رحلة حول العالم: أنغولا - حرب أهلية في خضم الحرب الباردة

كلكامش نبيل
2020 / 5 / 23

في رحلتنا حول العالم، كانت الوجهة الجديدة أنغولا، الدولة الواقعة في جنوب غرب إفريقيا. تتناول أغلب الوثائقيات المتوفرة عن أنغولا موضوع الحرب الأهلية هناك، وبذلك قررتُ مشاهدة وثائقي من إعداد روبرت روي وديفيد أوستريكر وإخراج بيل ريتشاردسون وديفيد هاريل، وإنتاج شركة ستورنووي عام 1990. يبدأ الفيلم بالحديث عن أنغولا، المستعمرة البرتغالية منذ القرن السابع عشر وحتى سبعينيات القرن الماضي، وكيف حولت المطالب بالاستقلال البلاد إلى مكان للحروب والموت والجوع في أطول حرب أهلية في إفريقيا (1974-2002). إذ وعد البرتغاليون شعب أنغولا بإجراء انتخابات قبيل الإنسحاب ولكنهم كانوا يعرفون استحالة القيام بها وكانوا يخططون لمنح السلطة لجهة شيوعية تسيطر على العاصمة لواندا. في هذه الحرب كان اللاعبون الكبار: القبائل الأنغولية والبرتغال وكوبا والولايات المتحدة، إذ دعم السوفييت والكوبيين الحكومة ممثلة ب MPLA، ودعمت الولايات المتحدة مجموعة FNLA في الشمال في البدء، فيما كانت Unita في الجنوب ممثلة بأكبر قبائل البلاد. سرعان ما فشلت الجبهة الشمالية بدعم الولايات المتحدة، وسيطر الشيوعيون على الحكومة – كما خططت البرتغال قبيل انسحابها، وتلقت البلاد دعم السوفييت والمعسكر الشرقي. لكن القبائل في الجنوب، رغبت في الاستقلال بدون تدخلات أجنبية، وحظيت Unita بدعم جنوب إفريقيا ومن ثم الولايات المتحدة. كان الجنود في الجنوب يتمتعون بمعنويات عالية ولكنهم يعانون من قلة التسليح ومعظمهم يقاتل بدون أحذية. كانت جنوب إفريقيا تريد دعم الولايات المتحدة لها في التسليح لصد السوفييت، ولكن الكونغرس تدخل بسبب التسريبات وصوّت مجلس الشيوخ بالضد من التدخل في أنغولا وبذلك اضطروا للتوقف وتوقفت جنوب أفريقيا عن الدعم أيضًا، فتمكنت الحكومة المدعومة من كوبا – التي أرسلت قوات للبلاد – في صد المتمردين وتشتيت قوات Unita في البراري.

لكن الاقتصاد بدأ بالتراجع في ظل الشيوعية، فتراجع الانتاج الزراعي وتحولت أنغولا من بلد يصدر الفائض الزراعي إلى بلد يعتمد على مساعدات الصليب الأحمر وتوقفت المصانع وأصبح الكثير من الناس يعتاشون على القمامة. كانت ألمانيا الشرقية تدعم المجال الأمني، فيما توفر كوبا التسليح والجيش وبلغاريا تسلّمت الملف الزراعي. يتحدث ضيف بولندي عن الواقع المزري في البلاد وعمله كملحق دبلوماسي في لواندا وعن درايته بفشل المنظومة الشيوعية في بولندا وكل الدول التي تدخلت فيها. لكن قوات Unita أعادت بناء نفسها في الجنوب وتوافد عليها المعلمون والأطباء وغيرهم ليكونوا مجتمع قائم بذاته وبدأت القتال مجددا ضد الكوبيين الذين سيطروا على البلاد. لكن الحكومة استخدمت التعليم أيضًا ضد قوات Unita وكانت تعلم الطلاب بالضد من أهدافها وتكرّس الأفكار الشيوعية في البلاد، وتم أخذ ألمع الطلاب للدراسة في كوبا. يذكر الفيلم قيام الكوبيين بأخذ الأطفال من القرى وإرسالهم للتعليم بعيدا عن وطنهم، ويظهر الفيلم أم تبكي بحرقة وهي تتحدث عن ابنها الذي أخذه الكوبيون منها – وعمره 12 عام – وكيف قاومت ذلك فقطع الجندي ذراعها. يظهر الفيلم أيضًا أغنية بلحن جميل تدين التدخل الكوبي وكيف رأى الأنغوليين ذلك التدخل بمثابة إرهاب ضدهم.

وفي مفارقة مثيرة للسخرية، بحسب الفيلم الوثائقي، كان النفط الداعم الأساسي للاقتصاد المتهالك في ظل الشيوعيين، لكن شركة نفط أميركية هي التي كانت تسيّر الشركات النفطية مع أن الولايات المتحدة تحارب النظام الشيوعي وتموّل المقاتلين في الجنوب. يذكر بعض الكوبيون في الوثائقي أن كوبا كانت تُستخدم من قبل السوفييت وأنها ورطتهم في أنغولا وإثيوبيا وجنوب اليمن، في باب المندب. في النهاية، وبسبب التورط السوفييتي في أفغانستان، بدأت روسيا تقيّم تدخلها في أنغولا وأنه غير مجدٍ اقتصاديا وكذلك الحال بالنسبة لجنوب إفريقيا، وبذلك قرر غورباتشوف عقد قمة للسلام باتفاق الحكومة التي تترأسها مجموعة MPLA وجنوب إفريقيا من دون إدخال Unita في المفاوضات مع منح #ناميبيا استقلالها عن جنوب إفريقيا. قد يكون ذلك السبب في استمرار الحرب الأهلية بعد ذلك حتى العام 2002 لأن الوثائقي تم انتاجه عام 1990 ولم تكن الحرب قد توقفت بعد. نستنتج من هذا الفيلم كيف كانت الحرب الباردة مشتعلة في الواقع في بقع كثيرة حول العالم وأن تسمية "الحرب الباردة" تعني أن الحروب بعيدة عن أراضي الدول الكبرى ليس إلا. الوثائقي مهم ويستضيف شخصيات أنغولية وكوبية وأميركية وروسية وبولندية وغيرها.

رابط الفيلم: shorturl.at/brN13