسده قطعٍ من اللحم وظهرت البثور و الحفر العميقة مِن جراء التساقط السريع للسماتِ الجمال ، و الطهر، وحلت الدمامل و التقيحات و القبح و الضعفِ والبؤسِ مكان آياتِ الجمال ، لقد رصد الكاتب بنجاحٍ بالغ ذلك في محاولتهِ لفت الأنظار لِما يحدث و تدارك ذلك ، فكانت شخصياته من أهل القرية أو الوافدين إليها ومِن خلال صراعات رهيبة فيها الكثير من السلبيات الخلقية وهي تتشاحن مع بعضِها بقسوةٍ وعنفٍ بلغ حد الإزاحة و الطرد و الفتن و القمع و السطوة البدنية و الإرهاب و وصولاً للدماء و القتلِ المباشر ؛ كان الكاتب بارعاً في تصوير و رصد كل ذلك و بصورة درامية تحملُ الفكر كما تحمل صدق الرصد .
إن هذا يؤكد أن الرواية ستبقى دوما الأميز أدبيا كوثيقة شاهدة عن تطور و تغير الإنسان بل و والبيئة الدائم في كل بلدٍ .

* ولا اغفل أن أُشير بما هو معلومٍ عن كاتبنا الراقي أنه يحمل دكتوراه في الاقتصاد وله كتب ذات أهمية وقيمة بالغة وربما غير مسبوقة في خصوصيتها و اهتمامها بالأثر الاقتصادي و البعد الاجتماعي لعدد من المشاريع القومية الحديثة في مصر .
و ... نبدا معاً رحلة نلتقط الأبرز في هذه العمل الأدبي الذى نحنُ بصدده " أحلام الملائكة " .
نعلمُ أنّ " الملائكة؛ هُمّ حلمٌ لكثيرٍ مِن البشر؛ فما تكونُ أحلامُها!

* عنوان الرواية كان اختيار و إبداعُ ذكى؛ لا يجبُ أن نغفلهُ و نحن نمضى إلي ما بعدهِ ؛ و يُهيئ القارئ للبحث عن الملائكة في الرواية، وأيضا يُتيحُ له إعداد و تصور لِما تكون عليه أحلام هذه الملائكة .

* كما أن الغُلاف ذاته يمثل بألوانه شبه الداكنة ، ومكوناته الرئيسة أيقونات القرية المصرية المرأة الريفية المصرية ، والترعة ، وجرة الماء ربما لم تعد تمثل فقط وعاءاً للماء؛ بل هي أشبه بوعاءٍ يحملُ ا لذكريات لكل بما فيها من الآمال و المعاناة ، مع خلفية لحظاتٍ من بزوغ " الفجر" و إشراقة بشائر أضواء يومٍ جديد لأمال وأعمال روتينية تتدثر بوهج طاقات متجددة راغبة في اختلاف جديد عن يوم سابق سنلاحظه في ثنايا صفحات الرواية .

* ويأتي الإهداء البسيط و العام " إلى كل عشاق الأمل " ، كبطاقة دعوة رقيقة يصطبها ويبرزها القارئ كوثيقة عبور حين تدلهمُ الأحداث ليمضي بشغفٍ إلى نهاية القصة .

* لقد كان لتعبير ناقدنا الراحل محمود امين العالم " البناء المعماري " حين تعرض في قراءاتِه لأدب نجيب محفوظ ، سنجد أديبنا د . / صلاح شعير .. يهتم بتقنية إعداد الهيكل المعماري لأحداث و شخصيات رواياته ، فهو بوسيلة ما وتقنية احترافية رائعة ، يجيد رسم الشخصية بدءاً من الأسم و الملامح والسمات الخُلقية والسلوكياتٍ وأسلوب الحوار ... الخ ؛ ليتسقُ ذلك مع الإطار الذى تتحرك فيه الشخصية على امتداد الرواية لِينزعُ الكاتب نفسه من الوجود أو التأثير أو التدخل المباشر في لغة السرد – ونأمل ان يتدارك و يقلل حجم تدخله الواضح من خلال إضافة تقارير مُباشرة قد يكون مضطراً لإضافتها بحكم أسلوب صياغته المألوفة في كتاباتهِ العلمية >

* ولقد كان أديبنا حريصاً أن يكون البناء الهيكلي مُكتملاً فنيأ حيث أن الرواية تقع في 176 صفحة من القطع المتوسط ؛ و تتكون من 20 فصلا معنوناً بأسماءِ تُدلل على ما في الفصل و أحداثهِ ؛ بداية من الفصل الأول المعنون " جميزة العم حافظ " التي يُشير من خلال " الجميزة " التي تعني الرسوخ و الجذور و الإثمار الدائم للقيم و السلوكيات المتأصلة في القرية، وباقي العناوين تشيرُ لأحداث كل فصل ( البؤساء ؛ الغيرة القاتلة ، السرايا ، المصيف و الشقاء ؛ السقوط ؛ أحلام الملائكة ؛ الجريمة ؛ الوداع الأخير؛ شؤم المعصية و الآلام ؛ الهروب ؛ الأمل ؛ الغزو ؛ المفاجأة ؛ العودة ، المواجهة ؛ الفجر ، الغدر والحلم ) .

* وأعد مع دقة رسم الشخصيات ؛ تنوعِها و اختلاف ثقافتِها و بنيتِها الذاتية والنفسية المرتبطة بثقافات تخلطُ أحيانا بين العلم و الجهل والآمال والطموحات المُتعددة البسيط منها و المُعقد وإيجاد آليات ومبررات لكل شخصية في أدوارها المُتباينة في أحداث و تطور الرواية وتأثير ذلك المباشر وغير المباشر حتى حين ينتهي دور كل شخصية ؛ لتأجيج الصراع وتفعيل الاحتداد الدرامي الأساسي للرواية أو ما يمكن تسميتهُ بعنصر الإثارة و التشويق للقارئ .

* يتمتع أديبنا بقدرته السردية الفائقة التميز في اللغة و أسلوب سردٍ بسيط دون إسهابٍ يُسطحُ أو اختزال مُخل ، مِن خلال كلمات حوارٍ متسقُ تماماً مع الشخصية نفسِها و ثقافتِها تأكيداً لصحة رسم الشخصية و سلوكياتِها التي وضع بذورها في بناءهِ لِلمعمار الهيكلي للرواية .
* ولعل الرائع في بناء هيكل الرواية مع تعدد الشخصيات ( مدرس ؛ موظف ، ريفي أو ريفية ، عامل أو عاملة ؛ طالب ؛ دارس علم ؛ طبيب ؛ مثقفٍ بدرجاتٍ متفاوتة ... الخ ..... إن هذه النماذج و من خِلالِها يرصد الكاتب التحولات و التغيرات في القيم و السلوكيات الإنسانية والشخصية لكل من في القرية؛ وقد جاء هذا الرصدُ بوسيلةٍ أدبية وعلمية - في آن واحد – لِمن يعنيه الأمر في المراكز و الهيئات العلمية المُختصة.

* ربما لأنه لم تتوفر لي سوي نسخة PDF؛ لم أتمكن من عرض نماذج تُدلل على ما ذكرته من تقنيات أو فقرة من فقرات و صفحات الأحداث.

* الرواية و إن كانت تدور حول شخصية رئيسة ومحورية ؛ إلا أن الكاتب و من خلال بناءِه المعماري لها ؛ جعل كل الشخصيات أبطالا ؛ وجعل البيئة و المكان والزمان أيضا أبطالا حقيقين . بل جعل " الحُلم " حُلماً للبشر والملائكة ، حين ينهي روايته بفقرة طويلة اقتطع منها عمقاً واضحا للرواية في هذه الفقرة :

( عندما تطهرت النوايا ؛ إنبلج من الأعماق وجه الملائكة تحوم فوق السنين ، ليزيح مع البشر جبال الجهل من فوق العلوم ، فقبض الجميع علي خيوط الفجر يجذبون الشروق من جوف السماء حتي يأتي الصبح الجديد )